التطور الحضاري

2019-09-13T19:35:57+00:00
2019-09-15T22:09:02+00:00
خاطرة الأسبوعزوايا
13 سبتمبر 2019
التطور الحضاري
محمد ربيع

تتطور الحضارات وتـنتقل المجتمعات الإنسانية من مرحلة حضارية لأخرى نتيجة لحدوث تغير أساسي في نمط الإنتاج السائد في المجتمع، أو بسبب حدوث تحولات ثقافية واجتماعية عميقة يكون من نتائجها حدوثُ تحول مُوازٍ في نمط الإنتاج وتكنولوجيا الإنتاج. ويأتي التغير في نمط الإنتاج إما نتيجةً لحدوث تطور بطيء ولكن متواصلٍ في أساليب تنظيم العملية الإنتاجية وتنوع النشاطات المالية والاقتصادية، كما حدَث في أوروبا خلال عصر النهضة، أو نتيجة لعملية تغير قسْرية في نظم الإنتاج وتكنولوجيا الإنتاج بقيادة الدولة كما حدَث في اليابان والصين. أما التطور الثقافي والاجتماعي فيأتي نتيجة لفعل أفكار ونظريات وفلسفات اجتماعية جديدة غير تقليدية وتطوير نظم التعليم، وشيوع قدر من الحرية الفكرية في المجتمع يسمح بنقد المكونات الثقافية عامة، وطرح بدائل للمتقادم منها، وتنشيط حركة التأليف و الكتابة والنشر والفنون.

مع ذلك، من الممكن أن يحدث تطور في نمط الإنتاج وتكنولوجيا الإنتاح، وتحول في نواحي الحياة الاجتماعية والثقافية في آن واحد، كما يحدث اليوم في الهند والبرازيل، وإلى حد ما المغرب واندونيسيا؛ وهذا يأتي في العادة نتيجة لضغوطٍ اقتصادية داخلية وخارجية تخلق فرصا استثمارية جديدة يمكن استغلالها في عمليات خلق فرص عمل جديدة تسهم في تحسين مستويات المعيشة. وهذا يستوجب إتاحة المجال للتقاليد والقيم والأفكار والمواقف التقليدية كي تتكيف مع متطلبات نظم الإنتاج الجديدة. وهذا يعني أن التطورَ في نمط الإنتاج الاقتصادي والتحول الثقافي والاجتماعي هما وجهانِ لعمليةٍ مجتمعيةٍ واحدة تنتهي دوماً بنقل المجتمع من مرحلةٍ حضارية لمرحلةٍ جديدة تكون دوما أكثر تقدما وعطاء وحرية.

لذلك، ليس بإمكان الثقافة، أيّ ثقافة، أن تتطور في معزل عما يسود حياة المجتمع من فلسفة اقتصادية تُوجه نظم الإنتاج وتكنولوجيا الإنتاج؛ وهذه أمور من طبيعتها أن تعيش حياتها في حالة تغير وتطور مستمرة. من ناحية أخرى، ليس بإمكان الاقتصاد، أيّ اقتصاد، أن يتطور في معزل عمّا يسودُ حياة المجتمع من ثقافاتٍ وأفكار ومعتقدات وقيم ونظم سياسية. ولما كانت الحضارة هي الانجازات المادية والثقافية لكافة شعوب الأرض، فإنه ليس بإمكان الحضارة، أيّ حضارة، أن تتطور من دون حدوثِ تحولاتٍ جذرية في الثقافة السائدة ونمط الإنتاج وأدواته. بكلمات أخرى، ليس بإمكان حضارةِ أن تتطورَ مع بقاء الثقافة على حالها من الركود والجمود، أو بقاء أنماط الإنتاج وأدواتهِ على حالها من الترهُّـل والتقادم. الأمر الذي يعني أنه لا يمكن حدوث نقلة حضارية تنقل مجتمع من عصر لآخر أكثر تقدما إلا بحدوث تغير في نمط الإنتاج الاقتصادي وتحول اجماعي ثقافي واسع.

