شرق وغرب – نشرت صحيفة “الغارديان” البريطانية مقالاً للمحرر المشارك في موقع “ديسنت”، جوشوا لايفر، بعنوان: “الأمريكيون يريدون انتهاء الحروب المستمرة إلى الأبد. لكن هذا ليس ما يقدمه ترامب”.

ويقول الكاتب في مقاله الذي ترجمته “شرق وغرب”: لقد سئم الشعب الأمريكي من الحرب. بعد 18 عامًا من الصراع المتواصل – والطويل إلى درجة أن الآباء والأبناء قاتلوا في نفس الحرب – فإن التعب والإحباط من استخدام القوة العسكرية الأمريكية في الخارج قد عمّ ثقافتنا السياسية. هذا ليس جديدًا.

ويضيف: فاز المرشحون المناهضون للحرب في الانتخابات الرئاسية الثلاثة الأخيرة. بالتأكيد، فإن إحدى السمات العديدة الضارة لحملة عام 2016 كانت تتمثل في أن الاستنكار الأقوى للغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 لم يأتي من قبل الديمقراطيين في مرحلة المناظرة وإنما من قبل دونالد ترامب. على ما يبدو، فإن اللامبالاة بالخسائر المؤلمة للحرب اللانهائية التي كانت عليها حملة هيلاري كلينتون قد كلفتها الانتخابات على الأرجح.

ويشير إلى انه بالطبع، فإن ترامب لم يخض حملته الانتخابية بصفته مناهضًا للتدخل من ناحية المبدأ أو معاديًا للإمبريالية، لكن بصفته صانع صفقات لا أخلاقي، يرغب بسحب الولايات المتحدة من الورطات التي تعتبر مكلفة للغاية أو الترتيبات مع الحلفاء الذي يُعتبرون جاحدين.

ويلفت إلى انه مع ذلك، فقد حكم، على الأقل لمعظم فترة ولايته، أشبه بكثير كجمهوري اعتيادي من كذبة توافق السياسية الخارجية ثنائية الحزب، التي كان يتظاهر بها في بعض الأحيان. لقد شغل الجنرالات الصقور والمحافظون الجدد وكارهو الإسلام (معتنقو الإسلاموفوبيا) المتشددون المناصب الرئيسية لصنع السياسة في إدارته.

ويتابع الكاتب: بدلًا من “إنهاء الحروب التي لا نهاية لها”، كما تعهد أن يفعل بشكل دوري، فقد فعل ترامب عكس ذلك تمامًا: مستخدمًا حق الفيتو في شهر أبريل/نيسان ضد قرار كان من شأنه أن ينهي التدخل العسكري الأمريكي في الحرب التي تقودها السعودية في اليمن؛ موسعًا الوجود العسكري الأمريكي في السعودية؛ ومخاطرًا بالنزاع المسلح مع الإيران بشكل متكرر.

ويواصل الكاتب: من المفارقات المحزنة أن قرار ترامب الكارثي الأخير بسحب القوات الأمريكية من شمال شرق سوريا والموافقة على الغزو التركي ربما يكون القرار الأقرب الذي أتت به إدارته للخروج فعليًا عن إملاءات مؤسسة السياسة الخارجية وتقليل التواجد العسكري الأمريكي في الخارج بالفعل. إن الانسحاب من سوريا هو النقيض تمامًا للمناهضة المبدئية للتدخل الخارجي: فهو غير متماسك، غير متسق ومن المحتمل أن يعرض القوى التقدمية والديمقراطية الضعيفة بالفعل للخطر.

ويستطرد: كما كتبت ميريديث تاكس، إنها خيانة هائلة للكرد، الذين قاتل الكثيرين منهم وماتوا إلى جانب القوات الأمريكية التي كانت تحاول طرد تنظيم الدولة الإسلامية من أراضيهم، وهي ضربة فظيعة للتجربة الثورية في روج آفا، التي قدمت لليسار العالمي لمحة عن نموذج سياسي جديد بشكل عملي.

