أسباب التغيير الدراماتيكي في موازين القوى النفطية

2019-08-06T18:00:48+00:00
2019-08-06T18:01:22+00:00
المقال الإقتصاديزوايا
6 أغسطس 2019
أسباب التغيير الدراماتيكي في موازين القوى النفطية
نهاد إسماعيل

ديناميات سوق النفط

تمر خارطة العالم النفطي بمرحلة تغيير جذري. فمنظمة الدول المنتجة والمصدرة للنفط “أوبك” لم تعد المحرّك الرئيس ولا تملك القوة والتأثير لتغيير المعادلات في الساحة النفطية كما فعلت خلال السنوات الأربعين الماضية أو منذ بداية سبعينيات القرن الماضي.

وبحسب تقديرات “بلومبيرغ” للمال والأعمال أوائل أغسطس آب الحالي، فقد هبط انتاج “اوبك” كمجموعة لأدنى مستوياته منذ 2014. حيث بلغ اجمالي انتاج “اوبك” مجتمعة 29.4 مليون برميل يوميا خلال شهر يوليو تموز 2019. وقبل سنوات، وصل انتاج أوبك الى ما يزيد عن 34 مليون برميل يوميا أو ما يزيد عن  40% من الانتاج العالمي مقارنة ب 29% الآن.

وتعتقد الـ “فايننشال تايمز”، صحيفة المال والاعمال البريطانية “ان اتفاق أوائل تموز 2019 في اجتماع فيينا بين “أوبك” وشركاءها وعلى رأسهم روسيا بخفض الانتاج بواقع 1.2 مليون برميل يوميا لستة او تسعة شهور أخرى، ما هو إلا دليل على انتقال قوى التأثير من المنتجين الى المستهلكين”.

لم تعد السعودية المنتج الأكبر للنفط ولم تعد قادرة على تغيير المعادلة كما كان سابقا عندما لعبت دور المنتج الترجيحي في الثمانينات والتسعينات. ولكن تبقى السعودية أكبر مصدّر للنفط حيث تبيع 7 ملايين برميل يوميا لزبائن في شرق آسيا وأميركا الشمالية. ويجب القول أن اعتماد الولايات المتحدة على نفط الشرق الأوسط بدأ يتراجع.

الأسباب التي تعصف بمداخيل أعضاء “أوبك” وتمنع الأسعار من الارتفاع

انخفضت أسعار النفط مؤخراً في ظل ارتفاع وتيرة المخاوف بشأن النمو الاقتصادي العالمي وتراجع الطلب العالمي على النفط الخام بعد إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بتصعيد الحرب التجارية مع الصين عبر فرض رسوم بنسبة 10% على بضائع صينية مستوردة بقيمة 300 مليار دولار مما يعني تقليص استيراد الصين للنفط الخام والغاز الطبيعي المسال.

وفي تطور مفاجئ، سمحت الصين للعملة الصينية الرينمنبي ان تهبط قيمتها الصرفية لأقل من 7 دولارـ وهذا لم يحدث منذ  الأزمة المالية العالمية 2008 – 2009. ومن شأن انخفاض العملة الصينية أن يزيد تكلفة واردات الصين النفطية المقومة بالدولار، وكذلك إشعال حرب عملات بين بيجينغ وواشنطن.

وبحسب مصادر اخبارية، تتعرض أسعار النفط الخام لضغوط بسبب مؤشرات على ارتفاع الصادرات النفطية الأميركية الى 3.16 مليون برميل يوميا.

ومن المثير أنه على الرغم من كل التوترات الجيوسياسية التي تعيشها المنطقة، وحرب الناقلات في مضيق هرمز، وتعرض سفن للتخريب في ميناء الفجيرة، إلا أنه لم تصعد الأسعار لمستويات قياسية. ومع غياب الاستقرار في دول أعضاء “أوبك”، كليبيا ونيجيريا وفنزويلا، إلا أن الأسعار تبقى في أوائل الستينيات ولم تصعد الى 100 دولار وما فوق كما توقع الكثيرون.

حتى ان اتفاق تخفيض الانتاج بين “اوبك” وروسيا بواقع 1.2 مليون برميل يوميا لم يكن له تأثير يذكر على الأسعار. وتبقى الأسعار بحدود 61-63 دولار للبرميل لمزيج برنت القياسي ومن 55 الى 57 دولار لخام غرب تكساس الوسيط.

إن السبب البسيط والسريع لذلك يكمن في أن خارطة العالم النفطية بدأت تتغير ولم تعد كما كانت في السنوات السابقة.

