“انتظار” نهيل الشرافي.. الإرادة تقهر الإعاقة

2019-07-17T20:42:19+00:00
2019-07-17T20:42:23+00:00
ثقافة وفنون
17 يوليو 2019
“انتظار” نهيل الشرافي.. الإرادة تقهر الإعاقة

*ناصر عطا الله : أديب فلسطيني.


(انتظار) القصة التي نعيشها في قطاع غزة، على قطع مقطوعة من الزمن المتسارع، فالحروب التي علمتنا كيف نعيشها، تنعش الذاكرة، كلما حاولنا الهروب منها، جاءت أختها لتردنا عن النسيان، هذا ما أرادته الكاتبة نهيل الشرافي في انتظارها، الذي شق الضباب ليتسلل من كوة مجروحة، ويعود إلينا فيردنا إلى أول اعتداء قاسٍ عشناه في قطاع غزة، العدوان الأول الذي كان مباغتاً وغير متوقع بأسلوبه ولا حجم الأسلحة المستخدمة فيه، عدوان 2008-2009م. الكاتبة الشابة نهيل الشرافي، نجحت بكتابها الأول أن تبدأ مشروعاً لتثبيت الذاكرة الجمعية عند وجع الرواية، كما نجحت في الانتهاء من كتابها المفتوح على احتمالات غائرة، يفسدها الإحباط ويحاول الأمل أن يتسلل إليها، ولكنني وجدت في الكتاب أرضاً للأشواك اليابسة، المترامية الأطراف على مناديل الدمع، أرضاَ مغسولة بحكايا الحيف ، ومشقوقة بالهموم والمآسي المتكررة، أرضاً يباب وغير صالحة إلا للحروب الطاحنة، هكذا أرادها المحتل، ومهددة من بحرها وسمائها وشرقها، وكل ما حولها يحاصرها، هذا الواقع المعقد الذي حاولت الكاتبة نقله للقراء، من خلال معبر المعاناة الدائمة، معبر رفح البري المتنفذ الوحيد لغالبية سكان قطاع غزة، والمرهون بمزاجيات الكائنات البعيدة، والمتحكمة، والمصاغ بسوار غليظ مفتون بأساليبه المتعددة لصناعة البؤس لأثنين مليون إنسان. نهيل الشرافي في سبرها لجراح أحمد الطبيب المثابر والمجتهد والمضحي بأيام شبابه والقابض على سهر الليالي الطوال، البطل الذي اختارته الكاتبة ليكون النموذج الأكثر اشراقاً للفلسطيني الذي يتحمل المعاناة بالمواجهة الصامتة، والإرادة المبنية على العلم وبناء النفس، ورغم أنها اعطته كل صفات الشاب الناجح والمثابر، إلا أنها جعلته ضحية الظروف القاهرة، عفواً الواقع الذي جعله كذلك!، فبعد رحلة العلم الشاقة إلى مصر، وعودته بشهادة الطب، بقي على برنامج التشغيل المؤقت، ورغم ذلك لم يفكر بالهرب من جهنم الظروف، بل بقي انتماءه الأصلب طوال بقاء أمه على قيد الحياة، ليزيدها رضى بتأسيس أسرة، والزواج من ابنة خاله، الصبية الجميلة الممشوقة والأخت لشقيقاتها اللاتي لم يحلفهن النصيب بالزواج وتحولهن إلى همّ كبير لوالدهم المريض، والصبر الذي ظل سلاح القوة لهذه الأسرة، حتى أن جاء الغدر وأكل العدوان الغاشم الجدران والأسقف وطواها بأكملها في ركام غليظ، ماتت الأسرة ولم يبق لـ آلاء سوى أحمد ووالدته، بعد أن صارعت اللحظات القاسية وكادت أن تخسر عقلها، إلا أن الصدمات التي صنعت المصائب لم تتوقف عند موت والدها وشقيقاتها بل حصد الغدر ابنها الوحيد هشام، وقدمْ زوجها الطبيب أحمد، عندما حاولا انقاذ عائلة أهلها واقناع والدها بالخروج من البيت قبل قصف بيت جارهم، لكن الدمار آتى على غير المستهدف قبل الهدف، وهذا ديدن الظالمين، صناع الجريمة الأبشع في التاريخ. الحكاية لم تعط نهاياتٍ لفرح كبير، باستثناء أفراح مؤقتة وعابرة، كيوم تخرج أحمد ونيله شهادة الطب، ويوم أن تزوج من آلاء ، ويوم أن جاء مولودهما هشام، هذه الأفراح المتواضعة حصدها غبار الاعتداءات، ومسحها من الذاكرة تماماً، لتموت الأم، وتهاجر لبنى أخت أحمد بعد هجرة زوجها بسنة