ويلفت الكاتب إلى انه في خطوة غير استراتيجية وفوضوية أودت بالفعل بحياة أشخاص أبرياء، فإن انسحاب ترامب من سوريا يجب أن يكون إنذارًا لكل أولئك الذين تغريهم بسهولة معارضة الرئيس غريبة الأطوار للتدخل الأجنبي الأمريكي – وهو توجه يرتكز على أساس منطق المرتزقة في ابتزاز الحماية، وليس على احترام القانون الدولي أو الالتزام بحقوق الإنسان. من المهم عدم الخلط بين حساب التفاضل والتكامل القاسي للرئيس وبين الالتزام الحقيقي بإنهاء الحروب التي طال أمدها، بغض النظر عمّا قد يغرّده.

ويشير إلى انه يجب أن يُستخدم انسحاب ترامب من سوريا أيضًا كتذكير لليبراليين واليساريين بالحاجة الماسة لتوضيح بديل قوي لسياسات الالتزامات الإمبريالية – ميزانية دفاعية زائدة وغارات عبر طائرات بلا طيار واغتيالات موجهة – التي يدافع عنها الديمقراطيون والجمهوريون إلى جانب السياسة الخارجية الساخرة، والقاسية لترامب.

ويقول: إنها حتمية أخلاقية: ليس فقط على ضوء التكلفة البشرية المباشرة للمحافظة على الالتزامات الإمبريالية الأمريكية، والتي يشعر بها بشدة أولئك الذين تمزقت بلدانهم ومجتمعاتهم بسبب الغزو أو التدخل الأمريكي، ولكن أيضًا على ضوء ما يمكن تحقيقه محليًا عبر أخذ الموارد الكبيرة التي تُستخدم حاليًا لإزهاق الأرواح وإعادة توظيفها مجددًا لتحسين وحماية الأرواح في الداخل من خلال الاستثمار من جديد في شبكة الأمان الاجتماعي المتداعية للبلاد.

ويضيف: وهي، في خضم حملة الانتخابات الرئاسية، ضرورة سياسية. ربما تكون حملة إعادة انتخاب ترامب غارقة في الفضائح وغير منظمة على ما يبدو، ولكن لا يوجد شك بأن ترامب ونشطاءه يهمون الفوائد الانتخابية لموقف مناهض للتدخل؛ لقد نفعهم في السابق، ويمكن أن ينفعهم الآن من جديد.

ويكمل: يجب أن يُفهم الانسحاب من سوريا مع أخذ هذا بعين الاعتبار، كما هو الحال بالنسبة لتخفيض عدد القوات الأمريكية من أفغانستان المُقترح من قبل ترامب. بعد كل ذلك، فإن الأماكن التي تُهم فيها عودة الأشخاص المقربين من الخدمة الفعلية هي الأماكن التي سيحتاج المرشح الديمقراطي للفوز فيها إذا كان ترامب سيُهزم.

ويلفت إلى انه هم سيفشلون في فعل ذلك إذا كان موقف السياسة الخارجية للديمقراطيين يتميز بالدفاع المتسرّع عن إرث السياسة الخارجية لإدارة أوباما (مثل جو بايدن) أو عن القوت الفكري “للإدارة الأمريكية” (مثل بيت بوتيج) والذي يعني، في الواقع، إرسال المزيد من الجنود الأمريكيين، والمدنيين، في بلدان حول العالم، نحو مقتلهم.

ويختم الكاتب مقاله الذي ترجمته “شرق وغرب” بالقول: بدلًا من ذلك، يجب على الديمقراطيين طرح رؤية للسياسة الخارجية الأمريكية تقرن المعارضة المبدئية للحروب بلا نهاية مع الالتزام ببدء انسحاب مسؤول وشامل للتواجد العسكري الأمريكي في الخارج. إن المخاوف من رد فعل عنيف محتمل لهذا هي مخاوف مبالغ فيها على الأرجح. بطرق غير مفهومة دومًا على هذا النحو، يحتاج الناس المتعبون من الحرب إلى فترة راحة.