سامي مهنا: أنا ابن فلسطين وبلاد الشام التاريخية دون انكفاء إقليمي..

2019-06-09T21:59:21+00:00
2019-06-18T20:13:50+00:00
رموز ثقافية
9 يونيو 2019
سامي مهنا: أنا ابن فلسطين وبلاد الشام التاريخية دون انكفاء إقليمي..
أجرى اللقاء مدير القسم الثقافي : الشاعر محمد شريم

سامي مهنا :
ـ العمل الوطني والقومي المنفتح على الإنساني العميق واجب على كل فلسطيني وعربي.
ـ من بداياتي أكتب الشعر الموزون.

ـ لا شيء يحرق الأسماء اللامعة دون رصيد كاف أكثر من الأضواء..

 5 - شرق وغرب

محمد شريم : أرحب بك أخي وصديقي العزيز الشاعر العربي الفلسطيني الكبير سامي مهنا في هذا اللقاء الذي سينشره موقع (شرق وغرب) الإخباري العربي ومقره لندن في ركن ( رموز ثقافية ).

بداية ، هل لك يا صديقي أن تزيد القارئ العربي من خلال (شرق وغرب ) معرفة بسامي مهنا ؟

سامي مهنا :  شاعر عربي فلسطيني، ولدتُ وترعرعتُ  في قرية البقيعة الجليلية، القريبة من حدود لبنان، والتي أطلق عليها الشاعر والقائد الوطني المرحوم توفيق زياد، بلد الشعراء، عملتُ بمهنة المحاماة، فترةً طويلة، ولكنّني تركتُ هذه المهنة، التي شعرتُ مع الوقت أنها تستنزفُ طاقاتي الأدبية، رئيس الاتحاد العام للكتاب العرب الفلسطينيين 48، منذ عام 2010، وحرّرتُ وقدّمت برنامجًا أدبيًا، في إذاعة الشمس، الإذاعة العربية المستقلة الوحيدة في داخل الداخل الفلسطيني، أكثر من خمس سنوات، وعملت في التحرير الأدبي والثقافي، الورقي والالكتروني، وعلمت في وكالة وفا الفلسطينية محرّراً للشؤون الإسرائيلية.  وأعمل اليوم في تعليم وإرشاد دورات الكتابة الإبداعية لكلّ الأجيال، أصدرتُ حتّى الآن خمس مجموعات شعرية، وأعددتُ كتابًا بعنوان شعر المقاومة الفلسطينية في الداخل ال(48)، وأصدرته اللجنة الوطنية الفلسطينية للأدب والثقافة والعلوم، تُرجمت بعض قصائدي للغات عدة، وصدرت في أكثر من انتولوجيا، في الإنجليزية والإسبانية بشكل خاص، لُحنّت  ما يقارب 20 قصيدة من قصائدي، واشترك في غنائها، فنانون وازنون في الداخل الفلسطيني، ولحّن الموسيقار المصري صلاح الشرنوبي، من كلماتي، أوبيريت شمس العروبة، الذي شارك في غنائه 22 فنّان وفنّانة من جميع الأقطار العربية،  إنتاج مؤسسة سيّدة الـأرض وقدُّم جزئيًا في رام الله، إذ منع الاحتلال الإسرائيلي معظم الفنانين من دخول الأراضي الفلسطينية المحتلة، وينتظر جهةً تتبناه ليقّدم كاملاً في دولة عربية، كُرّمت من قبل اتحاد كتّاب المغرب في طنجة عام 2016، وكرّمتُ من قبل الاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب في أبو ظبي في السنة ذاتها، وحصلتُ على جائزة الاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب لعام 2018، واستلمتها في بداية السنة الراهنة في أبو ظبي.

ولي أعمال أدبية ناجزة تنتظر الطبع، ومنها مسرحية شعرية، بعنوان مأساة وضّاح، تسرد شعريًا، قصة الشّاعر وضّاح اليمن، الذي عاش في العصر الأموي.    

