البروفيسور محمد ربيع

جاء الربيع العربي مبكرا في عام 2011 ليفاجئ العالم بزخمه وجاذبيته، لأن العالم لم يكن يتوقع أن تقوم الشعوب العربية يوما بثورة سلمية ضد حكامها الذين استهانوا بمشاعرها وأهانوا كرامتها وإغتصبوا حقوقها لعقود. وهذا جعل تلك الثورة تشيع أجواء من التفاؤل والأمل في حدوث تغيير جذري يضع العرب على طريق واضح المعالم، ينقلهم من الكبت والظلم والخوف إلى الحرية والعدل والطمأنينة. ولقد تسبب نجاح الثورة في تونس في تحفيز شعوب عربية أخرى على التحرك وكلها ثقة بأن حظها لن يقل عن حظ التونسيين. وبالفعل، تبع سقوط نظام حكم بن عليّ الذي اتصف بالفساد والاستبداد واستباحة موارد الوطن والشعب، سقوط نظام مبارك الذي لم يقل فسادا أو ظلما أو استباحة لموارد مصر وشعبها عن نظام بن عليّ. وهذا أدى إلى انتقال عدوى الثورة إلى شعوب عربية أخرى، وأسهم في نجاح بعضها في تحقيق أهدافها واقتراب آخرين من أهدافهم.

لكن هل من الممكن ان نعتبر اسقاط نظام حكم إنجازا شعبيا بإمكانه تغيير واقع موبوء بأمراض اجتماعية طالت واصبحت جزءا من الثقافة السائدة في المجتمع؟ بالتأكيد ليس هذا ممكنا ولا عقلانيا. فكل عمل ثوري أو تغيير جذري يحتاج لأمور أربعة: رؤية علمية تقوم بتوجيه الحركة الشعبية؛ وخطة عمل قادرة على ترجمة الرؤية إلى مؤسسات وبرامج ونظم حياة واقتصاد وتعليم وغيره؛ وقيادة تتمتع بثقة الجماهير ولديها ما يكفي من الوعي كي تقود بثقة؛ وتنظيم شعبي يقوم بتأطير الجماهير وقيادة حركة التغيير على طريق تحقيق الأهداف التي تتضمنها الرؤية. ولما كان الربيع العربي قد افتقد كافة العناصر هذه، إلا أنه أفرز قيادة لا بأس بها نبعت من الحركة، إلا أنها كانت قيادة بلا رؤية وبلا خطة عمل وبلا تنظيم جماهيري يدعمها، كما أن بعض رجالها البارزين كانوا قد دربتهم أجهزة مخابرات معادية للأمة العربية ولتطلعاتها في الحرية والنهضة.

يتصف الربيع دوما بجماله ورقة نسيمه وأزهاره وعطره، ما يجعل الأمل يداعب قلوب عشاق الفصول في معايشة ربيع ناضج طويل. فهل سيكون الربيع العربي استثنائي ويستجيب لهذه الأمنيات؟ سؤال من الصعب الإجابة عليه في ضوء ما يمر به العرب من أزمة حضارية طاغية وتخلف اقتصادي وثقافي وفقر وجهل علمي. لكن، بغض النظر عما ستؤول إليه أوضاع الربيع وما بعد الربيع، ومهما كانت توجهات القوى السياسية والفكرية التي ستتولى مقاليد الحكم، يمكن القول أن نظام الحكم الذي ساد الحياة العربية قبل عام 2011 قد سقط ولن يعود إلى الحياة مجددا، وأن أوجه الظلم التي رافقت الاستبداد قد قاربت على النهاية، ما يجعل من الصعب أن يستمر نظام حكم قادم يتصف بالجهل،  ولا يعرف كيف يبني وطنا ومجتمعا سليما، وكيف يحفز الجماهير على المشاركة في عملية البناء.

فيما كان الربيع العربي يُسقط رموز الاستبداد الواحد تلو الآخر، كانت دول الغرب عامة وأمريكا خاصة تدخل صيفا تميز بشدة الحرارة وارتفاع الرطوبة بعد ربيع طويل مثير ومثمر. ومع اشتداد الحرارة والرطوبة أخذ الإنسان في الغرب يحس بضيق النفس وعدم القدرة على العيش حياة طبيعية، ما جعل شعوب الغرب وقادته ومفكريه يدخلون مرحلة صعبة تتصف بالتخبط واختلال التوازن. لقد عاش الغرب ربيعا طويلا نضج على يديه وشمله بحنانه على مدى نصف قرن تقريبا، شهد خلاله ازدهارا ثقافيا واقتصاديا وعلميا وتكنولوجيا، واستقرارا سياسيا وأمنا لم يشهده منذ فجر التاريخ. لكن الغرب لم يستطع أن يحافظ على ربيعه لأنه لم يحرص عليه، ولم يدرك أن الربيع بحاجة لعناية خاصة تشبه العناية بالورود والأزهار. لهذا فقدت شعوب الغرب ربيعها، وفقدت بفقدانه إحساسها بالأمل والاستقرار والثقة بالنفس والتطلع نحو مستقبل أفضل.

