طموحات محمد بن سلمان تصطدم بحائط الواقع

2019-11-29T19:53:34+00:00
2019-11-29T19:59:29+00:00
المقال الإقتصاديزوايا
29 نوفمبر 2019
طموحات محمد بن سلمان تصطدم بحائط الواقع
نهاد إسماعيل

قصة طرح أسهم أرامكو للاكتتاب العام مسلسل لا ينتهي

عندما اكتشفت شركات أميركية النفط في السعودية عام 1938 تم تأسيس شركة الزيت العربية الأميركية. بحلول 1980 استحوذت الحكومة على جميع أسهم الشركة واشترت أسهمها بالكامل، وأصبحت 100% شركة سعودية وفي عام 1988 صدر مرسوم ملكي بتأسيس شركة الزيت العربية السعودية (أرامكو السعودية) كما تعرف الآن.

تبلغ الاحتياطات النفطية المؤكدة 260 مليار برميل من المكافيء النفطي مما يجعل أرامكو من أكبر الشركات العالمية من حيث حجم الاحتياطات والتي تتجاوز احتياطات ثلاثة من كبار شركات الطاقة العالمية وهي اكسون-موبيل وشيفرون وبريتيش بيتروليوم مجتمعة.

أرامكو لديها مخزون نفطي يكفي لمدة 52 عاما وبتكلفة انتاج قليلة وادارة جيدة. وينوه الخبراء ان الشركة تعتبر ناجحة حسب المعايير العالمية. وعبّر المصرفيون الذين رفضوا تقديرات الأمير محمد بن سلمان البالغة 2 ترليون دولار لقيمة ارامكو السوقية، عن اعجابهم بالمهارات التقنية التي استعادت الانتاج بعد فترة قصيرة من تعرضها لهجمات صاروخية في ايلول الماضي.

تنتج أرامكو حاليا 10.5 مليون برميل يوميا وتمتلك قدرات تكريرية  تبلغ 5 ملايين برميل يوميا وانتاج بيتروكيماويات. وهناك خطط لرفع القدرة التكريرية الى 8-10 ملايين برميل يوميا بحلول 2030 .

كما أن ارامكو تعتبر من اكبر الشركات ربحية في العالم حيث حققت ارباحا تبلغ 111 مليار دولار عام 2018. ورغم الأرقام المذهلة الا  ان المراقبون والمحللون يعتبرون أن “ارامكو” اداة  استراتيجية وجيو-سياسية واقتصادية في يد الحكومة السعودية.

الجدول الزمني لقصة الطرح الأولي:

في شهر أبريل/نيسان 2016 أعلن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عن خطته لبيع 5% من قيمة أرامكو السوقية من خلال طرح عام اولي في بورصات عالمية مثل لندن ونيويورك لتحقيق ايرادات تبلغ  100  مليار دولار مما يجعل قيمة الشركة السوقية 2 ترليون دولار.

في عام 2017، تم تعيين مجموعة من المصارف الاستثمارية الاختصاصية في مجال الطروحات الأولية في اسواق البورصة. وتهافتت المصارف الأمريكية على عرض خدماتها للمساعدة في طرح محلي وعالمي يعتبر أكبر طرح لأسهم شركة في التاريخ. في عام 2014 حقق الطرح الأولي لأسهم شركة علي بابا الصينية القابضة 25 مليار دولار وكان الأكبر حتى الآن.

وفي عام 2018 تم تأجيل الطرح الأولي حتى عام 2019 و 2020، لكن الطرح الأولي الكبير لخمسة بالمائة من قيمة أرامكو لم يحدث واكتفت أرامكو بطرح محلي بنسبة 1.5% من قمية الشركة.

في مارس/آذار الماضي، أعلنت أرامكو عن استحواذ شركة سابك للبيترويكماويات بمبلغ 69 مليار دولار من صندوق الثروة السيادي السعودي بهدف ضخ سيولة جديدة في صندوق الاستثمار السعودي العام. وفي أبريل/نيسان الماضي أصدرت أرامكو سندات للبيع بقيمة 12 مليار دولار ولأول مرة كشفت معلومات عن الاحتياط النفطي.