محمد شريم : أستاذ سامي ، أنت شخصية يراها الكثيرون ذات أبعاد متعددة ، فأنت المناضل الوطني والإعلامي والشاعر . كيف يرى سامي مهنا نفسه ؟

سامي مهنا :    أي شاعر، أو كاتب أو فنّان غير ممتلئ بهاجس الثورة، لا يعوّل عليه، الفكر والعمل الوطني والقومي المنفتح على الإنسانيّ العميق، فرض واجب كلِّ فلسطيني وعربي، في ما دامت هناك بلادٌ محتلّة، وواقع عربي بائس لا يستطيع أن يدخّر القوّة ليدافع عن قضاياه، وإلاّ يصبح الأدب سقوطًا  وخيانةً، وأنا لم أفعل شيئًا سوى أنني أقوم ببعض واجبي الأخلاقي، بأضعف الإيمان، وهو النشاط الميداني والمساهمة الأدبية والثقافية، التي تخدم القضيّة الفلسطينية ، وقضايا العرب، وكنت عضوًا ناشطاً، وعضو اللجنة المركزية في حزب التجمع الوطني الديمقراطي، ما يقارب ال20 عام، إلاّ أنني استقلتُ من العمل الحزبي، الأمر الذي لا يلغي أبدًا، النشاط الوطني، واعتقلت وسجنت على خلفيات سياسية، وأنا أرى نفسي ابنٌ للشعب العربي الفلسطيني، لكن دون تقوقع وطني، وابن بلاد الشام التاريخية، ولكن دون انكفاء إقليمي، وابن الأمة العربية، والثقافة الإسلامية، ولكن دون انغلاق قومي، فأنا أنتمي بكل وجداني للإنسانية والكونية، وإن كنّا في  معركة مفروضة علينا، فهي ليست إلاّ مع الفكر الذي يسعى لقمع حقوق الإنسان والأوطان، وهذه المعركة ليست مع العدو الخارجي فحسب، بل باتت مفتوحةً أيضًا، مع أعداء الداخل، الذين يخدمون من حيث يدرون ولا يدرون الاحتلال والإمبريالية والاستعمار الجديد، ويساهمون في تدمير البنية التحية الفكرية والسياسية والعمرانية للأوطان العربية.

 4 - شرق وغرب

محمد شريم : كشاعر ومثقف ، كيف ينظر سامي مهنا إلى الواقع الثقافي الفلسطيني في أراضي العام 1948؟

سامي مهنا :    الواقع الثقافي في الداخل ال (ثماني أربعيني)، مركّب، فالعرب الفلسطينيون في هذه المساحة، يعيشون كما هو معروف، كمواطنين أصلانيين، مستلبي الكثير من الحقوق المدنية المستحقّة، رغم أن الكيان الصهيوني قام على حساب، سيادتهم وأراضيهم، ومن ناحية أخرى فإنّ المؤسسة الإسرائيلية، بطبيعة الحال، ولا سيّما في السنوات الأخيرة  في ظلّ الحكومات اليمينية المتعاقبة،  تشدّد الحصار الثقافي على كلّ ما هو فلسطيني، أو حتى يساري إسرائيلي، ولكن من هذه الحالة ومنذ عقود طويلة، نشأت حالةٌ ثقافية وطنية وقومية، ممانعة أو مقاوِمة، كما أطلق عليها الأديب الشهيد طيّب الذكر غسّان كنفاني، ومن ناحية أخرى هناك حالة إبداعية  متميزة، بدأت على الصعيد الأدبي منذ فترة الرعيل الأوّل، ولا تزال مستمرة، رغم اختلاف الاهتمام الإعلامي والشعبي، إلاّ أن من يدقّق، يستطيع إيجاد، حالة إبداعية، لها تميّزها، وأنا دومًا أقول، أنّه لا يفاجئنا إن أفرزت الحالة الثقافية، في بيروت والقاهرة ودمشق وبغداد وتونس وغيرها من العواصم والمدن العربية ذات التراكم الثقافي أعلامًا، في شتّى المجالات، ولكن ما يفاجئ، أن تفرز مساحةً جغرافية  ضيّقة، يحكمها كيان غريب عنها ثقافياً، وينقصها  العيش في مجتمع مدني عربي، ورغم ذلك، تفرز هذه الحالة، أعلامًا وازنين على مستوى عربي وعالمي، كمحمود درويش وسميح القاسم وراشد حسين، وإميل حبيبي، وغيرهم، وأنا على يقين، أنّ هناك أسماءً جديدة، ستصل، رغم اختلاف الظروف، لمصافٍ مشابهٍ مستقبلاً، وأودّ أن أنوّه، أن هناك أيضًا حالات إبداعية هامّة، في المجالات الثقافية الأخرى، كالمسرح، والفنون التشكيلية، والموسيقى والغناء، وتلخيصًا، الحالة الثقافية المنتمية وطنيًا وقوميًا، في أراضي ال(48)، هي الدرع الواقي والسيف وغمده، والرّوح الجامعة التي  تحافظ على الوجود والحاضر والتراث  والذاكرة والرواية العربية الفلسطينية، والأمل المستقبلي، لذلك فهي بالنسبة لنا مقدّسة.   

