شرق وغرب – بدأت الأصوات التي تنادي برفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ترتفع عقب ثورة ديسمبر 2018، التي أدت إلى الإطاحة بالرئيس السوداني عمر البشير.
وانتقلت هذه الأصوات إلى خطوات عملية، حيث أجرى رئيس مجلس الوزراء السوداني، عبدالله حمدوك، زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة، التقى خلالها مع مسؤولين في وزارات الدفاع، الخارجية والخزانة الأمريكية، بالإضافة إلى الكونغرس.
ودعا حمدوك إلى رفع اسم بلاده من قائمة ما تعتبرها الولايات المتحدة الأمريكية “دولًا راعية للإرهاب”، لانتفاء أسباب وجوده فيها، بعد سقوط نظام البشير، وذلك خلال لقاء مع مدير الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، مارك جرين، بحسب الوكالة السودانية الرسمية للأنباء “سونا”.
وأعرب حمدوك عن أمله بالحصول على دعم شركاء السودان، بما يسهم في مواجهة التحديات المتعددة أمام الحكومة الانتقالية.
وتعتبر زيارة رئيس الوزراء السوداني إلى الولايات المتحدة هي الأولى لزعيم سوداني منذ عام 1985.
لكن الرجل بدا متخوفا من استمرار المطالبة بضرورة إجراء تسويات مع عائلات ضحايا أميركيين أصيبوا خلال اعتداءات على السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا في العام 1998. وفق تقرير لمجلة فورين بوليسي.
فبحسب “الحرة”، أشار تقرير المجلة صراحة إلى أن “التحول لحكومة ديمقراطية سيكون صعبا، وما سيجعله أصعب بقاء السودان على قائمة الدولة الراعية للإرهاب”.
وأضاف أن “من المستحيل تقريبا أن يستوفي السودان الشروط المطلوبة لإزالة اسمه من الدول الراعية للإرهاب، بينما لا يزال يرزح تحت القيود والضغط”، وتخوف من أن مكاسب السودان وتحوله نحو الديمقراطية يمكن أن تضيع في حال استمرار وصمه بصفة “لم تعد فيه”.
وقال التقرير إن إزالة اسم السودان من لائحة الدول الأميركية الداعمة للإرهاب سيعني لها انفتاحا اقتصاديا على المنظمات الدولية والصناديق الاستثمارية.
و تعهّد نواب أمريكيون في محادثات عقدت في الكونجرس بدعم الحكومة السودانية الجديدة، لكنهم شددوا على ضرورة التوصل إلى تسوية مع عائلات ضحايا الاعتداءين المذكورين.
وفي هذا السياق قال حمدوك: “نحن أيضاً كأمة ضحايا للإرهاب الذي مارسه علينا النظام السابق لكننا قبلنا هذا”.
وأشار إلى وجود مفاوضات بشأن التسوية مع عائلات الضحايا، قائلاً: “نحن نحرز تقدماً في هذا الصدد ونأمل أن نتمكن من الوصول إلى نتيجة”.
ويقول الزميل غير المقيم في المجلس الأطلسي، كاميرون هدسون، ان حكومة حمدوك تبدو جادة للغاية في اتخاذ الخطوات الضرورية لتلبية متطلبات واشنطن من أجل إزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب
ويوضح هدسون – الذي شغل منصب رئيس الأركان للمبعوث الأمريكي الخاص إلى السودان بين عامي 2009-2011 – لـ”شرق وغرب” ان ذلك يشمل السعي إلى تسوية الدعاوى القضائية ضد البلاد في المحاكم الأمريكية والتعاون بشكل كامل مع الولايات المتحدة في عمليات مكافحة الإرهاب المستمرة داخل البلاد.
ويضيف: إلى جانب هذه المتطلبات، أعتقد ان المسؤولين الأمريكيين يرغبون بالمزيد من الثقة في أن الإصلاحات المدنية التي تجري الآن ستستمر إلى ما بعد المرحلة الانتقالية. وطالما أن الحكام العسكريون والمدنيون يواصلون العمل بشكل تعاوني فأعتقد أن هناك فرصًا جيدة لتتم إزالة السودان من القائمة.
من جهته، يقول الباحث السوادني المتخصص في الشأن الإفريقي، عباس محمد صالح عباس، ان السلطة الانتقالية في السودان تستطيع تقديم تنازلات وتلبية كافة شروط واشنطن بخصوص رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، لكنها تواجه مصاعب وتحديات داخلية تجعلها غير موثوقة بعد كشريك لدى واشنطن.
