ناصر عطا الله

*ناصر عطا الله : أديب فلسطيني.

سفر جديد في أنهار الرواية الأدبية، لشابةٍ تعجلت المراكب وحملت أشرعتها لتصل البحر من دلتا الخيال، فكانت الحكايات دسرها المتينة والمشاعر الفياضة حبرها المنساب، وما أكثر الدمع إن بكت القلوب، و”ياسمين” العائدة للتو من التيه تواصل فيه عميقاً، لا تجيد غيره لتعيش بعيداً عنه، فهي الطفلة المحرومة، والصبية المخدوعة، والمرأة المغدورة، وتصرفات القدر فيها تشبع جبلاً أصم ليتكلم، فالكاتبة نحاتة جيدة لأخاديد العيون وقنوات الدمع المنساب من الكحل، ورسامة ماهرة لأحاسيس تفجرها اللحظة سواءً في لقاءٍ بعد غياب، أو في انتقام يشتد صراعه لتتدخل السماء وتحمل الطائرات المحاربة، ولا تزداد حمية الروائية إلا في وصف ألم يعيشه طفل. الرواية صناعة خيال خلط بالواقع قصدته الكاتبة لإظهار مهارة في السرد الطويل، فنام الغلافان وبينهم 703 صفحة من الحجم المتوسط، وكان لكل 200 صفحة أن يكونوا رواية مستقلة لذات الحبكة في ثلاثية دافئة على الأقل،