محمد شريم : ماهي المشكلات التي يعاني منها الميدان الثقافي في الداخل الفلسطيني؟

سامي مهنا :  عدم وجود المدينة والمجتمع المدني، بالمعنى العميق للكلمة، هي المشكلة الأكبر، وعدم وجود مؤسسات ثقافية وأدبية، ممولّة فلسطينيًا أو عربيًا، بحيث أنها تستطيع أن تنشط دون تعلّق وارتباط بالمؤسسة الإسرائيلية، فاتحاد الكتاب على سبيل المثال، غير مموّل من أيّ جهة فلسطينية أو عربية، أو عالمية، ويرفض أي تمويل من جهة إسرائيلية من منطلق مبدئي، لذلك فنحن ومنذ 9 سنوات، بدون مقر رسمي، أو إمكانية للتقدم بشكل صحيح، ونعتمد على مشاركة ضئيلة من الأعضاء، ونصرف على نشاطاتنا من جيوبنا، ومشكلة أخرى خطرة، أنه تحديدًا بعد اتفاقيات أوسلو، أصبحت القضية الفلسطينية منحصرة سياسيًا وإعلاميا في الأراضي المحتلة عام 67، وبدأ ينظر البعض إلى الحالة الثقافية في فلسطين  التاريخية، كأنّهم خارج سياق القضية، وهذا يشكل على المستوى الثقافي والوعي  بشكل خاص، خطورة على القضية  الفلسطينية ذاتها، ولا ينعكس سلبًا على الحالة الثقافية في الداخل فحسب.

محمد شريم : هل توحيد إطاريّ الحركة الأدبية الفلسطينية في الداخل الذي تم مؤخراً يمكن أن يخفف من تلك المشكلات ؟ ضعنا في الصورة بشكل أوضح، .

سامي مهنا: بعد غياب التنظيمات الأدبية لفترة زمنية طويلة في الداخل ال(48)، بادرتُ مع مجموعة زملاء من كتّاب وشعراء لإعادة تأسيس اتحاد الكتاب، وأطلقنا عليه بداية، اتحاد الكتّاب العرب الفلسطينيين- حيفا، كمسمّى مؤقت، وأطقنا عليه، في بعد اتحاد الكتّاب العرب الفلسطينيين 48ـ وللتنويه هذه المرّة الأولى التي يقام اتحاد كتّاب، بمسمّى فلسطيني كامل، وأقولها بكل تواضع، أنها كانت فكرتي، وإصراري التام على التسمية التي لها دلالاتها وأبعادها الوطنية، وقد انتخبتُ رئيسًا للإتحاد في دورته الأولى والثانية، وفي المؤتمر الثاني عام 2014، حصل انشقاق، له أسباب منها حزبية ومنها شخصية، وأقام بعض الزملاء اتحادًا آخر، وأطلقوا عليه اسم إتحاد الكرمل، والآن وبعد جهود، ونوايا حسنة من الطرفين، وتدخّل ايجابي، من الاتحاد العام للأدباء والكتّاب الفلسطينيين، نجحنا بتوحيد الإتحادين، تحت مسمى، الاتحاد العام للكتّاب الفلسطينيين الكرمل-48، بوثيقة اتفاق، والتي تضمّنت الذهاب لمؤتمر موحّد بعد سنتين من التوقيع على اتفاقية الوحدة، وأنا شخصيًا لا أنوي ترشيح نفسي لدورة قادمة، وأفكّر بشكل جاد التنازل عن رئاسة الإتحاد في الفترة الانتقالية، من منطلق الإيمان بالديمقراطية وإعطاء الفرص للآخرين.

ونعوّل كثيرًا على رفع الحالة الثقافية من خلال هذه الوحدة بين الأطر في الداخل.

 3 - شرق وغرب

محمد شريم : وكيف تصف واقع العلاقة بين الكتاب والشعراء الفلسطينيين في الداخل وبين إخوانهم في الضفة الغربية وقطاع غزة ؟

سامي مهنا :  على الصّعيد العاطفي والأخوي،  كانت العلاقة دائمًا جيّدة، وهنالك شعور دائم بالمحبّة المتبادلة، فكلّنا نشعر أنّنا نكمّل بعضنا بعضًا، فهذا المثلّث الوطني لشعبنا الفلسطيني، الذي يشمل المناطق المحتلة 67، وال48، والشتات، والذي لا تكتمل أيّ معادلة ثقافية وتاريخية ومستقبلية، إذا نقص منه ضلعًا، وهذه الرؤية الوطنية، تجعل هذا المثلّث متماسكًا.

