التعامل مع خيانة الأصدقاء

2019-06-27T19:06:30+00:00
2019-07-11T14:51:47+00:00
خاطرة الأسبوعزوايا
27 يونيو 2019
التعامل مع خيانة الأصدقاء
البروفيسور محمد ربيع

إن من أكثر الأمور تسبباً في شعور الإنسان بالألم هي خيانة الأصدقاء. لكن على الرغم من إمكانية تعرض كل إنسان لخيانة صديق، لا يجوز لإنسان أن يلجأ إلى الانتقام، ويقوم بإلحاق الأذى بالصديق الذي خان الصداقة. كما أن على الضحية أن لا يلجأ إلى لوم نفسه واقناعها بأنه كان مسئولا مسئولية مباشرة أو غير مباشرة عما وقع له من خيانة وما يشعر به من ألم، بل عليه أن يعترف بما حدث ويتعامل معه بأمانة وعقلانية تعود عليه وعلى الصديق القديم براحة البال والضمير.

إن على الضحية أن يتعامل مع خائن الصداقة في ضوء ما قام به ذلك الصديق من أعمال، وما كشفه من نفس لا تقدر الصداقة ولا تفهم معنى الوفاء. وهذا يعني أن على الضحية أن ينظر إلى خائن الصداقة بوصفه إنسان سيء، يحسن الإساءة للمقربين منه والمخلصين له، وبالتالي ليس أهلاً للصداقة ولا يستحق الاحترام. إن الناس السيئين دأبوا على الإساءة للغير على مدى التاريخ، وإنهم كانوا في معظم الحالات والأحيان يختارون الأقرب من الناس إليهم ليخدعوهم ويستغلوهم ويلحقوا الأذى بهم دون مبرر.

تعرضت قبل وقت قريب لعملية خداع من قبل شخص كان في منزلة الأخ بالنسبة لي، وكنت أعتبره صديقاً عزيزاً ورجلاً وفياً. الشخص المعني هو رجل ثري ومقاول كبير، اتفقت معه على شراء شقة في عمارة بناها، دفعت له نصف الثمن، ووقعنا اتفاقية صاغها بنفسه، ومن ثم سكنا في العمارة كصديقين وجارين. لكن الصديق، وبعد مرور حوالي السنتين على إقامتي في الشقة طلب مني الخروج منها بحجة أنه ينوي أن يوزع شقق العمارة على أبنائه. لم أرفض طلبه من حيث المبدأ، إذ قلت له “إذا كان خروجي من الشقة سيكون مصدر سعادة لك ولعائلتك فإنني أكون أيضا سعيدا”. لكنني طلبت منه إمهالي بضعة شهور حتى أجد مكاناً بديلاً يناسبني، خاصة وأنه لم يكن في حاجة لتلك الشقة لسنوات. لكني فوجئت بقيامه برفع دعوى قضائية ضدي يطالبني فيها بإخلاء الشقة فوراً. وبعد استشارة قانونية توصلت إلى نتيجة أن القانون الذي كُتب لتمكين الأثرياء من الاحتيال على الفقراء والضعفاء ومصادرة حقوقهم، كان في جانبه.

ينص القانون على أنه في حال وقوع خلاف حول عقار ما قبل قيام البائع بالتنازل والشاري بالشراء وتسجيل المعاملة لدى دائرة الأراضي، فإن على الأمور تعود إلى ما كانت عليه قبل الاتفاق. وعلى الرغم من أنني لم أكن أعرف هذا النص، إلا أنني طالبت الصديق المعني مراراً بفرز الشقق ليكون بالإمكان نقل ملكيتها لي، إلا أنه امتنع عن ذلك لعدم استعداده لدفع تكاليف الفرز حسب القانون. وهكذا استخدم الصديق القانون الجائر لينكث بوعده، ويتخلى عن توقيعه، ويدوس فوق كلمته، ويخون ما كان بيننا من صداقة حميمة. وحين طالبته من خلال وسطاء بتعويضي عن خسارة الأثاث الذي بيع بثلث الثمن أو بدفع جزء من زيادة ثمن الشقة التي تضاعف سعرها خلال فترة ملكيتي لها، رفض رفضا باتاً.

