فلسطينو لبنان وترويض الفيل: دع المؤامرة تمر!

2019-09-10T09:55:55+00:00
2019-09-10T09:55:58+00:00
كتّاب شرق وغرب
10 سبتمبر 2019
فلسطينو لبنان وترويض الفيل: دع المؤامرة تمر!
زاهر أبو حمدة

وقع الفيل في الحفرة السحيقة. إلتفت حوله مجموعة تلبس الزي الاحمر، وعنّفته حتى سالت الدماء من كل أنحاء بدنه الضخم. بعد قليل، أتت مجموعة تلبس الزي الازرق وطردت المجموعة الحمراء وعطفت عليه بالأكل والمشرب وتمسيح الدماء والدموع. تتكررت هذه الحالة أكثر من مرة في اليوم ولأسابيع، حتى شعر الفيل المسكين أن فئة تريد تعذيبه وأخرى تتمنى إنقاذه. حفظ اللون الازرق على أنه خيراً وكره اللون الاحمر على أنه شراً. وهكذا قرر الزرقاويون إخراجه من الحفرة وذهب معهم بطمأنينة تامة ورضوخ عام. وبذلك روض الصيادون أضخم الحيوانات لخدمتهم في القتال والنقل. وتختلف حكايا الأوليين حول أول عملية “تشكيل وعي” جديد للفيل إن حدثت في شرق أسيا أو أفريقيا، لكنها حدثت وتحدث حتى الأن؛ ولن يعرف الفيل أن المجموعتين حلفاء في الصيد والترويض وأنهم تأمروا عليه لاستغلاله.

هذه باختصار عملية الترويض والتدجين وإملاء الخيارات، وكما ظن الفيل أنه لا يملك سوى خيار الوثوق بأصحاب اللون الازرق، يقتنع فلسطينيو لبنان اليوم أكثر من أي يوم مضى أنهم لا يملكون خيارات كثيرة، فليكن التهجير الطوعي بعدما عانى الاجداد التهجير القسري والاقتلاع من الارض ليصبحوا لاجئين في بلاد ليست واسعة. ويقول دعاة “الهجرة” الى الغرب عن قصد أو من دون قصد: دع المؤامرة تمر!.

فعلاً، وأكيداً، وحقاً، وصدقاً أن الوضع مزري جدا على الأصعدة كافة، لكن أليس الغرب الذي يسعى مطالبو “الهجرة” للجوء إليه هو سبب النكبة الاولى والنكبات المتلاحقة؟ لماذا يطالبون كندا واستراليا بنقلهم الى الجنة الموعودة، ولا يتظاهرون عند السفارة البريطانية التي سلمت فلسطين للمحتليين عبر وعد بلفور؟ ولماذا لا يعتصمون عند اقرب نقطة للسفارة الاميركية التي تعمل على تصفية ما تبقى من قضية؟

باختصار شديد، نحن أمام خيارين للاجابة: إما منظمو ظاهرة “الهجرة” يؤتمرون من أجهزة أمنية ويلعبون على وتر الأحلام عند اللاجئين، أو أنهم مثل الفيل المروض يذهبون عند من يتأمر عليهم بعيون مظلمة وظالمة ولا يدركون أن المؤامرة المستمرة منذ قرن تريد للاجئين أن يرموا أنفسهم بأحضان من عذبهم وسلب أرضهم. فالمجموعة الحمراء التي قتلتنا قبل وخلال وبعد النكبة هي نفسها الزرقاء التي تمد يد العون حالياً. لكن هذه اليد ستقطع بعد لعبها بمشاعر الناس من دون أن تكون لاعبة أساسية في الحلبة السياسية. لأن أوراق اللعبة ليست بيد أميركا فقط، و”الجوكر” يبقى قرار الشعب بالنسبة لصفقة القرن وبنودها، ولم يعلن أحد أنه مع تنفيذ الصفقة سوى بعض الصفيقيين المشاركيين في ورشة البحرين. ومؤسف جداً أن ينادي شباب بما يظنوه هجرة وهو تهجير فعلي، ولو كان المقابل أنانية فردية من دون وعي جماعي فيما يخص القدس والارض والمستقبل.