ولكن على الصّعيد التنظيمي، لم تكن العلاقة متكاملة، والنشاطات المشتركة، كانت تقوم بمبادرات معظمها شخصية، ولكن عندما أعدنا تأسيس إتحاد الكتّاب، نظّمنا العلاقات مع الإتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين بشكل غير مسبوق،  وأيضًا عملنا مع وزارة الثقافة الفلسطينية، التي كانت العلاقة معها في مدّ وجزر، والأمر يتعلق برؤية الوزير نفسه، وقد تبدّل عدد من الوزراء منذ أسسنا الاتحاد، وسيأتي الوقت الذي أكتب فيه مقالاً أدخل فيه أكثر إلى التفاصيل من خلال التجربة مع وزارة الثقافة خلال التسع سنوات الأخيرة، وأودّ هنا أن أقول كلمة حق بحق الأخ الشّاعر مراد السوداني الأمين العام السابق للإتحاد، بأنّ كان له الدور الكبير، في إعادة تنظيم العلاقة بين شقيّ الوطن، وانسجام الرؤية بيننا، أدّت إلى علاقة، أزالت الحدود والخطوط  الوهمية، فلم يعد بالنسبة لنا على الصعيد الثقافي خط أخضر وخط أحمر، بقيت فقط الخطوط الزرقاء،  التي ترى أن الشعب الفلسطيني موجود بلا فواصل بين الأزرقين، البحر والنهر، والاتحاد  العام الآن يسير في نفس النهج، ونسير نحن والأمين العام الجديد الأخ الروائي نافذ الرفاعي، بذات الرؤية والنهج.

محمد شريم : لنعد إلى الأدب والإبداع يا صديقي ، صدرت لك ـ كما أذكر ـ خمس مجموعات شعرية ، أيها الأقرب إلى نفسك ولماذا ؟ 

سامي مهنا: لو تابع ناقد أو باحث مجموعاتي الشّعرية، تباعًا، فسيجد أنني أطوّر نفسي بشكل تراكمي، وذلك نتيجة العمل الدائم المتواصل،  فأنا لا أصدر مجموعةٍ جديدة، إن لم أرَ فيها تطورًا عن سابقتها، وكنت حتّى الآن مقلًا في إصدار المجموعات الشّعرية، لأنّني أطمحُ أن لا تكون هذه المجموعات، مجردّ كتب أخرى، وأن تكون لها قيمة إبداعية، وبدأت أرى منذ مجموعتي الثالثة أشعل الدنيا قصيدة، أنّني بدأت أقترب للمعادلات الشعرية التي أطمح إليها، وأرى أن المجموعتين الأولى والثانية، كانتا بمثابة المرحلة التجريبية، التي حاولت من خلالها أن أصل إلى التقنيات الفنية التي أطمح إليها، ولا أزال أطمح وأعمل على أن أكون في  كلّ مجموعةٍ جديدةٍ قد حقّقتُ قفزةً نوعية، وتطوّرًا، وأتمنى أن يتحقق هذا لي في المجموعات القادمة أيضًا، فمثل هذا الطموح، أي التطوّر الدائم،  يثقلُ على صاحبه، ويحمّله مسؤولية كبيرة، تجعله في كلّ مرحلةٍ، أسيرًا بشكل أكبر للعمل والجهد الذي يحتاج إلى القراءة والبحث والتعمق، والتفرّغ أكثر لأجل تحصيل هذه المتطلبات التي يفرضها هذا الطموح، والأمر برمتّه يحتاج من صاحبه أن يكون مبتليًا بعشق للأدب يشبه عشق المتصوّفين، الذي سيؤدي في نهاية الأمر إلى الانقطاع عن كلّ شيء، لأجل  الوصل بالمحبوب، وهذا يتطلبّ تضحية، يقدمّها من هم على استعداد نفسي وروحي وعقلي لتقديمها.