لقد كان بإمكاني طبعا أن أقاضيه وأن أحرمه من استخدام الشقة لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات بينما تنظر المحاكم بالقضية، إلا أنني قررت عدم القيام بذلك. إن الدخول في معركة قضائية كان سيشغلني فترة طويلة من شأنها أن تسرقني من الأشياء التي أعشقها: القراءة والكتابة والسفر وإلقاء المحاضرات في جامعات حول العالم، ومساعدة طلبتي القدامى. كما أن من شأن الانشغال في قضايا ومحاكم يستمرؤ رجالها الظلم أكثر من العدل، أن  يجبرني على التفكير سلباً بدلا من التفكير ايجاباً. لهذا سلمته الشقة ونسيته تماماً، نسيت ما فعله واعتبرته حادثة عابرة في حياتي علمتني درساً ومضت إلى غير رجعة… حادثة كان لا بد من تجاوزها كي أعود إلى ممارسة ما أحب وما يعود علي بالسعادة والرضا عن النفس.

إن من يفكر بطريقة سلبية من الناس ليس باستطاعته أن يفكر بطريقة ايجابية؛ ولما كان التفكير الايجابي هو عملية خلق وإبداع، والتفكير السلبي هو عملية هدم وإضاعة للوقت، كان لا بد من تجاوز المشكلة ونسيانها والتعامل معها ومع من تسبب بها كحادثة عرضية وصدفة لم يكن بإمكاني السيطرة عليها. إن من يفكر سلباً يقوم في الواقع بإيذاء نفسه أكثر من إيذاء الأشخاص الذين يعتبرهم خصوما أو منافسين، لأنه يضيع وقته في صراع عبثي، حتى وإن ربحه، لن يعود عليه بالنفع.

بعض الأصدقاء لاموني على ما حدث، لأنني وثقت بذلك الصديق واعتقدت أنه سيحترم كلمته وتوقيعه وسيفي بالتزاماته الأخلاقية والتعاقدية. كان من الممكن أيضاً أن ألوم نفسي للأسباب ذاتها، لكني لم أفعل ذلك. إن الثقة بالآخرين، خاصة من يعتبرهم الإنسان أصدقاء، هي خصلة حميدة، وليست خطيئة، ولكن خيانة الصداقة والأصدقاء هي خطيئة كبرى تقترب من مرتبة الجريمة. وكما يقول مثل ايرلندي قديم: “إذا خدعني صديقي، فان ذلك عيب عليه، لكنه إذا خدعني للمرة الثانية، فإن ذلك يكون عيب علي.” لذا العيب عليه وسيكون عيب علي إذا تعاملت معه ثانية، أو احترمته، أو وثقت به بعد أن خانني.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

التعليقات 4 تعليقات

  • Nedal soliman

    ربما تكون على صواب بعدم الاكتراث بالموضوع ولكن لابد ان تنتبه انك احد ضحايا هذا الرجل وربما هناك من خدع قبلك ومن سيقع بمكيدة هذا الرجل بعدك لهذا اعتقد من الانسب لو انك علمته درسا ليس من اجل المال ولكن حتى لا يتسنى له الاحتيال على آخرين يعني قطع يد الاذى عمن ياتي من بعدك

  • Nabi Bushnaqk

    vertrauen ist gut, Kontrolle ist besser
    من الجميل ان نثق بالناس لكن المراقبة ضرورية

  • نافع حسن

    مر علي الكثير من هؤلاء. نعم إن اصعب شيء يواجهه الإنسان في حياته هو خيانة الصديق المقرب له. ولذا يشعر بالاستمتاع وهو يرى الصديق الخائن يكتوي بنار الانتقام لكني اوافقك الرأي على ترك الصديق الخائن وشأنه ليس للسبب الذي ذكرته انت ولكن لسبب آخر هو وصية جدتي الصالحة رحمة الله عليه إذ اوصتني لا تنتقم انت بل اتركه وانتظر عقاب العزيز الجبار والذي لن يطول وهذا ما حدث ويحدث معي طيلة حياتي.

  • جواد عبد الحميد

    خير ما فعلت ما بستاهل التفكير بهكذا شخص ولكن كانت درساً لك لن تنساة وعوضك الله بخير منه.