في 2 سبتمبر/أيلول من العام الجاري عينت المملكة العربية السعودية “ياسر بن عثمان الرميان” رئيسا لمجلس إدارة شركة أرامكو السعودية ، في خطوة تمهّد لطرح الشركة في اكتتاب عام. بعد ذلك بأيام، أصدر العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبدالعزيز أمرا ملكيا بتعيين الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزيرا للطاقة في المملكة وذلك خلفا لخالد الفالح.

وفي 14 سبتمبر/أيلول تعرضت منشآت نفطية هامة لهجوم صاروخي تبنت مسؤوليته جماعة الحوثي، إلا أن واشنطن وجهت أصابع الإتهام صوب إيران، وهو الشيء الذي نفته الأخيرة.

وكنتيجة لهذا الهجوم، قفزت أسعار النفط بنسبة 19% لتصل إلى 71.95 دولار للبرميل بينما صعدت العقود الآجلة للخام الأمريكي أكثر من 15 في المئة إلى 63.34 دولار للبرميل. ويعتبر هذا الارتفاع في أسعار النفط هو الأكبر منذ حرب الخليج عام 1991. لكن الأسعار تراجعت وتتأرجح الآن بين 60 و 63 دولار للبرميل.

2 ترليون دولار تقييم مبالغ به ومثير للجدل

كان هنالك شكوك حول قيمة 2 ترليون دولار التي وضعها الأمير محمد بن سلمان ومخاوف من قضايا قانونية أدت الى تأجيل الطرح. لذلك، تم التخلي عن الطرح الأولي لخمسة بالمائة من قيمة ارامكو في البورصات العالمية حيث أعلنت أرامكو في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 رسميا عن الغاء طرح 5% المخطط له منذ 2016 وطرح فقط 1.5% من قيمة أرامكو على بورصة التداول المحلية لجني 25 مليار دولار مما يشير الى تقليل قيمة أرامكو الى 1.6 ترليون دولار.

حتى ان بعض المصارف والصحف المالية تتحدث عن تقديرات تتراوح ما بين 1.2 – 1.5 ترليون دولار انخفاضاً من تريليوني دولار. ووفق ما أوردته “رويترز”، فإن أرامكو حتى مع هذا السعر (1.5 تريليون دولار)، ستظل قيمة الشركة النفطية السعودية “أكثر بما لا يقل عن 50% من أعلى شركتين من حيث القيمة على مستوى العالم، وهما “مايكروسوفت” و”أبل” اللتان يبلغ رأس المال السوقي لهما نحو تريليون دولار.

وتسعى الرياض إلى جمع الإدراج الأولي، لحصة تتراوح من 1 إلي 2% من الشركة في البورصة السعودية، ما بين 20 مليارا و40 مليار دولار على الأقل.

وإذا تجاوزت القيمة 25 مليار دولار، فسوف يكون هذا هو أكبر طرح عام أولي على مستوى العالم، ويتجاوز الطرح العام الأولي لشركة “علي بابا” الصينية في عام 2014، والذي جمع 25 مليار دولار.

وتشير كل التوقعات الى ان ارامكو ستجني بحدود 25 – 26 مليار دولار من بيع 1.5% من ارامكو اي ربع المبلغ المنشود.  وقرأنا في وسائل الاعلام أن الرياض تضغط على العائلات والأفراد ان يدعموا ارامكو بعد عزوف الاستثمار العالمي ولتشجيع الاقبال المحلي على الأسهم صدرت فتوات من رجال دين ان الاستثمار في أرامكو حلال حسب الفايننشال تايمز 23 نوفمبر. كما ان البنوك السعودية توفر قروض بشروط سهلة ومغرية لمن يستقرضون من اجل شراء اسهم أرامكو.

وذكرت مصادر إعلامية سعودية، يوم الخميس 21 نوفمبر الجاري، انه تم انفاق 14 مليار ريال (3.75 مليار دولار) على الأسهم من قطاع التجزئة.

