“برك سليمان” .. ما بين التاريخ والثقافة ومقاومة الاستيطان

9 مارس 2019آخر تحديث : السبت 9 مارس 2019 - 10:50 صباحًا
“برك سليمان” .. ما بين التاريخ والثقافة ومقاومة الاستيطان

محمد شريم

لعل أول ما يستقبل القادم إلى بيت لحم من مدينة الخليل، على المدخل الجنوبي الغربي لمركز المحافظة، هو ذلك الوادي الجميل الذي يفتح ذراعيه  للقادمين بخضرته الباسمة التي تتخللها آيات من الإبداع الحضاري، تركها الأجداد للأحفاد على مدى القرون، والمتمثلة بشكل رئيس في “برك سليمان” وما يحيط بها من معالم المكان.

ولم يكن من الغريب أن يستقبل ذلك الموقع الساحر الزائرين والمتنزهين من أبناء المحافظة وغيرهم على مدار السنين، وكم أسرت تلك البرك غير المعدة للسباحة قلوب هواة تلك الرياضة الممتعة! فكان مثل الكثيرين منهم كمثل الفراشة التي يجذبها ألق نور المصباح، فيقضي عليها بشغفها به!

كنوز المكان الأثرية والتراثية

لا يفوت السائح اللبيب عندما تطأ قدماه أرض بيت لحم مفتشاً عن معالمها التاريخية والحضارية أن يتجه نحو الغرب قليلاً لمسافة لا تزيد عن أربعة كيلو مترات من كنيسة المهد ليجد في وادي “الجنة المقفلة” مبتغاه، وذلك ما يتمثل في برك سليمان وقلعة مراد.

برك سليمان: هي ثلاث برك ضخمة متجاورة، من الغرب إلى الشرق، مع انحدار الوادي، “تتسع لحوالي (180,000) متر مكعب من المياه تكفي لحل مشكلة المياه في محافظة بيت لحم لمدة شهرين”، كما ذكر د. جاد إسحق مدير معهد الأبحاث التطبيقية (أريج) لـ”منصة الاستقلال الثقافية”، وقد حُفرت البرك في الصخر الصلب، وتم إنشاء هذه البرك لتجميع مياه الأمطار قبل نقها إلى بيت لحم والقدس، عبر قناتين بنيتا في زمانين مختلفين تسميان: القناة العليا، والقناة السفلى.

وهنالك أكثر من رواية تتعلق بتاريخ هذه البرك ومراحل بنائها وسبب تسميتها، فمنهم من ينسبها إلى السلطان العثماني سليمان القانوني، كما يقول الباحث نصري حزبون في كتابه “تاريخ وتراث بيت لحم”، بينما يرى المؤرخ لتاريخ بيت لحم ومحيطها اخليل شوكة، أن ما عمله السلطان سليمان القانوني هو أنه “أعاد إحياء وترميم وحفر ومد قنوات البرك وتنظيفها .. وأصدر وقفية شهيرة بهذا الخصوص”.

ومن الباحثين من يميل إلى أن “برك سليمان ارتبط اسمها بالملك سليمان (950ق.م)”، وهو ما أفادنا به الباحث د. قسطندي شوملي الذي أشار أيضاً إلى أن صاحب “الأنس الجليل” ذكر تسمية أخرى للبرك وهي “المراجيع”، وترتبط هذه التسمية بحادثة النبي يوسف مع إخوته.

ومع ذلك يقول شوكة: “يبقى العلم نسبياً، وأقول لو أن علماء الإسرائيليين لديهم القناعة المطلقة بأن هذه البرك بناها الملك سليمان حقاً لاستحوذوا عليها ولملأوا الدنيا صخباً بهذا الخصوص”، ويتفق كل من د. شوملي وشوكة على أن البركة الثالثة، وهي السفلى، بنيت من قبل المماليك.

قلعة مراد

وقلعة مراد هي المعلم الأثري الرابض على مقربة من البركة العليا، وما زالت تتحدى القرون بشموخها، ولم تنل من صمودها نوائب الزمان.

سميت القلعة بهذا الاسم نسبة إلى السلطان العثماني مراد الرابع الذي حكم في القرن السابع عشر الميلادي، غير أن د. قسطندي شوملي يقول :”إن الكتابات التي وجدت أعلى بوابة القلعة تنص على أنها بنيت في عهد السلطان عثمان الثاني سنة 1618″. وقد بنيت القلعة لحماية “برك سليمان” وقنواتها من العابثين، ولحماية الطريق الواصل بين بيت لحم والقدس.

والقلعة تحتوي على غرف لمبيت الجنود، ومسجد للصلاة، وأربعة أبراج على زواياها الأربع. ويوجد إلى جانب القلعة من الجهة الجنوبية نبع ماء صغير يسمى “راس العين”.