محمد شريم : أعرف أن لك وجهة نظر نقدية في كتابة الشعر العمودي وشعر التفعيلة وقصيدة النثر ، هل لك أن توضح لنا وجهة نظرك ، وفي أية خانة من هذه الخانات تضع نفسك كشاعر؟

سامي مهنا: منذ بداياتي الفعلية في عالم الشِّعر والأدب، في أوائل التسعينات، من القرن الماضي، وكنت في بدايات العشرينات من عمري،  وأنا أكتبُ الشّعر الموزون، أي شعر التفعيلة والعمودي، وتعلمّت البحور وأتقنها جميعاً، بجهدٍ فردي، وذلك بتوجيه ونصيحة من أستاذي طيّب الذكر الشاعر سميح القاسم، الذي نصحني أن أتعلّم البحور، حتّى وإن قررّت فيما بعد أن أتوجّه لقصيدة النثر، لستُ منحازًا لأي نوعٍ  أسلوبي،  بل أنحاز للإبداع،  ولا أتفهّم المتعصبين للشعر العمودي، أو لقصيدة التفعيلة أو لقصيدة النثر، كلّ تعصّبٍ في هذا السياق، يأخذ صاحبه إلى التحجّر، وهناك دعاةٌ للتمرّد على القديم، بحجّة عدم التقوقع، فتراهم متقوقعين في آرائهم، الحداثة في الشِّعر  ليست أمرًا بنيويًا، والحداثة لا تتعلق بعصر، أو بزمن أو بشكل بنيوي للقصيدة، فلذلك قد نجد في شعر أبي تمام على سبيل المثال، حداثةً أكثر من شعراء معاصرين.

ولكننا نعي أنّ للمبنى الشعري للقصيدة أيضًا تأثير على مضامينها، ومن هنا ولدت فكرة كسر إطار عمود الشعر، فتأسست أشكال أخرى للقصيدة، كقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، فهناك مواضيع ومضامين من الأجمل أن تُكتب بقصيدة تفعيلة، وهذا ينطبق أيضًا على القصيدة العمودية والنثر.

إن كانت هناك أزمة في الشعر، هناك من دعاة الحداثة من  يرى أن الأزمة كامنة بالبقاء على القصيدة العمودية،  وهنالك من أنصار التراث الأدبي والشعري من يرى أنّ الأزمة كامنة  بالتخلي عن عمود الشعر، وهناك من يرى أن الأزمة بدأت في ظّل وجود الشعر النثري، الذي أباح لمن هبّ ودبّ أن يكتب دون ضوابط، ويسمّي ما يكتبه شعراً.

أنا شخصيًا أميل للكتابة بكلّ هذه الأساليب، فكلّها أصحبت بالنسبة لي، كشاعرٍ معاصرٍ إرثاً عامًا، أحاول قدر ما أستطيع، أن أضيف أليه شيئًا، وأتمنى أن أنجح في ذلك.

في كلِّ مجموعةٍ شعرية لي، كتبتُ قصائد تفعيلة وقصائد عمودية، وفي مجموعتي الأخيرة، يافا شهوة البحر،  كتبتُ بعض القصائد النثرية، وأنا الآن أعمل على مجموعة شعرية غزلية، كلّها قصائد قصيرة، تنقسم بشكل شبه متشابه، من ناحية عدد القصائد،  بين القصائد العمودية، وقصائد التفعيلة وقصائد النثر، وقد حرصتُ ودون افتعال، أن أكتب القصائد العمودية في هذه المجموعة، على البحور الخليلة  الستة عشر جميعها، وذلك لتنويع الإيقاع، وكوني أرى أنّ لكل بحر ميزته الموسيقية، ومناخُهُ وطبيعتهُ، والاختلاف بين القصائد العمودية وقصائد التفعيلة وقصائد النثر، ليس اختلافًا بنيوياً  فحسب، بل هو اختلاف كبير في الأسلوب، وحتّى اللغة والمعاني، الاختلاف بينهم هو جوهريٌّ إلى حدٍّ كبير.

 وهكذا فعلتُ، في المسرحية الشّعرية مأساة وضّاح،  والتي أتممتها منذ سنتين، وأنتظر قبل طباعتها، ونشرها، إتمام ، تلحين بعض القصائد فيها، وإنهاء إخراجها، لتقدّم على خشبة المسرح، وقد كتبتها كلّها، بالشعر العمودي، ونوعّت البحور، لتصل إلى البحور الخليلية جميعها.