وبعد استقبال فاتر من قبل المستثمرين الدوليين يتم التركيز على مستثمرين محليين واقليميين حيث قام كبار المسؤولين التنفيذيين في أرامكو في عقد لقاءات مع صندوق الثروة السيادي الكويتي لاقناعهم بالاستثمار في شراء اسهم ارامكو. وتم عقد اجتماعات مماثلة في دبي. كما زار مسؤولون من ارامكو سلطة الاسثمار في ابوظبي لاقناعهم بالاسثمار في أرامكو. وتم الغاء جولة تسويق وترويج لأسهم أرامكو في أميركا وآسيا،.

يجب القول أن الطرح الأولي يعتبر حجر الزاوية في برنامج رؤية 2030 للاصلاح الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط ولكن هناك تحديات كبيرة أمام خصخصة 5% من أرامكو. وحتى اذا قررت أرامكو السعودية طرح 5% من قيمة الشركة في البورصات العالمية ستواجه تحديات كبيرة.

 التحديات والمخاطر

من أكبر التحديات التي واجهت أرامكو هو انخفاض أسعار النفط والتي ترفض الصعود لمستويات عالية رغم التوترات الجيوسياسية. لكي تكون جذابة للمستثمرين الأجانب تحتاج أرامكو لسعر فوق 70 – 80 دولار للبرميل. كما أن  هناك قلق كبير في صفوف المستثمرين الدوليين حول عدم مقدرة أرامكو على الالتزام بمعايير الحوكمة والشفافية العالمية ناهيك عن التدخل الحكومي في شؤون ارامكو.

الطرح في البورصات العالمية لا سيما في نيويورك سيعرّض أرامكو لقضايا مكلفة تتعلق بتفعيل قانون جاستا الذي يسمح لضحايا هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة بمقاضاة الدول المتهم رعاياها بالارهاب وطلب التعويضات المالية منها وتجميد ممتلكات تلك الدول في أميركا، ثم مشروع قانون  “نوبك” الذي  لا يسمح للشركات المنتجة للنفط ان تلعب دورا احتكاريا وتشكل تكتلات لتقييد الانتاج والتصدير. وهذا يهدد  أوبك وأرامكو ايضا.

 ثم العوامل الجيوسياسية كتعرض المنشآت الهامة لهجمات صاروخية (البقيق والخريص  14 سبتمبر ايلول 2019).

زعزعة ثقة المستثمرين

من العوامل الأخرى التي أدت الى زعزعة ثقة المستثمرين هي كارثة العلاقات العامة اثر جريمة قتل الصحافي جمال خاشوقجي في اكتوبر تشرين أول  2018 في القنصلية السعودية في اسطنبول. وسبق ذلك اعتقال واحتجاز 300 ثري سعودي في فندق الريتز اواخر 2017 واوائل 2018.

وثمة تحديات من نوع آخر تواجه أرامكو ولها تأثير على مستقبل الشركة ومنها تراجع الطلب على النفط بسبب حملات الضغوط المكثفة من قبل مجموعات حماية البيئة والمناخ وتوجه الدول الصناعية للانتقال للطاقة البديلة والنظيفة.

وتحدثت صحف المال والأعمال عن احتمالية التصادم مع اوبك. كشركة دولية ستتصادم “أرامكو” مع سياسات “اوبك” بشأن تخفيض الانتاج وقد يعارض المساهمون والمستثمرون أي تدخل في السوق.

خيبة أمل البنوك

البنوك التي كانت تصبوا لتحقيق ارباح كبيرة كرسوم استشارية واجرائية خاب أملها بسبب القلق المتزايد عن مستقبل النفط في المدى البعيد بسبب الاحتجاجات حول المناخ والبيئة مما قد يؤثر سلبا على ربحية ارامكو واسعار اسهمها.

كان من المتوقع ان تحقق عملية أكبر طرح اولي عالمي 300 مليون دولار لبنوك مثل جي بي مورغان وغولدمان ساكس ومورغان ستانلي وسيتي غروب ولكن الآن ستبلغ مجمل الرسوم 90 مليون دولار.

ربما الطرح المحلي المتواضع لأسهم ارامكو سيكون بالون اختبار قبل المغامرة بالطرح الكبير على مستوى دولي ويصر السعوديون على المضي في طرح الأسهم في البورصات العالمية في الوقت المناسب. قصة أرامكو ستكون الشغل الشاغل لصحافة المال والأعمال لسنوات عديدة.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.