محمد نصار يقصّ “تجليات بغل”

2019-08-14T14:18:44+00:00
2019-08-14T14:18:48+00:00
ثقافة وفنون
14 أغسطس 2019
محمد نصار يقصّ “تجليات بغل”
محمد نصار

*محمد نصار : كاتب فلسطيني.

منذ عرفت تفاصيل حينا في المخيم وأنا أجوب أزقته وحواريه الضيقة، دون خوف أو وجل، يمضي بي النهار وشيء من الغسق وأنا أفتش عن ألعاب جديدة ولاعبين مازالت ذكراهم تشعل في النفس حنينا لأيام خلت وتنثر على الشفاه ابتسامة قلما تحل هذه الأيام، رغم ما عانينا في حينه من وجع.

 في تلك الفترة بالتحديد عرفت مسعود البغل، فمازالت صورته مطبوعة في ذهني حتى يومنا هذا، كما لو أنه ماثل أمامي الآن، كان يكبرني بقليل، لكن من رآه ظنه قد تخطى العشرين أو قاربها، فارع الطول.. ممتلئ القوام .. صارم الملامح، رغم طيبته التي تفوق براءة الأطفال ونقائهم.

كنت أهاب الوقوف أمامه، أو حتى اللعب معه، لكني حين رأيت أقراني يمازحونه ويشاركونه اللعب، تجرأت مثلهم، خصوصا في لعبة الجل “البنانير”، التي تستهويه كثيرا، لكونه الرابح الدائم فيها، فحيثما ألقى جله ربح، بحكم كفه العريضة وشبره  المتسع.

لكني إلى اللحظة لا أعرف من الذي لقبه بالبغل ولم أكن أعلم حينها، ما الذي تعنيه تلك الكلمة، إلا أنني كنت أرى الجنون بعينه، إذا ما ناده أحدهم بها ولعلني كنت شاهدا على واحدة من تلك المرات، التي تعارك فيها مع شاب يكبره سنا، حيث رماه الأخير مستفزا بتلك الكنية وقبل أن يتم كلامه كانت الدماء تطفح من فمه ورأسه، رغم تدخل المارة، الذين خلصوه بأعجوبة قبل أن يجهز عليه.

لم يمض وقت طويل حتى هرع أهله وذوه، مسلحين بالعصي والنبابيت، ففررنا جميعا، فيما اندفع مسعود نحو سقيفة، لأحد المحال المطلة على الساحة، انتزع منها عصا غليظة وأسند ظهره إلى الجدار.

رحت أنظر من خرم بباب الدار، كان المشهد مهولا والشارع قد خلا من كل حس فيه، حتى صاحب الحانوت المجاور، أغلق على نفسه الباب وفعل كفعلتي، دنا منه ثلاثة رجال، يبدو أنهم والد الشاب وشقيقاه، اندفع الوالد رافعا عصاه، فصدها مسعود، ثم ركله في بطنه بقوة أسقطته وأتبعها بضربة بين كتفيه، صاح على إثرها ولم يقم.

نظر كلا الشابين إلى الآخر وفي عيونهما رعب لا يوصف، تقدم أحدهما شاهرا سكينه، فما كان من مسعود، إلا أن أهوى عصاه بقوة على كتفه، فسقطت سكينه وولى هاربا، يتبعه شقيقه، دون أن يكسب شرف المحاولة.

عند حلول المساء توجه عدد من رجالات الحي، بصحبة أخيه الاستاذ، إلى ذوي الخصم، سعيا في حل الإشكال، فيما ظل مسعود منهمكا في اللعب معنا وكأن شيئا لم يكن.

عاد أبي بعدها متبرما.. ممتعضا، سألته أمي عن السبب، فرد بنبرة فيها الكثير من الخوف والتوجس: كان الملعون منتشيا بفعل أخيه وكأنه فاتح الأندلس.

  • وما لنا وله؟، قالت أمي معقبة.
  • لا تنسي أننا في نفس الحي وقد تستهويه اللعبة .

لم أفهم حينها ما الذي يرمي إليه أبي، لكني بعد سنوات من تلك الواقعة، شهدت جولات مشابه وربما أكثر قسوة، حتى أن عددا من رجالات الحي، أشاروا على الأستاذ بضرورة السعي في زواجه، آملين أن يحد ذلك من جموحه وانفلاته.

لكنه ظل يراوغ، متسلحا بحجج لا تنطوي على أحد، خصوصا بعدما أصبح مسعود حارسا لسوق الخضار المجاورة وبدأت السلال تحمل إلى البيت مهابة واسترضاء، بالإضافة إلى أجرة يضعها في يد أخيه نهاية كل أسبوع، مقابل وجبة دسمه ووعد بزواج قريب.

 إلى أن جاء اليوم الذي صحت فيه الحارة على صراخ شق هدأة الصبح فيها ومزق سكونه، فهرع الرجال والنساء وكل من صحا نحو بيت الأستاذ، دفع أحدهم الباب، فولج خلفه خلق كثير، كان المشهد مريعا.. مقززا إلى أبعد حد، خلع أحدهم عباءته وألقاها على السيدة، التي كانت ترتعد وترتجف أوصالها العارية خلف زاوية الباب، ثم دخل إلى الغرفة التي تسيل على أعتابها الدماء، وقف ببابها مصدوما، تدافع الحضور خلفه، أشاح البعض وترنح آخرون، فيما تراجع إلى الخلف من كانت به شجاعة، ليظهر المشهد على حقيقته البشعة، كتلة من دماء وأشلاء مبعثرة، فيما مسعود قابض على سكينه، ينظر إليها بصمت وتبلد .

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.