محمد شريم

*نائب رئيس التحرير .

يقال أن التاريخ هو أقل العلوم التزاماً بالموضوعية ، ويبرر أصحاب هذا الرأي موقفهم بأن ما يصل الخلف من أخبار السلف ما هو إلا أخبار الأقوياء ، أي ما يكتبه المنتصرون من ناحية ، وما يريد الحكام تسليط الضوء عليه من ناحية أخرى . أما أخبار العامة ، وحياة الشعب اليومية المعاشة فلا يصلنا من أخبارها إلا القليل .

وكم كان سيحسن أجدادنا الأوائل صنعاً لو تطوع من يجيد الكتابة منهم وعمل على تدوين يومياته الخاصة ، إذ كان من الممكن أن يتوفر لدينا ـ بهذا التدوين ـ توثيق مهم  لحياة الأمة بحكامها ومحكوميها أكثر موضوعية من ذلك التاريخ الذي تكتبه الأقلام المأجورة بناء على رغبة من الحكام أو استدراراً لرضاهم .

ولأنه لم يكن مثل هؤلاء ( المتطوعين ) فإننا نعاني من قلة المعلومات عن التاريخ الحقيقي للشعوب ، فقلة التسجيل أو انعدامه أودى بهذا التاريخ إلى خانة النسيان أو هاوية الفقدان.

إن الذي جعلني أتذكر هذه الحقائق المعروفة عن التاريخ ، وأذكّركم بها ، هو موقف مررت به مؤخراً ، حينما طلب مني أحد الأصدقاء ، وهو أكاديمي معروف ، أن أساعده في تسجيل وتوثيق بعض المعلومات عن الحركة الأدبية في فلسطين ، وبضمن ذلك تأسيس اتحاد الكتاب ومراحل تطوره ، لأن هذا الأكاديمي يريد إعداد دراسة تتعلق بهذا الموضوع ، وقد دفع الحرص على دقة التوثيق والالتزام بأصول البحث العلمي هذا الرجل العالم إلى أن يفضّل الحصول على المعلومة من مصادرها الأولى ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، وأعني بالمصادر الأولى تلك الشخصيات التي كانت محور الحدث في حينه وموضوع الحديث في هذه الدراسة .

وبالفعل ، فقد أرسل إلي هذا العالم الجليل ـ والعالم هو صاحب العلم مهما كان تخصصه ـ جملة من الأسئلة لأجيب عما استطعت منها ، ولأبحث عن الإجابات المتعلقة بالأسئلة التي يتعذر علي الإجابة عنها لدى الأصدقاء والزملاء الذين عايشوا تلك الأحداث أو شاركوا فيها .

ولكم كانت المفاجأة عظيمة عندما اكتشفت أنني ، وأنا الذي عايش الكثير من تلك الأحداث ، وكنت مشاركاً في بعضها ـ ولو بالمقدار اليسير ـ قد أصابتني آفة العلم ـ وهي النسيان ـ فألفيت نفسي وقد مسح الزمان من ذاكرتي الكثير من أصولها وفروعها ! ولكم كانت المفاجأة أعظم حينما اكتشفت أن معظم المشاركين المحوريين ـ آنذاك ـ في صناعة تلك الأحداث قد امتدت ممحاة النسيان إلى ذاكرة كل منهم بهذا القدر أو ذاك ، لدرجة أن بعضهم قال لي وقد أسعفتني الذاكرة بأن أسوق أمامه بعض الأحداث التي كان شاهداً عليها ومشاركاً فيها : أغبطك على هذه الذاكرة ، فقد ذكرتني بما نسيته عن نفسي !

وللحقيقة ، فإنني لا أقصد من خلال هذه السطور أن ألوم أحداً لأنه تجنب تدوين يومياته في ذلك الزمان ، أي قبل ثلاثة عقود ، فقد كانت فلسطين ـ وما زالت إلى حد كبير ـ تمر بظروف استثنائية تجعل من الصعب على كاتب اليوميات أن يسجل تجاربه أو مشاهداته بأريحية ، وكما يريد ، بل لربما كان من أبواب التفريط أن يقوم النشطاء بكتابة يومياتهم في الكثير من الأحيان ، لما قد يستجلبه ذلك من تبعات على الكاتب ومن حوله .

ولكن هذا لا يمنعنا ـ بالطبع ـ  من التذكير بأهمية تسجيل اليوميات ، حيثما كان ذلك ممكناً ، وأخص بهذا التذكير الأشخاص الذين هم في مركز الأحداث ، ومع ذلك فقد يكون من الأجمل أن يعمل الكثير من المراقبين ـ الذين يراقبون الحالة عن بعد ـ على كتابة يومياتهم بناء على ما يشاهدونه من أحداث ، فالمشاهد يرى ما يجري على المسرح في العادة أكثر من الممثل ، ولربما كان وصفه للمسرح وما يجري عليه من الفعل والأداء أكثر صدقاً وموضوعية من وصف الممثلين أنفسهم!