يحق السفر لأي فرد، لكن ليس من حق مجموعة أن تذهب ذليلة الى سفارة غربية لتقديم طلب بيع الحق وتدعي أنها تتحدث باسم الشعب أجمع. يظنون أن ما يحصل فرصة لا يجب أن تضيع، وعليه فلنبيع. ومعروف أنه في سوق البيع والشراء، يخسر البائع كثيرا مقابل أن يسوق لمنتوجاته ويقبل المشتري بضاعته. ومطالبو “الهجرة” الان يتنازلون ليس فقط عن الكرامة وحلم اكثر من نصف مليون شهيد، إنما يتنازلون عن حقهم المادي في بلادهم من أجل “بيت صغير في كندا” وفقا لاغنية السيدة فيروز.

ويبقى اللغط وعدم تحديد العدو الحقيقي حاضرا والتخوين جاهزا، فبدل التظاهر أمام السفارة الكندية يمكن التظاهر ضد العدو الاساسي أي الاحتلال. لو توجهت الباصات جنوباً لجعلت العالم كله يترقب ويفتش عن حلول. هذا لم يحصل، لأن من يريد تفريغ المخيمات من اللاجئين يعرف كيف يوجه غضبهم. ولذلك، وفي لحظة مفصلية يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان، لا بد من احتواء “حمق” من يطالب بالتهجير، وهنا يأتي دور المؤسسات والفصائل، أقله لعرقلة المؤامرة إذا لم نستطع اسقاطها.

بعيداً عن “نظرية المؤامرة” إذا كانت حقيقة أم شطحات خيال، إلا أن غالبية الشعب الفلسطيني تؤمن بها وتسقطها على كل الاحداث، وإن كان حدثا عاديا يحصل في أي مكان أخر ومع اشخاص مختلفين. هذا طبيعي جدا، لأن أجدادنا تعرضوا لمؤامرة حقيقية بأدوات استعمارية مختلفة أهمها القتل والتهجير. ومن هنا يمكن النظر الى دواخل الفصائل الفلسطينية كافة، لنرى كيف يتأمر الأخ على أخيه والرفيق على رفيقه؟ وللاسف الاجنحة داخل التنظيمات ربما كانت سابقا نوعا من التنافس وسيطرة رأس الهرم على القاعدة، فيفرق بين مساعديه للتحكم بهم. حالياً، لا يُعرف من يتأمر على من ولماذا؟ هل من أجل مال أو منصب أو بدوافع خارجية واستخباراتيه؟ هي مؤامرة الجميع ضد الجميع. وهذا يمتد إلى عموم الشعب، وتكفي النظرة النمطية عن الفلسطيني أينما حل لمعرفة الواقع المؤلم. يُعرف الفلسطيني أنه عبقري في اختصاصه، لكنه في نظر بعض الشعوب العربية ولا سيما في دول الخليج أنه “غدار ومخادع”. ويوسم الفلسطيني في دول الطوق أنه “استغلالي وانتهازي”. ولم يصل الفلسطيني كثيرا للمغرب العربي ويقيم كثيرا وبأعداد كبيرة كي تظهر صورة نمطية معينة، ويمكن أن تكون موجودة لكن لا نعلمها. هذه الصور النمطية لها أبعاد تاريخية واحداث عسكرية، أما على مستوى الافراد لها تفسيرات نفسية ومجتمعية؛ أهمها أن الفلسطيني الشاعر بالمؤامرة عليه يضع خطة دفاعية فورا ليحمي نفسه فيتأمر تلقائيا على زميله في العمل مثلا ليضمن البقاء في الوظيفة. أي فلسطيني عمل في الخليج يلمس ذلك ولو لم يعترف به. وما يخشى منه أن الفلسطيني يتأمر على نفسه وهو يعتقد أنه طوق النجاة يرمى له، فيصبح فيلاً غبياً وغادراً بقيمه وقامته.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.