ولكن الروائية ترى في طاقتها قدرة على الإبحار بنفس طويل، معتمدة على أسلوبها الشيق والبوليسي والرومانسي لكي تأخذ بيدها كل قارئ صاحب “ياسمين” وقد لا ينهي فنجان قهوته قبل أن ينهي الرواية. ” ياسمين” رواية الكاتبة إيمان الناطور من مدينة غزة، لم تصل بعمرها للأربعين بعد، ولكنها سبقت من تجاوز هذا العمر خبرةً في عوالم النفس وضغوطها، فكتبت عن قضايا تمس العقل الذي يحرم الكلام فيها، ووضعتها بطريقة مبدعة لتأمن عدم رفض ما تكتب فيهمل كتابها، فجاءت على زواج المختلفة أديانهم بغض النظر عن النوع الاجتماعي، سواء أكان الذكر من دين والأنثى من دين آخر وهي عالمة بتشريع هذه الزيجات في الأديان، ولكنها كسرت تابو المحرمات لتذهب بعيداً وتزوج مسلمة من مسيحي دون أن تلمح لمسجد أو كنيسة، ولم تصرف خيالها ولا خبرها في تناول الآراء والمواقف في هذه القضية، بل أشغلت القارئ بضخامة الأحداث الحاصلة والتي يواجهها أبطال الرواية، ومن هنا اخترعت لغتها لتكون سلسة وبسيطة دون تكليف ولا فلسفة ولم تراوغ المعاجم ولا المصطلحات، بل مررت الكلام على سجيته، وإن تكررت الجملة الواحدة عشرات المرات لوصف الحالة، فهي تمضي إلى صبابةٍ تؤنس، وإلى غضب يتماوج، وإلى أرواح تتعارك بين الشر والخير، دون محاكمات نهائية، ولا مصائر واضحة، فالطفلة “ياسمين” تخرج من رحم مسلمة لأب مسلم ترك زوجته المسيحية التي كانت متزوجة من مسيحي فمات بعد أن أنجب منها “إلياس” بطل الرواية الذي يقع في عشق “ياسمين” دون أن يعلم أنها خصمه الذي يطارده طوال الوقت وينتظر الفرصة لكي ينتقم منها، فياسمين الطفلة تعيش قصة الحرمان بتفاصيلها بعد أن يهجرها والدها وتتركها والدتها، وتعيش في بيت خالتها ليقع في حبها ابن خالتها وينجب منها طفلاً قبل أن تتعرض لحادث غريب لم توضح تفاصيله الكاتبة رغم ورود روايات عديدة ومتناقضة ولكنها كلها توصل إلى أن ياسمين فقدت ذاكرتها وشطبت حياتها السابقة لتدخل الحكايات في مربعات أكثر اتساعاً مع خيال الكاتبة. ولأن “الفنتازيا” شطر لشطر الواقعية في رواية “ياسمين” كان الفعل الكتابي محتوماً بالأسلوب البلاغي المقدر للكاتبة، دون تعقيد أو تتويه أو حتى تحريك للجمادات، فبقيت الأصول الكونية في مكانها فلم يبك شباك، ولم تشتاق شرفة، ولم تنفجر نار من خيط ثوب، وكذلك الواقعية حضرت بشطرها العلوي الذي يذهب بالعقل لمنطقه، ولكن لا يقنعه في تقريبات كانت فأغلقت الفهم، وصارت “الفنتازيا” سيدة الموقف، ولو سلمنا أن مسرح الأحداث ليس في قطاع غزة الذي ولدت فيه الكاتبة، وكتبت فيه الرواية، لقلنا أنه في مصر أو لبنان أو روما بلد المافيا الإيطالية، وكأنّ الروائية تعمدت عدم تسمية الأماكن، واكتفت بوصف تضاريسها، كصحراء ابطنت عصابة مخدرات وسرقة وصفقات مشبوهة، ولها طائرات وعناصرها يقتحمون المدن والسجون المحصنة ويخطفون من يريدون، بكل بساطة وسهولة، وفي بيئة إجرامية نقلت إليها البائسة بطلة الرواية فاقدة الذاكرة ياسمين التي أصبح اسمها “فلة”. “فلة” التي ظهرت للبطل إلياس وهو مالك بنك ضخم ورجل حساس أصابعه تناغي البيانو فتخرج أنغامه كشلال منسدل على الأرواح لا يقطرها غصةً، ولا يبللها مشقة، ظهرت له بعد أن اقتنع بـ”أمل” الثرية والناعمة والمغرورة والساحرة بجمالها لتكون له عاشقة ومن ثم يقرر الزواج منها ليرضي والدته ( ثريا) التي عاشت تجربة الزواج من مسلم، ورغم مرارة عيشتها وحرمانها السريع من حبها، إلا أنها ضغطت على إلياس ابنها ليتمم هذا الزواج المسكوت عن أحكامه الشرعية في الرواية، وعشية الزفاف يمكر له صاحبه الصحفي فيعرفه على فنانة شفافة ورقيقة في كازينو ليقع في غرامها من أول نظرة ويتهرب من خطيبته أمل ويعيش مطاردة غزالته الجديدة، وما شاهين في الرواية سوى الانتهازي الذي يرد عين الخير لمخرز الشر فيكايد لتقع أمل في حباله من بعد عداوة ويتفقان على تدمير إلياس فيأتي السرد سيلاً بعد هذا لكشف الخصال السيئة في معتنقي عقيدة الثأر والضرب بالظهر وأصحاب الوجوه المتعددة. رواية “ياسمين” الصادرة في عام 2019 عن مكتبة سمير منصور للطباعة والنشر برقم إيداع وترقيم دولي وغلاف للوحة رسمتها جسدت زهرة الياسمين وصبية متطأطئة رأسها للدنو برمية ملونة بالسواد، سطرت قصصاً تعيشها الطبقات الاجتماعية المتفاوتة بخليط الأزمنة ووحدة الأحداث، والرواية ليست الأولى بحجمها الكبير للكاتبة فلها 3 روايات أخريات صادرة عن مكتبة سمير منصور أيضاً وهي “ثمن دموعي” و “اقترب موسم الحصاد” و”فلسطين كنعان” كما أنها تخزن في أدراجها 12 مخطوطة كلها جاهزة للتحليق في فضاء الرواية الفسيح، وكأنّها تؤنس أخشاباً وذاكرة إلكترونية في موسم الشتاء الذي يشهد مع الروائية كتابة الجزء الثاني من رواية “ياسمين”.