وأكثر، لتعيش حالة انتظار مرعبة، ولا تستطيع الخروج من قطاع غزة، إلا تهريباً عبر الانفاق، بعد معاناة ومشقة، وأحمد نفسه تحت وطأة الظروف القاسية، واشتداد الأزمات العامة، وانعدام الأفق القريب لانفراجة تجعل من الوطن مأوى ومستقر، فكر ودبر كيفية خروجه من القطاع، فأخذ زوجته المكلومة، وركبا البحر، وعلى سفوح أمواجه تعترف له أنها حامل، ومولودها الذي في جوفها بات مهدداً الآن، بذات التهديد الذي يلم المهاجرين في قارب متهالك كما وصفته الكاتبة، لتفجر السؤال الأصعب أمام الذين فقدوا الأمل بأوطانهم، وهو هل الموت في المالح اسلم من الموت في أزمات الأوطان؟ لا جواب يصرخ فكل راكب بحر يأمل بالشاطئ ويحلم بحياة البر المستقرة. نهيل الشرافي التي وضعت كل هذا الوجع في مئة وخمس وعشرين صفحة من القطع المتوسط، كشفت بعض ما ارتكبته الاعتداءات المتكررة على قطاع غزة، في السنوات الأخيرة، بمحاولة منها أن تكون كاتبة شهادة بما ملكت يمينها من لغة، فكان لها أن أخرجت للنور منتظراً مبكراً اسمه ( انتظار) بعد أن الموتَ علق الرواية على صليب بلا ظلال، و أحمد الذي اعتقل بعد موج كاسر رماه بساق على شاطئ ايطاليا، ليواجه السجن، وحسرته على فقدانه زوجته وابنه الجنين اللذان لم تصرح بمصيرهما الكاتبة ، في إشارة منها على مواربة الأمل أو ابقاء الجرح مفتوحاً على اشرعة النزف المتواصل، هكذا يموت الغرقى بلا أكفان ولا قبور ولا شواهد، بل يتحولون إلى طعام للحيتان والأسماك، وموائد للبحار، ألم ترمي الكاتبة المهاجرين الموتى في البحر، لكي لا تغرق السفينة إذا ما هاجمها الحيتان بعد روائحهم التي باتت منتشرة في المكان، وهي الكاتبة التي البست مبتورتا الساقين حذاءً واحداً، بعد أن جمعت بينهما والطبيب أحمد في رحلة علاج لتركيب أطراف اصطناعية في ألمانيا، الصورة المؤلمة للشابتين يعيد الذاكرة لمبتوري الرأس من الأطفال في مناطق متفرقة في قطاع غزة، ابان كل عدوان اسرائيلي غير مبرر وغير رحيم. الرواية الأولى لنهيل الشرافي محشوة بوجع لا يتحمله إلا الصابرون من أولى العزائم والإرادة، ومهما كان الرصاص مصبوباً وأي كانت جهته فالشمال الذي يقتل الأبرياء عن سبق وإصرار، لم يندم يوماً، ولم يبكي على الطفل المريض عمر الذي لفظ أنفاسه الأخيرة وهو ينتظر على بوابة المعبر في الجنوب، فالموت أسرع من سريرٍ ومن حبة دواء في غزة، ورغم ذلك الحياة تتفتح عن عروة بعد كل اغلاقة مظلمة، لذا يحتاج الناس هنا إلى جرعة مستدامة من النسيان، وليس أي نسيان. وفي النهاية لا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر الموقر لمكتبة سمير منصور التي اخرجت للنور هذا العمل الأدبي الشاحن للذاكرة الحاضرة، ولكل من ساعد وساهم ووقف إلى جانب الكاتبة نهيل نافذ الشرافي، وأبارك للكاتبة التي نجحت في بداية مشوارها، بالوصول إلى نهاية كتابها الأول، فهي قادرة على استكمال مشروعها الأدبي، لتكتب عن فرح يُغرق أبواب كتبها، ويفتح فصولها على غدٍ كله أمل، بلغة أكثر ابداعاً ، وخفة ، وإني على يقين بأنها ستصل في يوم من الأيام إلى ما تريد. ولكن.. سيبقى الانتظار من رخامٍ حتى ولو تحول إلى ركام.. إنها غزة!!. • الكاتبة نهيل نافذ الشرافي شابة فلسطينية من ذوي الاحتياجات الخاصة، عاشت حياتها وتعيشها بإرادة خارقة لمواجهة إعاقتها الجسدية، بالكتابة والإبداع وهي لا تزال في مقتبل العمر.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.