الكوابح التي تمنع الأسعار من الارتفاع تشمل حرب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، التجارية ضد الصين. ثم تراجع الطلب العالمي. وفي تموز الماضي، قامت وكالة الطاقة الدولية بتعديل توقعاتها بنمو الطلب العالمي على النفط الخام من 1.5 مليون برميل يوميا خلال عام 2019 الى 1.1 مليون برميل يوميا.  كما أن السبب الآخر الذي يساهم في كبح الأسعار هوارتفاع وتيرة انتاج الزيت الصخري الأميركي.

الانتاج خارج “أوبك”: نجوم النفط الصاعدة الآن هي الولايات المتحدة وروسيا

تنتج روسيا ما يزيد عن 11 مليون برميل يوميا. وثورة الزيت الصخري الأميركية سمحت للولايات المتحدة بتصدير كميات كبيرة من النفط الخفيف. الانتاج الأميركي المتصاعد يعتبر ضربة مؤلمة لمنظمة أوبك. وبحسب وكالة الطاقة الأميركية تنتج الولايات المتحدة حاليا 12.2 مليون برميل يوميا وهذا الرقم مرشح للارتفاع. وتنتج روسيا 11.2 مليون برميل يوميا ولكنها ليست في وضع يسمح لها برفع الانتاج لأنها تنتج أقصى ما يمكن. أما البرازيل، فتنتج وفق وكالة الطاقة الدولية 2.8 مليون برميل يوميا. كما انه من المتوقع أن يصل الانتاج الى 3 ملايين برميل يوميا وهذا يعادل أو يزيد عن انتاج بعض اعضاء اوبك.

حوض بيرميان في ولاية تكساس ونيو مكسيكو

وبحسب المعلومات المتوفرة من مصادر الطاقة الأميركية، فقد بلغ إنتاج حوض بيرميان من النفط الصخري 5 ملايين برميل يوميا أو ما يقارب 40% من إجمالي الانتاج الأميركي.

الولايات المتحدة تعد أكبر مستهلك للنفط ولكنها تصدر ما يزيد عن 3 ملايين برميل يوميا إضافة إلى تصدير الغاز الطبيعي المسال. بينما تصدر النفط الخفيف لا تزال تستورد الخام الثقيل الذي يناسب المصافي التكريرية التي تم تأسيسها قبل اندلاع ثورة تكسير الصخور لاستخراج الزيت الصخري  في بداية ألألفية الثالثة.

وقد أشار تقرير حديث لمعهد البترول الأميركي API ان الولايات المتحدة ستواصل مشاريع رفع انتاج النفط الخام. وتصدر أميركا كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال. حيث صدرت عام 2018 حوالي 9.9 مليار قدم مكعب يوميا ولمست الصادرات 11.8 مليار قدم مكعب يوميا في ديسمبر كانون اول 2018.

التوترات في الخليج تهدد صادرات أوبك

وبين أعضاء “أوبك” العراق استطاعت فقط أن ترفع الانتاج من 2.9 مليون برميل يوميا عام 2009 طغلى 4.5 مليون برميل يوميا عام 2019. ولكن صادرات الخليج من النفط تبقى تحت رحمة التوترات والتدخلات الايرانية في مضيق هرمز.

لقد انعكس هذا الوضع الخطير على أسعار النقل البحري، ورسوم تأمين الشحن البحري التي صعدت لمستويات غير مسبوقة في الأسابيع الأخيرة. ولا غرابة في أن ان تبحث الدول المستوردة للنفط عن مصادر بديلة خارج المنطقة. كما ان بعض الدول المنتجة مثل السعودية والإمارات تخطط لتوسيع قدرة أنابيب النفط لنقلها من الخليج إلى سواحل البحر الأحمر. وحتى بناء قنوات تمتد الى 900-1000 كم لربط الخليج بالبحر الأحمر لتجنب استخدام مضيق هرمز سستغرق سنوات. أضف إلى ذلك انه بحسب مصادر مطلعة، فإنه ستتراوح التكلفة بين 80 إلى 200 مليار دولار.

مما لا شك فيه ان ديناميات أسواق النفط  تغيرت وباتت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط الخام في العالم. والتطورات التكنولوجية خفّضت تكلفة انتاج الزيت الصخري. حيث يستطيع منتجو الزيت الصخري جني أرباح في نطاق سعري 50 الى 60 دولار.

 قبل خمسة أعوام، احتاجت صناعة النفط الصخري الى سعر 65 دولار للبرميل لتحقيق نقطة الربح والخسارة. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تستعيد “أوبك” دورها المحوري كلاعب ذو نفوذ وتأثير في ساحة النفط العالمية، علما ان احتياطيات دول أوبك من خام النفط بلغت عام 2017 نحو 1214 مليار برميل تمثل نسبة 81.9% من الاحتياطيات العالمية؟

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.