 2 - شرق وغرب

محمد شريم : كإعلامي متمرس في مجال الإعلام الثقافي ، حيث عملت في الإعلام الإذاعي والإلكتروني ، كيف ترى الإعلام الثقافي في هذه الأيام ؟

سامي مهنا : أولاً  في سياق هذا السؤال، أود أنأشكرك، أخي الشاعر والكاتب والإعلامي، الأستاذ محمد شريم، لهذا الجهد، وهذه الأسئلة الهامّة، وطالما أن هنالك مواقع كموقعكم الهام، وصحف، ومواقع أدبية، وبرامج تلفزيونية وإذاعية، تهتم في الأدب والثقافة، في هذا الزمن، الذي ينجرف فيه الإعلام بشكل عام نحو التسطيح، فإنّ الإعلام لا يزال بخير، والإعلام الثقافي يجب أن يبقى، قائمًا، إذا كان هدف الإعلام العربي، المساهمة في نهوض الشُّعوب والأمّة،

ولكن من المؤسف أن نرى بعض المواقع وحتّى الصحف الورقية، يحرّر زواياها الثقافية أشخاص بلا كفاءات، وحتى أنهم لا يملكون  أبسط الأدوات اللغوية والأدبية، فيقومون بمهمة تحرير الزوايا الثقافية والأدبية،  فنقرأ قصائد ونصوصًا أدبية ركيكة إلى حدٍّ لا يصدّق في زواياهم الأدبية، وهذا من سمات الأزمات الثقافية التي تسيطر على هذه المرحلة الزمنية.

ونقطة أخرى هامة، انعدام البرامج الثقافية والأدبية المتخصّصة في الإعلام المرئي، وهذا هو الحال أيضًا في الإعلام المرئي الفلسطيني، فكيف تفسّر، غياب برامج أدبية متخصصة، في الفضائيات الفلسطينية، رغم أهميّة الأدب، بالنسبة للقضية الفلسطينية؟! هذا خطأ فادح، على المسئولين أن يتداركوه. 

محمد شريم : كيف تنظر إلى تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في المجال الثقافي ، وذلك بالنسبة للمبدع والمستقبل (بكسر الباء) على حد سواء؟

سامي مهنا : كلنا نعرف ايجابيات مواقع التواصل الاجتماعي، التي قربّت البعيد، وهي تشكّل أكبر ثورة اجتماعية، على مستوى التعرّف والتعارف، والتواصل، وبناءً على ذلك فإنّ لها تأثير ايجابي جاد، ولكن بجانب هذه الإيجابيات، هنالك الجانب المؤثّر سلبًا على الأدب والثقافة، فهي أسّست ثقافة القراءة المتعجّلة، القصيرة، التي تساهم بشكل خطير على تسطيح الثقافة والعقل، ومن ناحية أخرى، نشأت في ظل هذه المواقع وعلى رأسها الفيس بوك، ظاهرة فطريات الشِّعر والأدب، كون كلٌّ له صفحته، ينشر فيها بلا رقابة ورقيب، وكون وضعنا العربيّ العام ثقافيًا، ليس بأفضل حال، وظاهرة المجاملات المضافة إلى خلل في الذوق العام، نتيجة قلّة الثقافة والإطلاع، أدّت إلى حالةٍ  أدبية مشوّهة، فأصبح كلّ من ينشر كلامًا يسمّيه اعتباطًا شعراً، يجد من يجامله وحتّى من ينافقهُ، لدرجة أنّه يصّدق أنّ ما يكتبهُ شعرًا أو أدبًا هامًّا، مّما يجعل القارئ المعتمد في ثقافته وقراءته، على هذه المواقع، لا يفرّق بين الغثّ والسّمين، مما زاد في حدّة الخلل في الذوق العام، وأعتذر عمّا سأقول، ولكن بصراحة، أنّ هذه الظاهرة تنتاب النساء اللواتي تكتبن تحت مسمّيات الشِّعر أكثر من الرجال، وذلك نتيجة ظاهرة الكبت العاطفي والجنسي الذي يجعل الكثيرين من الرجال، يجاملون النساء، ويسجلّون إعجابهم ويعقبّون لهنّ، على كلّ ما يكتبن، وخاصّة إذا كانت (الكاتبة)، امرأة جميلة، هذه الظواهر، أساءت إلى الكثيرين، وخاصّة النساء، فانتاب البعض مرض الغرور، وهم لا يعون، أنّ الحالة الفيسبوكية، افتراضية بكلّ المقاييس، (فالشهرة)، محدودة، لأنّها لا تتجاوز المتابعين من أصدقاء الأشخاص،  ولكن في هذا العالم الافتراضي، أصبح تجميع الإعجاب والتعقيبات، يوهم بالشهرة والأهميّة، وأخطر ما في الأمر، هو زيادة الخلل في الذوق العام، لانتشار ظاهرة (الكتّاب والشّعراء)، الافتراضيين، في مساحة افتراضية، إلاّ أنها مؤثرة ومنتشرة، وهناك أيضًا ظاهرة مقلقة جدًا، وهي الشهادات والأوسمة والجوائز والدكتوراة الفخرية والسفارات الوهمية، التي انتشرت في  مواقع التواصل الاجتماعي بشكل خاص، فأصبح بين ليلةٍ وضحاها هذا دكتور، وذلك سفير،  وكلّ هذه الألقاب، إمّا وهمية، يمنحها مؤسسات افتراضية لمن هبّ ودبّ، وإما تجارية، ممّا أدى إلى خلق حالة وهمية، تسيء لما هو حقيقي وصحيح. ولكنني أعتقد أن الوقت سيغربل ويقوّم الاعوجاج، وفي نهاية الأمر، لا يصحّ إلاّ الصّحيح.  

