المرحلة والحالة

2019-12-30T20:08:45+00:00
2019-12-30T20:08:47+00:00
خاطرة الأسبوعزوايا
30 ديسمبر 2019
المرحلة والحالة
البروفيسور محمد ربيع

وجدت بين أوراقي التي لا تعد ولا تحصى ولا يحكمها نظام ترتيب معين ملاحظة حول مفاهيم المرحلة والحالة. ولقد جاءت تلك الملاحظة نتيجة لحديث ودي جرى بيني وبين الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في تونس بعد الخروج من لبنان في عام 1983. قلت للرئيس عرفات يومها، وكان الوقت قد تجاوز منتصف الليل بنحو ساعتين، إن المقاومة الفلسطينية لم تعد منظمة تحرير تسعى لتصفية الكيان الصهيوني؛ إذ تحولت بفعل الأحداث الأخيرة إلى منظمة سياسية تسعى للحصول إلى حل يعترف بالكيان الصهيوني مقابل استرداد بعض الحقوق الفلسطينية. رد عرفات قائلا، نعم نحن انتقلنا إلى مرحلة جديدة من النضال. أجبته قائلا: أخي أبا عمار نحن تحولنا من حالة إلى حالة أخرى، ولم ننتقل من مرحلة لأخرى.

وحين بدى على وجهه الاستغراب والحيرة، شرحت له الفرق بين المرحلة والحالة. إذ فيما تعني المرحلة جزءا من مسيرة من التطور، باعتبار أن لكل منظمة أو أمة أهداف كبرى تسعى لتحقيقها، لكن الظروف تفرض عليها تجزئة هدفها الكبير إلى أهداف صغرى يتم تحقيقها عبر مراحل. وهذا يفرض على المنظمة أو الأمة المعنية أن لا تنتقل إلى مرحلة تالية إلا بعد نجاح المرحلة السابقة في تحقيق أهدافها، أي الانتقال إلى مرحلة تكون بحكم ترتيبها أكثر تطورا وطموحا من المرحلة التي سبقتها. وهكذا يتم تطبيق الرؤى الكبرى وتحقيق الأهداف العظمى. أما الحالة فتصف وضعا مستقرا إلى حد كبير، فيما تتغير معطيات الحياة وقوانين إدارتها وقواعد اللعبة السياسية من حول المنظمة أو الدولة المعنية من دون أن يكون لها دور فيها أو تأثير في مسارها؛ الأمر الذي يسلبها القدرة على المشاركة في اللعبة السياسية ويحولها إلى أداة في يد اللاعبين.

وهنا سألت أبو عمار عما إذا كان لديه استراتيجية للمشاركة الفاعلة في إدارة لعبة المفاوضات القادمة والتأثير في مسارها. وحين سكت ولم يجب، تبرعت باعداد خطة أخذت مني الكثير من الجهد والتفكير والمعاناة؛ خطة لا أعتقد انها قُرأت بكاملها لأنها لم تناقش من قبل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ولم يفتح أبو عمار الموضوع معي ثانية. وحين بدأت أمريكا حوارا معهم عام 1988، لم يحمل الفريق المفاوض معه ورقة عمل واحدة لطاولة الحوار، على الرغم من أنني أعددت لهم 4 أو 5 ورقات، كانت كل منها في حدود صفحتين؛ وحين ذهبوا إلى مؤتمر مدريد في عام 1991، لم يحملوا معهم قرارت هيئة الأمم المتحدة، وحين جاء الوقت لتوقيع اتفاقية أوسلو في عام 1993، لم يستشيروا محاميا قبل التوقيع عليها.

إن غياب الرؤية والعمل المرحلي المؤسس على فكر استراتيجي يتسبب في فشل الخطط والمواقف. ولذلك فشل العرب عامة في تحقيق أي من أهدافهم المرحلية والاستراتيجية على السواء. إذ حين لا يفرق المرء بين الحالة والمرحلة، فإنه يظن أنه يقف على رجلين راسختين في الأرض، فيما يقف على رأسه معرضا للسقوط في أي لحظة. وهكذا فشل العرب في الماضي، وأن أحداث ما بعد “الربيع العربي” تدل على أنهم ينتقلون من مرحلة فشل لأخرى أكثر فشلا كل يوم. ولما كانت المجتمعات العربية عامة ليس لديها الحد الأدنى من متطلبات النهوض، فإن من شبه المؤكد أن العرب، دولاً وشعوباً وأمة، سوف يفشلون في المستقبل، إلا إذا انقرضوا كأمة قبل أن يصل المستقبل إلى بلادهم، وبالتالي لن يجدوا حتى من يبكي عليهم.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.