جديد القاص محمد نصار : انفجار!

2019-08-27T09:46:37+00:00
2019-08-27T09:46:40+00:00
ثقافة وفنون
27 أغسطس 2019
جديد القاص محمد نصار : انفجار!
محمد نصار

*محمد نصار : كاتب فلسطيني.

يا إلهي، ما لهذه الجدران لا تثبت على حال !؟ هل تتحرك حقا، أم هي أضغاث أحلام تراودني؟، يا للهول إنها تتحرك فعلا .. تزحف كظل ثقيل.. يا الله كيف استطاعت فعل ذلك، رغم أساساتها المنغرسة في التراب.. أحقيقة ما أرى، أم أن مسا أصابني، لا.. لا .. إنها تدنو بالفعل.. تطبق علي.. تكتم أنفاسي، يا الله.. يا الله .

هب فزعا يجهده العرق، حدق في فضاء الغرفة، فأيقن أنه كان ضحية كابوس لعين، نظر إلى ساعته، فأشارت إلى الرابعة وبضع دقائق، تناول كأس ماء من على حافة السرير، كرعها دفعة واحدة، ثم تمدد في الفراش منتظرا آذان الفجر.

لحظات وبدأ يشعر بعدها بسقف الغرفة يهبط شيئا فشيئا، حتى لامس صدره، حاول الصراخ.. الاستغاثة.. حرك يديه في محاولة بائسة، لدفعه قليلا عنه، فشعر بيد تمسك بها وتهزه بعنف، فتح عينيه فرأى الذعر باديا في وجهها، نظر حوله، كانت الشمس قد كست الوجود بنورها، تمتم بأشياء مبهمة ، ثم أشار لها أن تأتيه بالماء.        

قبل أن تخطو خطوة واحدة رن جرس الباب، فنظرت إليه وفي عينها ألف سؤال، تركها ونزل، تبعته بتوجس وحذر، شيء بداخلها انقبض وجفاف أصاب حلقها، حين رأت جمهرة من كبار العائلة بالباب.

لم تنتظر دخولهم، بل سارعت بالسؤال: عساكم بخير .. هالزيارة ما هي لله !.

تصنع كبيرهم الابتسام وقال مداريا ارتباكه: خير يا مستورة.. كل ما في الأمر أن أحمد أصيب في حادث سير وأردنا إبلاغكم بالخبر قبل أن تسمعوه من الناس.

صرخت المرآة وسقطت مغشيا عليها، فهرع من في البيت على صوتها وتتداعى عدد من الجيران أيضا، تجمهرت النسوة حولها وحاولن إيقاظها، فصرخت مرة أخري : ابني .. ابني مات .. أنا عارفة .. ما تكذبوا علي.

دارت النظرات بين الحضور بانكسار وارتباك، لكن أحدا لم يجرؤ على البوح بالحقيقة، حتى تشجع كبيرهم وحسم الأمر.

صمت الأب كتمثال قد من حجر، جال بنظره في الوجوه كمن يفتش عن ضالته بينها، تهاوى على مقعد قريب، طافت في مخيلته محطات عديدة، وصور داهمته على نحو لم يكن في وارده، يوم مولده ويوم تخرجه ويوم جاهد لإبقائه إلى جواره ونزع فكرة الرحيل من رأسه، تذكر الكابوس وعاوده ذات الإحساس مرة أخرى، غاب معها لحظات، أفاق بعدها على جلبة الجموع، التي انخرطت في إعداد بيت العزاء وتلك التي لم يرها من قبل وقد توافدت من كل حدب مهنئة بعرس الشهيد، فاندفع على نحو لم يتوقعه أحد، راح يلقي بالكراسي في كل اتجاه ويصيح بملء فيه: اغربوا عن وجهي جميعا,, أغربوا قبل أن أرتكب جريمة أخرى .. اغربوا يا أولاد الكلب.

تفرق الناس بصمت وذهول، فيما تهامس بعضهم مشفقين: لقد جن الرجل.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.