هل سيشهد العالم ركود اقتصادي عام 2020؟

2019-08-20T10:25:37+00:00
2019-08-20T10:26:40+00:00
المقال الإقتصاديزوايا
20 أغسطس 2019
هل سيشهد العالم ركود اقتصادي عام 2020؟
نهاد إسماعيل

حرب ترامب التجارية والـ”بريكست” قد يؤديان إلى احداث الركود

ارتفعت مؤخرا وتيرة التنبؤات والتحليلات في الصحافة ومواقع المال والأعمال الإلكترونية مثل “وال ستريت جورنال” والـ “فايننشال تايمز” و”بلومبيرغ”، وكلها تحذر أن الاقتصاد العالمي يواجه ركودا اقتصاديا خلال عام أو عامين.

ونشرت وكالات الانباء نتائج استطلاعات بين خبراء  تفيد أنه “من بين 226 خبيرا استطلعت آراءهم الرابطة الوطنية لاقتصاديي الأعمال. وبحسب وكالة “فرانس برس”، توقع 38% دخول أول اقتصاد عالمي في ركود عام 2020، بينما تكهن 34% دخوله في ركود عام 2021، فيما اعتبر 14% أن ذلك سيحصل في وقت أبعد من ذلك”.

معنى ذلك ان الغالبية تتوقع حدوث ركود اقتصادي بين 2020 و 2021. ومع ذلك، فإن هذه النتائج لا تعطي صورة قاطعة ويبقى الموضوع رهن التكهنات والتطورات على الساحة الحقيقية في الأسواق والقرارات في عواصم التأثير مثل واشنطن ولندن وطوكيو وبيجنغ.

لكن هناك اجماع ان عوامل محددة ستلعب دورا كبيرا في الشهور المقبلة في التأثير على الاقتصاد العالمي. لأول مرة منذ أزمة 2008-2009 المالية العالمية بدأت ثقة الشركات ورجال الأعمال تتزعزع بسبب المجهولية الناتجة عن الحرب التجارية بين واشنطن وبيجنغ والقلق يتركز الآن على احتمال انهيار ثقة المستهلك في الدول الصناعية المتقدمة.

في هذه اللحظة، لا يوجد دلائل على ركود اقتصادي شبيه بآزمة  انفجار “فقاعة الدوت كوم”  عام 2000 أو فضيحة قروض الاسكان السامة في الولايات المتحدة عام 2007 والتي تبعها الانصهار المالي عام 2008-2009. إلا أن قرار الرئيس ترامب الخاطيء باشعال حرب تجارية مع الصين ودول أخرى يمكن اعتباره من أهم الاسباب في خلق اجواء الركود الاقتصادي.

وقبل أسابيع فرضت واشنطن 25% تعرفة جمركية على 250 مليار دولار من البضائع الصينية التي تستوردها الولايات المتحدة من الصين. ويهدد الرئيس ترامب بفرض 10% على 300 مليار دولار اضافية من المستوردات الصينية. هذا التهديد لم يتم تنفيذه بعد. ونتيجة لاجراءات ترامب هبط معدل النمو الاقتصادي الصيني الى 4.8% وهو أقل نسبة منذ 2002. ولا يمكن تجاهل الضرر على الولايات  المتحدة ذاتها حيث تعرض المزارعين الأمريكيين لخسارة فادحة تراكمية  لا تقل عن  18 مليار دولار بسبب المقاطعة الصينية للمنتجات الزراعية الأميركية .

وبحسب “ماركت ووتش” التي ترصد المؤشرات الاقتصادية الأميركية، فقد هبطت قيمة الأسهم الأميركية للاسبوع الثالث عالتوالي. كما سجلت أكبر انخفاض في يوم واحد هذا الاسبوع بسبب حرب ترامب التجارية والتي أيضا أدّت الى خسائر كبيرة في اقتصادات آسيا واوروبا والولايات المتحدة ذاتها. ولكن البيت الأبيض يرفض المسؤولية عن كل ذلك.

وثمة إشارات تؤيد احتمالية الركود تشمل تقلص الاستثمار في قطاع الأعمال بسبب المجهولية من حرب الرئيس ترامب التجارية ومن احتمال خروج بريطانيا (البريكست) من الاتحاد الأوروبي أواخر شهر اكتوبر المقبل بدون اتفاق ينظم العلاقة التجارية بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي. ومن النتائج السلبية المترتبة على ذلك، أن الشركات لا تستطيع وضع خطط استثمارية للمستقبل في ظل المجهولية الناتجة عن حروب ترامب التجارية او البريكست البريطاني.

منحنى العوائد المعكوس

من المصطلحات التي دخلت قاموس أسواق المال والاستثمار هي “منحنى العوائد المعكوس” The Inverted Curve ويتم الاشارة للمنحنى عندما يتخلى المستثمرون عن الأسهم السريعة التقلب ويهرولون الى السندات الحكومية. أي انتقال الاستثمار من اسواق أسهم رأس المال، والبنوك، وشركات النفط، والشركات الصناعية، وقطاعات بيع التجزئة وغيرها، الى السندات الحكومية طويلة الأمد مثل سندات فئة العشر سنوات التي تدر ربحا ضئيلا، ولكنه مضمون ولا يتعرض للتقلبات والاضطرابات التي تعصف في اسواق الأسهم والأدوات المالية من حين لآخر.  هذه التقلبات والاضطرابات في السوق تخلق الذعر وتبخر الثقة في صفوف المستثمرين والمستهلكين وتقود في النهاية الى تقلص الحركة الاقتصادية والاستثمار.