محمد شريم : إذا تحدثنا عن وجود سامي مهنا على المستوى الثقافي العربي ـ خارج فلسطين ـ نجد أنه حقق اختراقات ونجاحات لا بأس بها . ما الذي ساعده على تحقيق هذه النجاحات ؟

سامي مهنا : أولاً أنا أشتغل على نفسي، بجديّة تامة وصارمة، وأومن أنّ لا شيء يبقى سوى النتاج الهام، والنتاج الهام، يحتاج إلى الكثير من الثقافة العامّة والمختصّة، لذلك فإنّ الجهد اليومي مطلوب، بل هو إجباري، وأنا بدوري أومن أن الطرق السريعة للشهرة والانتشار، تؤدي إلى اللاشيء، عاجلاً أم أجلاً، وكلّ حالة إعلامية تسبق الحالة الإبداعية عند صاحبها، هي شهرة مؤقّتة، فلا شيء يحرق الأسماء اللامعة دون رصيد كافٍ أكثر من الأضواء، لأنّ الأضواء تؤدي إلى انتباه من لديهم القدرة الحقيقة على التقييم الصحيح، وهذه الفئة لا تنخدع، وبالتالي، فإنّ المتقدّم إعلاميا على إمكاناته الإبداعية سيقع في حفرات التعثّر، لأنّه يحاول الطيران في مجالٍ أعلى من مجاله، وأنا شخصيًا، كنت منذ بداياتي منتبهًا لهذه المعادلة، لذلك لم أسعَ لأي شهرة، تتقدم على إمكاناتي وانجازاتي  الإبداعية والمعرفية،  فلو أردت استغلال عملي في الإعلام الأدبي ومنصبي في رئاسة الإتحاد وعلاقاتي الكثيرة مع الأوساط الأدبية في الوطن العربي الخ.. لوصلت منذ فترة طويلة إلى أماكن ومساحات أكبر على مستوى المشاركات  وبالتالي الانتشار ونوع من الشهرة الأكبر عربيًا وعالميًا، وأقولها وبكل فخر واعتزاز أنني  لم أطلب من أحدٍ يومًا أن يسعى لي بدعوة لمشاركة في أي مكان  ورغم ذلك شاركت، ولم أطلب من أحدٍ يومًا أن يجري معي حواراً إعلاميا، ورغم ذلك أجريت معي عشرات المقابلات الإعلامية، وغيرها وغيرها، كالتلحين والترجمات، الخ.. وهذا يؤكد النظرية، التي سرت على خطاها دومًا، وهي، العمل على التطوّر الإبداعي، وتقديم ما يستحق لفت الانتباه،  والعمل الأدبي والثقافي الذي يخدم شعبنا وقضايانا، هو الأهم،  وبعدها  سيتحقق كلّ ما يتمناه الشاعر والكاتب من انتشار ومكانة وقيمة، ولكن في الوقت المناسب، فهناك عدالة في عالم الأدب والفن والإبداع، وأنا وبكل تواضع قدّمت وضحيّت الكثير، ودوري الأدبي والثقافي في الداخل الفلسطيني بشكل خاص معروف للجميع، وإن أنكر البعض لغايات شخصية، لذلك فلا بأس من بعض النجاحات، وأتمنى أن أكون فعلاً أستحقها.

محمد شريم : هل من الممكن أن يكون أحد الأسباب التي ساعدته على ذلك هو البحث عن (سميح القاسم ) الجديد ؟

سامي مهنا : التفكير دومًا بأنّ الشعر والأدب وأيّ إبداع لا يتوقف عند أسماء محدّدة مهما كانت كبيرة، هو تفكير صحيّ وسليم، وهذا يؤدي دومًا إلى انتظار، شعراءَ وكتّابٍ جدد، يضيفون للمشهد، وإذا كنت من بين المتوقع منهم ذلك، فهذا شرف كبير لي، ويحمّلني مسؤولية عظيمة أيضًا.  

