التكلفة الحقيقية لـ”بريكست” دون اتفاق أو صفقة

هل ستواجه بريطانيا نقصاً حاداً بالفعل في الغذاء والدواء اذا خرجت من الإتحاد الأوروبي دون اتفاق؟

12 مارس 2019آخر تحديث : الثلاثاء 12 مارس 2019 - 12:44 مساءً
التكلفة الحقيقية لـ”بريكست” دون اتفاق أو صفقة
نهاد إسماعيل

ماذا يعني البريكسيت بدون اتفاق أو صفقة؟

من يتخيل رفوف فارغة في محلات السوبرماركت وطوابير من آلاف الشاحنات القادمة من أوروبا خارج الموانيء تنتظر التفتيش قبل مواصلة الرحلة الى المدن البريطانية ومئات الشاحنات البريطانية في طريقها الى اوروبا تتحرك ببطاء شديد كالسلحفاة؟ من يتوقع أن يفقد آلاف المواطنين وظائفهم؟ وماذا عن الصفة القانونية لخمسة ملايين مواطن أوروبي وبريطاني يعيشون ويعملون  في بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي؟  وهل ستستقبل مطارات اوروبا الطائرات والمسافرين البريطانين والعكس؟ اسئلة كثيرة وتعقيدات بيروقراطية متوقعة اذا خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بتاريخ 29 مارس آذار المقبل بدون اتفاق او صفقة ترضي جميع الأطراف.

بقي أقل من 3 اسابيع لانفصال بريطانيا من كتلة الاتحاد الأوروبي. ومعظم المؤشرات تدل ان الخروج سيكون فوضوي وبدون صفقة وهذا ما يتمناه المتشددون في حزب المحافظين الحاكم في بريطانيا من أمثال بوريس جونسون وزير الخارجية الأسبق وجاكوب ريز موغ عضو البرلمان اليميني.

ولكن المعجزات تحدث احيانا وقد يتم التوصل الى اتفاق في الأيام الأخيرة. وهذا المقال يستند على افتراضية بريكسيت بدون اتفاق أو صفقة.

عمليا ماذا سيحدث؟

تنظر الشركات التجارية البريطانية لفرضية عدم التوصل الى اتفاق بمزيد من القلق والاهتمام وأتخذت غالبية الشركات الكبرى خطوات احترازية مثل تخزين ما يمكن تخزينه من مواد غذائية وأدوية وقطع غيار ومكونات تدخل في الصناعات وغيرها من اللوازم.

وحسب موقع بلومبيرغ للمال والأعمال فان أسواق المشتقات والأوراق المالية والمعاملات التي قيمتها ترليونات الدولار ستتأثر بشكل سلبي وستحقق خسائر غير مسبوقة بدون اتفاق وتفاهم بين الأطراف.

ولكن ما يخافه البريطانيون هو عنق الزجاجة في امدادات المواد الغذائية المستوردة وهذا خطر حقيقي يواجه الحكومة. وتتساءل الصحف البريطانية ايضا: ماذا سيحدث لتدفق البيانات المعلوماتية المنتظم  بين المفوضية الأوروبية والحكومة البريطانية في لندن؟  لا شك أن بروكسل تأخذ خطوات لحماية الاتحاد الأوروبي من تبعيات وتداعيات البريكسيت وتنصح الاعضاء في الاتحاد ألأوروبي  بعدم التعاون مع بريطانيا وعدم تسهيل مهمة خروجها من الاتحاد الأوروبي.

ورغم ذلك هناك تعاون مؤقت على الأقل في مجال أسواق المال والبورصات تفاديا لانصهار الأسواق المالية الذي  سيأتي بالضرر الشديد لجميع الأطراف. لا أحد يريد تكرار سيناريو 2008 لذا التعاون المصرفي في مجال التسديدات والتسويات بين البنوك والمؤسسات المالية والمشتقات المالية وصناديق التحوط لن يتوقف كليا لأنه في حالة غياب التعاون سيكون هناك كارثة لا يحمد عقباها. كما تمارس الضغوطات على لندن وبروكسل لمواصلة التعاون بين سلطات الرقابة التي تنظم أعمال وممارسات البنوك وأسواق المال والسندات وهيئات التنظيم والسلوك المالي وبيع وشراء الأسهم بالتنسيق وتبادل المعلومات.

 وعبّر بعض المراقبون عن خوفهم وقلقهم أن جو الارتباك والفوضى الناتج عن البريكسيت بدون اتفاق قد يغري بعض المتعاملين بكسر الأنظمة وارتكاب خروقات غير شرعية في التعاملات لتحقيق مكاسب غير مشروعة مما سيخلق ملابسات قانونية وقضايا في المحاكم وعزوف المستثمرين.