إن الترحم على ربيع فات أمر مفهوم، والحنين لأيامه ولياليه أمر مقبول، لكن التمني عليه أن يعود إلى سابق عهده أمر يدعو إلى الشك في عقلانية هواة التمني، لأن كل ما يفوت يموت. وهذا يفرض على الغرب والعرب على السواء أن يجدوا أولا طريقة للتخلص من حرارة الصيف ورطوبة الصيف، وأن يحددوا ثانيا العوامل التي تسببت في انتهاء الربيع قبل الأوان، وأن ينتقلوا بعد ذلك إلى التفكير الواعي في كيفية تحضير التربة أثناء فصل الشتاء القادم لاستقبال ربيع مميز بثوب جديد، لأن حرارة الصيف ورطوبة الصيف أفسدت التربة القديمة وجعلتها غير صالحة لتجدد الربيع بحلته السابقة.

وفيما كان العرب يدخلون ربيعا واعدا، ويدخل الأوروبيون صيفا حارقا، كان الأمريكيون يدخلون خريفا عاصفا. إذ كانت أزمة أسواق العقار والمال التي بدأت في عامي 2007 و2008 على التوالي قد أغرقت الاقتصاد الأمريكي في أزمة عويصة متشعبة الجوانب، كان من نتائجها الكشف عن مدى هشاشة بنوك الغرب عامة، والاسهام في تعقيد أزمة اليورو والديون الأوروبية. وفي ضوء تواصل تلك الأزمات وتراكم تبعاتها السلبية على مجمل الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في أمريكا وأوروبا والعالم، ومنها ارتفاع معدلات البطالة، واتساع دائرة الفقر، وتزايد حالات الإفلاس الشخصية والتشرد، وتراجع الاستثمارات ومعدلات النمو الاقتصادي، وتنامي فجوتي الدخل والثروة بين الفقراء والأثرياء، فإن أمريكا دخلت خريفا طال. إذ على الرغم من مرور أكثر من 11 سنة على أزمتي أسواق العقار والمال لا تزال أزمة الديون في أمريكا تتصاعد، والعجز في الميزانية الفدرالية يتزايد باستمرار، وفجوتي الدخل والثروة تتسع وتتعمق، والتمحور السياسي يزداد حدة وبعدا عن العقلانية، والعنصرية تعود بكل شراستها إلى الهيمنة على الشارع الأمريكي وبعض شوارع دول أوروبا الغربية.

إن التاريخ الذي يرفض أن يكرر نفسه مهما كانت الظروف والتبعات لن يسمح للعرب أو للأوروبيين أو الأمريكيين أن يستعيدوا أمجادهم الغابرة مستخدمين أدوات تجاوزها العصر أو فلسفات عفى عليها الزمن. وإذا كان الربيع يرمز إلى الأمل والتفاؤل، فإن الصيف يرمز إلى الغضب وفقدان الصبر، ما يفرض على الأوروبيين أن يتصرفوا قبل أن تفلت زمام الأمور ويغدو من الصعب السيطرة عليها. أما الخريف فيرمز إلى الاستسلام، ما يفرض على الأمريكيين أن يستغلوا فترة الركود ليفكروا مليا في أسباب ما أصاب اقتصادهم من عاهات وثقافتهم من تشوه، وأن يجدوا معادلة جديدة لإعادة هيكلة اقتصادهم وثقافتهم قبل حلول فصل الشتاء. فالشتاء يحمل أمطارا وثلوجا كثيرا ما تتسبب في تدمير بيوت كثيرة، وقطع تيار الكهرباء عن بيوت أكثر، وإغلاق شوارع وطرقات بلا عدد، وتعطيل مصانع عن العمل، وهذه من شأنها أن تزيد حدة الفقر والتشرد، وتغيرس في النفوس بذور الثورة والتمرد.

ولما كان الربيع هو أمل الجميع، ومحبوب الجميع، فإن على شعوب العالم أن تعمل معا لإعداد التربة العالمية لإستقبال ربيع نوعي يكون مُلْكا الجميع، لا يستثني فقيرا أو ثريا، أسودا أو أبيضا، مؤمنا او غير مؤمن، ربيع يشمل الجميع بحنانه وأشواقه ولياليه وسحره.