محمد شريم : كيف تشعر وأنت تستمع إلى عدد من الفنانين العرب وهم ينشدون أشعارك في أوبيريت (شمس العروبة)؟   

سامي مهنا : الصّراحة هو شعورٌ جميل، وفيه انجاز ما، يتجاوز الإنجاز الإبداعي، فالأمر ليس مفهومًا ضمنًا في وقتنا الراهن، أن يشارك مطربون وفنانون لهم مكانتهم، ومن جميع الأقطار العربية، بأوبيريت قومي، ينطلق من فلسطين، وكاتبه شاعر من الداخل الفلسطيني التاريخي تحديدًا، وتكون القضية الفلسطينية محورًا هامًا فيه، في مرحلة محاولة تمرير وفرض صفقة القرن، وتصفية القضية الفلسطينية، والتي يتواطأ معها بعض الأنظمة العربية، لذلك، أتمنى أن يُعرض الأوبيريت كاملاً في دولة عربية، بعد أن عُرضَ جزئياً في رام الله، نتيجة منع دخول ملحن العمل الموسيقار صلاح الشرنوبي، ومعظم الفنانين المشاركين في العمل إلى الأراضي الفلسطينية من قبل الاحتلال الإسرائيلي، ولذلك فهو لم يأخذ حقّه إعلاميا حتّى الآن كما يجب، وأشكر بهذا السياق مؤسسة سيدّة الأرض منتجة العمل، ومن ساهم ماديًا بإخراجه إلى حيّز التنفيذ، وملحنه ومخرجه، وكل من شارك فيه من الفنّانين، الذين أتمنى أن ألتقي بهم جميعًا.

وبالنسبة لتلحين، القصائد،  أعتقد أنني من الشّعراء المحظوظين في هذا المضمار، وهنالك أعمال كثيرة، حالية، وقادمة، نقوم بها مع ملحّنين ومطربين، رغم أننّي لست شاعرًا غنائيًا، إلاّ أنه يبدو أن بعض الملحنين يستسيغون أسلوبي، أو لنقل، بعض القصائد القابلة للتلحين، وهذا من حسن حظّي.  

محمد شريم: علام يعمل الآن سامي مهنا في مجال الإبداع ؟

سامي مهنا : كما ذكرتُ في سياق الأسئلة، أعمل الآن على مجموعة قصائد حُبّ، قصيرة، تتنوع بين القصائد العمودية وقصائد التفعيلة وقصائد النثر، وأعمل أيضًا على مجموعة قصائد باللهجة المحكية، بنهج القصيدة المحكية الحديثة، وأعمل على أن يتم أخراج مسرحيتي الشِّعرية الغنائية  “مأساة وضّاح” على خشبة المسرح، وأعمل على إعداد أكثر من كتاب، سأتحدث عنهم في الوقت المناسب.

محمد شريم : هل يمكن لسامي مهنا أن يشركنا معه في التفكير بشأن العمل الثقافي الذي يفكر فيه ولم يشرع بتنفيذه بعد؟ 

سامي مهنا: بعد توحيد الأطر الثقافية في الداخل، كما ذكرتُ سابقًا، أرى أنني، قد قمت بواجبي بقدر استطاعتي، ابتداءً من إعادة تأسيس اتحاد الكتّاب، وتحمل مسؤوليته خلال تسع سنوات، والآن بدأت بالتفكير الجاد، بعدم الاستمرار برئاسة الإتحاد في المرحلة الانتقالية المتفق عليها، أي مدة سنتين، ولديّ مشاريع أخرى، فالحالة الثقافية الفلسطينية على وجه الخصوص، تحتاج إلى العمل المستمر، والواجب يدعو، ونحن نلبّي بعون الله ما نستطيع تقديمه.

 6 - شرق وغرب

محمد شريم : هل من إضافة تريد قولها لقارئك العربي من خلال (شرق وغرب ) شاعرنا المبدع سامي مهنا ؟

سامي مهنا: أودّ مرة أخرى أن أشكرك أخي الشاعر المبدع والإعلامي المتميز الأستاذ محمد شريم، لهذا اللقاء الجاد، وشكرًا لموقع شرق وغرب الهام، وأتمنى أن أكون عند حسن القراء والمتابعين.

محمد شريم : أشكرك لسعة صدرك صديقي الشاعر الكبير سامي مهنا ، متمنياً لك المزيد من النجاحات والإبداع.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.