يمر كل مجتمع في طريقه من مرحلة حضارية لأخرى خلال فترة انتقالية صعبة تتصف بالتخبط وغياب الرؤية وفقدان بوصلة الابحار في عين المستقبل، وشيوع الفوضى أحيانا. ويعود السبب في هذا الأمر إلى طبيعة فترات الانتقال الحضارية؛ إذ فيما تسعى تلك الفترات إلى خلق مجتمع مختلف عن المجتمع القائم، تجد لزاما عليها أن تقوم بتقويض أهم أعمدة المجتمع القديم كي تخلق أرضية مناسبة لإقامة أعمدة جديدة تتجاوب مع استحقاقات المجتمع الذي تقوم بتشكيله. إن من طبيعة التطور الاقتصادي والتحول الثقافي والاجتماعي، سواء كان سريعا أو بطيئا، أن يحجب الرؤية عن كل من يمر بمرحلة انتقالية؛ الأمر الذي يجعل من الصعب على قادة المجتمع من سياسيين ومفكرين استراتيجيين أن يحددوا طبيعة التغير ومسار عمليات التطور والتحول، وشكل المجتمع الذي يقف في نهاية الطريق. لذلك ليس بإمكان هؤلاء استيعاب ما يجري على الواقع من تطور وتحول وخلق المؤسسات وتطوير النظريات المطلوبة لفهم المجتمع وإدارته.

ومن الأمثلة التي تشير إلى ما قد يحدث من فوضى ونزاع وحروب لمجتمعات تمر بفترة انتقال حضارية ما حدث في اوروبا الغربية خلال الفترة ما بين منتصف القرنين الخامس عشر والثامن عشر من حروب قومية ودينية استغرق بعضها نحو مائة سنة، وراح ضحيتها نحو خمس سكان تلك القارة. لكن تلك الفترة شهدت أيضا تحرر الإنسان من الكثير من الأفكار والقيم والتقاليد والنظم التي كانت تكبت حرية الرأي والتفكير، وتعيق حركة الإنسان وحركية المجتمع. كما أن ما يحدث اليوم في عالمنا من تخبط وحروب يأتي نتيجة لمرور العالم بفترة انتقال حضارية جديدة، تنقل المجتمعات الصناعية الناضجة والكثير من الفئات الاجتماعية التي تستحوذ على ثروة معرفية من عصر الصناعة إلى عصر المعرفة. ولما كانت امريكا هي الدولة التي تقف على رأس النظام العالمي القائم اليوم، فإن عليها أن تتحمل مسؤولية قيادة قارب يبحر في بحر هائج. لكن أمريكا، بسبب عدم استقرار الأوضاع فيها، وضعف قدرة مفكريها على استيعاب حقيقة ما يمر به العالم من تغير وأبعاده الثقافية والاجتماعية والسياسية على حياة الإنسانية والعلاقات الدولية، ينبؤ بأن اجتياز هذه الفترة سيكون صعبا ومكلفا من النواحي المادية والبشرية للكثير من الشعوب.

ولما كانت الثقافة تميل بطبيعتها نحوَ الثبات ومقاومة تيارات التغيير بدعوى الحفاظ على “الأصالة والتراث”، والخوف من مستقبل مجهول، فإن صفة النزاع، لا التعاون، تغلب على علاقةِ الثقافة بعلاقات الإنتاج خلالَ مراحل الانتقال الحضارية. لكن سُنّة التطور تفرض في نهاية الأمر على الثقافةِ والاقتصاد، أيْ على الفئات المهيمنة على الاقتصاد والثقافة والسياسة أن تجد قواسم مشتركة للتعايش والتعاون واستعادة الاستقرار. وهذا يأتي إما على حساب الثقافة التي تكون مضطرة للتغير بعيداً عن جُذورها التراثية كما حدَث في اليابان، أو على حساب العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد كما حدَث في معظم الدول العربية. في الحالة الأولى تم انتقالُ المجتمع الياباني من عصر الزراعة التقليدي إلى عصر الصناعة الديناميكي، وتحقيق الكثير من التقدم في مختلف نواحي الحياة، فيما يتمُّ في الحالة الثانية تعطيلُ عمليات التحول والتطور، وإطالة عمر المرحلة الانتقالية، وشيوع النزاعات والحروب، وتخلف كافة المجتمعات العربية عن العصر.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.