الاستخبارات والأمن

وماذا سيحدث لشبكات تبادل المعلومات الاستخبارية بين بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي؟ هل ستتوقف؟ يعتقد وزير الداخلية البريطانية ساجد جافيد ان البريكسيت يعني ان بريطانيا ستفقد القدرة على الاستفادة من التسهيلات والامكانات الأوروبية في مجال الأمن. وحذرت مصادر الشرطة البريطانية ان التعاون بين اجهزة الأمن الأوروبية والبريطانية سيواجه عراقيل بيروقراطية مما سيعيق تطبيق بنود اتفاقات تقاسم المعلومات الاستخبارية المتعلقة بمراقبة المتطرفين والارهابيين. ناهيك عن تهريب المخدرات وغيرها من المحظورات وكذلك تطبيق بنود اتفاقات تبادل المجرمين والفارين من العدالة.

الأغذية والتخزين

رفعت محلات السوبرماركت وتيرة استيراد الأغذية من الاتحاد الأوروبي في الأسابيع الأخيرة من أجل التخزين وتم استغلال معظم السعة التخزينية للمواد المجمدة والمبردة. ويعتمد قطاع بيع التجزئة البريطاني بشكل كبير على المزودين الأوروبيين للمواد الغذائية من خلال سلاسل الامدادات لوصول الأغذية الطازجة. وتستورد بريطانيا ثلث حاجتها من الغذاء من الاتحاد الأوروبي. ويتركز الخوف والقلق حول الازدحام في ميناء كاليه الفرنسي وميناء دوفر البريطاني وهما أهم معابر بحرية تربط بريطانيا وفرنسا واوروبا. الأمر الذي سيخلق تأخير في حركة الترانزيت وربما تلف المواد الغذائية قبل وصولها للمستهلك بسبب اجراءات التفتيش الجمركية او ما يسمى الحدود الصلبة مع الاتحاد الأوروبي.

الطيران والمطارات

 وحسب الاتفاقات المؤقتة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي التي أبرمت في الأسابيع الأخيرة ستتمكن الطائرات من اوروبا الهبوط في مطارات بريطانيا والعكس دون مشاكل تذكر حتى بعد تاريخ البريكسيت 29 مارس آذار سواء باتفاق أم لا.. وتقوم خطوط الخدمات الجوية البريطانية بتخزين مواد غذائية تكفي لعشرة ايام من الرحلات الجوية لاطعام المسافرين. وكذلك خطوط خدمة قطارات اليوروستار ستواصل عملياتها ولكن تحت أنظمة الاتحاد الأوروبي حتي يتم اعادة وتعديل الاتفاقات المؤقتة لتصبلح اتفاقات دائمة.

الأدوية ومنتجات الدم الطبية

تعمل الحكومة على تخزين كميات من الأدوية واللوازم الطبية لتكفي 18 اسبوع بعد 29 مارس آذار  كخطوة احترازية في حالة انقطاع الامدادات من اوروبا. كما ان الصيدليات تحجز حيزات من سعة الشحن الجوي لنقل الكميات المستوردة في طائرات النقل لحمل المواد الطبية والأدوية لاحضارها الى بريطانيا لسد الثغرات في السوق في حالة تأخير او انقطاع الامدادات من اوروبا.

مصانع السيارات والصناعات الأخرى

مصانع السيارات والآليات وغيرها من المصانع تعتبر البريكسيت كابوس بيروقراطي باهظ التكلفة. وعارضت غالبية الشركات والمصانع مشروع البريكسيت من الأساس.  وتقوم الشركات الآن باستيراد كميات كبيرة من القطع واللوازم وتجميعها في المخازن. شركة “أيرباص” تخزن مواد وقطع تكفي لشهر كامل في بريطانيا والمانيا. وكذلك “رولزرويس” ومصانع السيارات تستورد كميات احتياطية تكفي عدة اسابيع وبعض المصانع تتوقع الاغلاق حتى يتم التوصل الى حلول.

وتتوالى الخسائر

كوارث البريكست لم تتوقف. حيث حسب تقديرات بنك انجلترا (بنك بريطانيا المركزي) بلغت خسارة الاقتصاد البريطاني منذ الاستفتاء للخروج من الاتحاد الأوروبي في حزيران يونيو 2016 حوالي 80 مليار استرليني (104 مليار دولار) أي 2% من اجمال الانتاج البريطانيGDP   أو ما يعادل 800 مليون استرليني اسبوعيا او 40 مليار استرليني سنويا. ورافق ذلك انهيار في معدلات الاستثمارات في بريطانيا حيث استقرت على  صفر سنويا بينما ارتفعت الاستثمارات في الدول الصناعية مجموعة 7 بمعدل 6% سنويا ناهيك عن تدهور قيمة الجنيه الاسترليني الصرفية مقبال الدولار واليورو والعملات الأخرى..

*كاتب متخصص في الشأن الإقتصادي

رابط مختصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.