التنافس الإيجابي والتنافس السلبي

2019-08-08T15:50:06+00:00
2019-08-20T10:29:07+00:00
خاطرة الأسبوعزوايا
8 أغسطس 2019
التنافس الإيجابي والتنافس السلبي
د. محمد ربيع

تتجه غالبية الناس إلى التنافس بهدف الحصول على المال أو الجاه أو مكانة علمية أو أدبية مرموقة. ويعود سبب التنافس إلى طموح كل إنسان أن يحقق الكثير في حياته، وأن يتفوق على أقرانه وزملائه، وأن يترك خلفه سيرة حياة تستحق التقدير. إذ يتمنى كل إنسان في الواقع أن يكون أفضل الناس، لكن ظروف الحياة، وظروف كل شخص واستعداده العقلي وتربيته وعلومه، وثقافة المجتمع الذي يعيش فيه تفتح المجال أمام البعض كي يبدعوا ويتجاوزوا طموحاتهم أحياناً، فيما تحرم الغالبية من الاقتراب من أهدافهم.  

يتجه الفرد في الغرب عامة إلى التنافس مع غيره باتباع طرق إيجابية تعترف بانجازات المنافسين وحقوقهم، وتدفعه إلى العمل على تحقيق انجازات تتفوق على انجازات أقرانه. ويعود السبب في اتباع هذا الاسلوب إلى سيادة الحرية في المجتمع، وكثرة الفرص وتوالدها بشكل آني تقريباً، وضعف مشاعر الحسد والغيرة عن الحياة بوجه عام. وهذا يفتح المجال أمام كل إنسان تقريباً كي يعيش حياته كما يريد بعيداً عن عيون المتطفلين والحاسدين. حين تسود روح التنافس الايجابي يندفع الناس إلى العمل الجاد بغض النظر عن تخصصاتهم، والتوجه نحو تكديس الثروات، والتحصيل العلمي، والتميز في مجال تقديم التبرعات للمحتاجين والمؤسسات الخيرية والعلمية والتعليمية، وغير ذلك من نشاطات تثري حياة الفرد والمجتمع الذي ينتمي إليه، ما يجعل الانجاز في المجالات الخاصة والعامة لب عملية التنافس.

أما في العالم العربي، فإن التنافس يأخذ في معظم الحالات والأحيان منحى سلبياً يقوم على التقليل من شأن الآخر، وغض النظر عن انجازاته العلمية وغير العلمية، والتشكيك في مصداقيته، واتهامه أحياناً بما فيه وبما ليس فيه من سلبيات وسلوكيات سيئة، وذلك بهدف تدمير سمعته وتغيير نظرة الناس إليه. وما دام الشخص المستهدف لا يزيد عن كونه إنسانا مشكوك في أمانته ومصداقيته وسلوكياته وأصالة أفكاره، فإن المنافس يبدو في عين المجتمع هو الشخص الأفضل وصاحب الحق في الاحترام والتقدير.

ويعود سبب سيادة روح التنافس السلبي في المجتمع العربي إلى عوامل عدة: منها شيوع ثقافة الحسد والغيرة، وغياب الحرية الشخصية، وسيطرة الواسطة والمحسوبية ذات الجذور الطائفية والمذهبية والعشائرية على تفكير أغلبية الناس ومواقفهم، وضعف الفرص المتاحة أمام مختلف أفراد المجتمع، وضيق مجالات العمل والإنتاج، وممارسة النميمية كهواية تحظى بشرعية ثقافية. وفي ضوء تكالب غالبية الناس على الثروات والمادة ومظاهر الترف، ونجاح المال في تبوأ المكانة الأهم في المجتمع، فإن النجاح أصبح يقاس بمقدار المال دون غيره من أمور حسية وغير حسية، ما جعل مكانة العلم والعالم والثقافة والقيم النبيلة تتراجع.

حين تكون المنافسة شريفة ومفتوحة أمام جميع الناس، وفرص الكسب متوفرة، فإن العلم والجهد والصدق والمثابرة تصبح أهم أدوات خوض المعارك التنافسية وأكثرها ضماناً لتحقيق النجاح والفوز بما يصبو إليه المتنافسون من علم ومكانة اجتماعية وثروة. في المقابل، حين تكون المنافسة محصورة ضمن فئات معينة دون غيرها، والفرص قليلة أو شبه معدومة، فإن الكذب والاحتيال والخداع والاستغلال تصبح أهم أدوات خوض المعارك التنافسية وأكثرها ضماناً لتحقيق النجاح المطلوب. وفي ضوء محدودية الفرص وعدم توزيعها بشكل عادل في الوطن العربي، فإن التنافس السلبي أصبح أقصر الطرق لتحقيق النجاح وأهم أدواته. نتيجة لذلك، أصبح كل نجاح يحققه شخص ما يأتي في الغالب على حساب حقوق غيره من الناس، وأحياناً على حساب قيم المجتمع ومبدأ العدالة وتكافؤ الفرص. المنافسة الايجابية تشحذ الهمم، وتشجع عمليات البناء والخلق والابتكار، فيما تعمل المنافسة السلبية على تثبيط الهمم، وتشجيع عمليات التشويه والهدم والتدمير لكل عمل خلاق وإنسان مبدع.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.