ويوضح عباس لـ”شرق وغرب”: ان هناك دوائر في الولايات المتحدة ترى أن المكون العسكري في السلطة الانتقالية في السودان لا يزال هو الطرف الفاعل، وبالتالي فإن رفع العقوبات او شطب اسم السودان من القائمة سيصب في صالح العسكر. بينما تنظر أخرى إلى أن المكون العسكري يمكن ان يكون الشريك المفضل بالنسبة لمصالح واشنطن لأنه الأقدر عل حفظ الأمن والإستقرار. لكن في نفس الوقت، يجب التأني في مسألة شطب اسم السودان من القائمة كي لا تُوجه انتقادات لواشنطن بسبب هذا الموقف.
ويشير إلى ان هناك أيضا مجموعات ضغط مؤثرة في الكونغرس تضع شروطاً هنا وهناك – حسب وصفه – وتدفع رئيس الوزراء لتنبي أجندة صدامية مع المكون العسكري من جانب، ومع مكونات محلية عدة من جانب اخر، معتبراً انه قد لا يكون متمتعاً بالقوة الكافية لتحمل تبعات هذه الأجندة. ويؤكد عباس ان موقف الخرطوم سيكون متردداً، وربما يحاول الموارنة بين شدة التجاذبات الداخلية والخارجية.
ووضعت الولايات المتحدة الأمريكية السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب في عام 1993، خلال عهد الرئيس الأسبق بيل كلينتون، بسبب اتهامات بدعم نظام البشير للإرهاب قبل أن تقوم بتعليق عمل سفارتها في الخرطوم بعد ذلك بنحو ثلاثة أعوام.
واستضاف البشير زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في السودان عام 1991. وقد تفافقت الضغوط الأمريكية والدولية عليه بعد أن أتاح معسكرات تدريبية للتنظيم، وقد أسفرت هذه الضغوط إلى قيام البشير بطرد بن لادن في عام 1996.
لكن ثمة إشارات ظهرت بعد الإطاحة بالبشير تدل على تحسن العلاقات بين البلدين. ففي خلال زيارة حمدوك، ذكر وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في بيان أن الولايات المتحدة والسودان يعتزمان تبادل السفراء، بعد انقطاع دام 23 عاما.
وجاء في البيان الصادر في 4 ديسمبر الجاري: ترحّب وزارة الخارجية ترحيبا حارا برئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك في أول زيارة له إلى واشنطن. ويسرّنا اليوم أن نعلن أن الولايات المتحدة والسودان قد قرّرا بدء عملية تبادل السفراء بعد فراغ امتدّ 23 عامًا. ويعتبر هذا القرار خطوة مهمة إلى الأمام في تعزيز العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والسودان، خاصة وأن الحكومة الانتقالية التي يقودها مدنيون تعمل على تنفيذ إصلاحات واسعة بموجب الاتفاق السياسي والإعلان الدستوري الصادر في 17 آب/أغسطس 2019.
وقال: نحن نتطلع إلى العمل مع مجلس الشيوخ لتثبيت تعيين سفير أمريكي لدى السودان.منذ تعيينه في 21 آب/أغسطس، قاد رئيس الوزراء حمدوك الحكومة الانتقالية في السودان، وشكّل حكومة مدنية، وأجرى تغييرات أساسية بين القائمين على الحكم لكسر سياسات وممارسات النظام السابق. وقد أظهر التزامًا بمفاوضات السلام مع جماعات المعارضة المسلحة وأنشأ لجنة تحقيق للتحقيق في أعمال العنف ضدّ المتظاهرين والتزم بإجراء انتخابات ديمقراطية في نهاية فترة الانتقال البالغة 39 شهرًا.
هذا، وبحث حمدوك تعزيز العلاقات بين الولايات المتحدة والسودان خلال اجتماعه في واشنطن مع ديفيد هيل وكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية.
وغرّد حمدوك على “تويتر” عقب الاجتماع قائلاً ”إن توطيد العلاقات الدبلوماسية الدولية يعتبر معلما هاما في خارطة التنمية. بعد انقطاع دام 23 عاما، من العظيم أن نشهد بدء عملية تبادل السفراء بين السودان والولايات المتحدة الأمريكية. هذه خطوة مهمة نحو إعادة بناء السودان“.
وشهد شهر أغسطس الماضي توقيع كل من المجلس العسكري الانتقالي في السودان وقوى “إعلان الحرية والتغيير” بشكل نهائي على اتفاق لتقاسم السلطة خلال مرحلة انتقالية.