وقد تزايدت مخاوف العالم من ركود اقتصادي خلال الاسبوعين الماضيين. وبحسب تحليلات بلومبيرغ فان “منحنى العوائد المعكوسة” يتواجد قبل حدوث ركود اقتصادي ولوحظ ذلك في 7 حالات من الانكماش الاقتصادي والتي تم رصدها ودراستها. ويعتبره بعض الخبراء ان المنحنى المعكوس هو تحذير مسبق بأن ركود اقتصادي في الطريق ومن مظاهر بداية الركود هو هبوط مؤشرات الأسهم وتراجع الاقتصاد وارتفاع الطلب على الأدوات المالية المستقرة مثل السندات الحكومية.

ولكن في الولايات المتحدة يرى المراقب ان الاقتصاد لا يزال قويا. أي على السطح يبدو ان الاقتصاد يواصل النمو وبمعدلات متواضعة اي حوالي 2%. ولا يزال المستهلك ينفق والبطالة تتضاءل وفرص العمل والوظائف بازدياد والانتاجية ترتفع بمعدلات تزيد عن 2.5%. ولكن السؤال الى متى ستستمر هذه الايجابيات؟ واذا حدث أي تراجع اقتصادي في الولايات المتحدة في الشهور المقبلة سيقع اللوم على الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

الركود سوف لا يستثني احدا

وعلى مستوى عالمي، بدأت بوادر التراجع الاقتصادي في المانيا التي تعتمد كليا على التصدير. الاقتصاد الصيني يعاني من الحرب التجارية وتراجعت الصادرات بسبب التعرفة الجمركية التي فرضها الرئيس ترامب. وبريطانيا تواجه مستقبل مجهول بسبب البريكست واحتمال الخروج العشوائي وبدون اتفاق مسبق مع الاتحاد الأوروبي. الاقتصاد الايطالي يعاني من ركود في ظل عدم استقرار سياسي.

 المخاوف من ركود قتصادي حقيقي تستند على تفاصيل وبيانات اميركية رسمية وكلها تشير ان أكبر اقتصاد في العالم يتجه نحو تباطؤ وركود اقتصادي جديد. وليس هذا فقط فان اقتصادات دول العالم تسير في نفس الاتجاه. اليابان تصطدم مع كوريا الجنوبية في نزاع تجاري سيـأتي بالضرر للطرفين. اضطرابات البريكست تهدد اقتصاد اوروبا والاتحاد الأوروبي. وتقلص الاقتصاد البريطاني في الربع الثاني من العام نتيجة لسياسة البريكست التي تتسم بالتخبط.

الاضطرابات والتوترات في هونغ كونغ واحتمال تدخل صيني عسكري لقمع الاحتجاجات لا يزال يلقي بظله على الوضع. ناهيك عن الأرجنيتين والبرازيل والمكسيك وكلها تعاني من ضعف في الاداء الاقتصادي. فالصورة الاقتصادية العامة تبدو كئيبة. وحذر صندوق النقد الدولي من أن النمو في عام 2020 سينخفض بمقدار النصف إذا زاد النزاع حدة بين واشنطن وبيجنغ.

وخفّض صندوق النقد الدولي التوقعات في النمو الاقتصادي العالمي لعام 2020 الى 3.2% وهو أقل معدل منذ 2009.

حتى أن امريكا اللاتينية لم تهرب من التراجع الاقتصادي

البرازيل شهدت تراجعا في الربع الثاني من العام , وفي ظل اصلاحات اقتصادية متعثرة.  والمسكيك تعاني من تباطؤ اقتصادي وكذلك الأرجنتين أما فنزويلا فقد تحولت الى دولة موز فاشلة رغم احتياطات النفط الضخمة.

هل يمكن تفادي الركود الاقتصادي؟

ويرى بعض الخبراء إنه لا يوجد مبررا قويا او واضحا لركود اقتصادي اذا لم تتوقف الشركات عن الاستثمار المدروس والانفاق المتزن على اصول ملموسة مثل الأجهزة والمعدات الضرورية للعملية الانتاجية ويجب ان يكون الانفاق على مستوى عالمي. ولكن الخوف الأكبر الذي قد يلعب دورا في تحويل الركود الى حقيقة واقعة هو استمرار وتأزيم الحرب التجارية القائمة بين بيجنغ وواشنطن والذي من شأنه ان يزعزع ثقة الشركات. لذا انهاء الحرب التجارية يعتبر شرطا أساسيا في استعادة الثقة وتعافي الأسواق والاستثمار.

ولتخفيف حدة الركود او حتى تأجيله يتعين على المصارف المركزية العمل على اتخاذ اجراءات مناسبة مثل تخفيض أسعار الفائدة كما فعل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي عندما قام بتخفيض أسعار الفائدة الشهر الماضي لأول مرة منذ 11 عاماً، في حين تتزايد الضغوط على الصين لخفض سعر الفائدة الرئيسي لأول مرة منذ 4 سنوات. وقد خفضت بنوك مركزية أخرى من الهند إلى تايلاند أسعار الفائدة أيضاً. لذا ليس من الحكمة تجاهل احتمال حدوث كساد اقتصادي عالمي خلال العامين المقبلين.

*كاتب متخصص في الشأن الإقتصادي

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.