مشروع طموح

الرئيس الشهيد ياسر عرفات، كان، طلب من ابنَي مدينة صفد الراحلين حسيب الصباغ وسعيد خوري أن يُبادرا إلى تنفيذ مشروع لتطوير هذه المنطقة، أي منطقة “برك سليمان”، التي تبلغ مساحتها 245 دونماً، وأن يبدأ تنفيذ هذا المشروع من خلال بناء “قصر المؤتمرات”، وإلى جانب بناء هذا القصر أن يتم تأسيس منتجع برك سليمان السياحي، وذلك بهدف العمل على استغلال هذا الكنز الطبيعي والحضاري في المجال الثقافي، فبدأ العمل على الأرض في العام 1998 وذلك تجهيزاً للألفية الثانية (بيت لحم 2000)، ولكن الانتفاضة الثانية التي اشتعلت في العام 2000 قد أثرت على استمرارية العمل في المشروع، لا بل أعادته إلى الوراء بسبب القصف الذي تعرض له ما تم من أعمال البناء، وبقي المشروع متوقفاً حتى العام 2005.

وفي هذا الشأن صرح المهندس جورج باسوس، المدير العام لقصر المؤتمرات، ونائب رئيس مجلس إدارة “ضاحية برك سليمان” وهي التسمية الجديدة للموقع قائلاً: في العام 2005 أصرّت شركة اتحاد المقاولين (CCC) على توصيل رسالة بأهمية دور الفلسطيني المغترب في بناء الوطن، وعليه فقد قامت الشركة بإعادة بناء وترميم القصر والبرك والمركز الحرفي وقلعة مراد.

وعن أهداف المشروع، أضاف باسوس لـ”منصة الاستقلال الثقافية”، قائلاً: “أهداف المشروع تتمثل في الأعمدة التي يقوم عليها، وهي أربعة أعمدة، المتاحف كالمتحف الوطني في قلعة مراد، والمتحف الطبيعي للأطفال والعائلات في المنطقة، صناعة المؤتمرات والمعارض، ولهذا تم تأسيس قصر المؤتمرات، وحماية وتطوير الموروث الثقافي والطبيعي ومصادر المياه في المنطقة، وذلك من خلال إحياء البرك وكافة العناصر التاريخية في هذا المكان، علاوة على العمل الثقافي، وفي إطار ذلك جاء تأسيس مدينة الموسيقى (فيلهارمونية فلسطين) التي تعنى بالموسيقى والمسرح والفنون، وذلك لجهة ما  يعرف بالسياحة الثقافية وسياحة المؤتمرات.

قصر المؤتمرات

عندما بدأ العمل في بناء “قصر المؤتمرات”، كان يدور في خلد الرئيس الشهيد ياسر عرفات أن تستضيف فلسطين فيه “مؤتمر دافوس الاقتصادي”، ولكن لم يتم ذلك، لكن الإصرار على إتمام هذا المشروع بقي قائماً، ولذلك بدأ العمل جزئياً في القصر وافتتح أبوابه للمرة الأولى العام 2008، وبعد سنتين، أي في العام 2010 افتتح قصر المؤتمرات رسمياً، وهو يقوم بدوره كحاضنة للكثير من المؤتمرات واللقاءت والفعاليات السياسية والثقافية والفنية في المحافظة.

متحف القلعة

قبل سنوات، وقبل العمل على تنفيذ مشروع “برك سليمان”، كان الزائر لقلعة مراد يشعر بالشفقة تجاه هذا المكان، فقد كان مهملاً على نطاق واسع، ولكن الزائر للمكان اليوم، يلمس الفرق الواسع في هيئة المكان بين ماضيه وحاضره، حيث تم تنظيفه وترميمه وتجهيز قسم واسع منه، ليكون حاضنة لمتحف حضاري تراثي شامل يسمى “متحف قلعة مراد”، ويشتمل هذا المتحف على الكثير من المقتنيات التراثية التي تمثل جوانب الحياة المختلفة في المجتمع الفلسطيني قديماً، وهي في الأصل كانت ملكاً شخصياً لمدير المتحف إسحق الحروب “حتى تاريخ 15/10/2018، حيث تم تمليكها لشركة برك سليمان” كما يقول الحروب.

وتتضمن هذه المقتنيات أدوات المهن، كالحدادة والنجارة والحلاقة وغيرها، كما تتضمن ما يشير إلى حياة القرية والبادية والحضر، ومنها المطرزات والحلي والملابس والفرش والأدوات المنزلية والآلات الزراعية، ولا يخلو هذا المتحف من بعض المخطوطات القديمة المكتوبة بخط اليد والمطبوعات القيمة، كنسخة من القرآن الكريم ، طبعت بخط دقيق جداً على صفحة واحدة.    

ويقول الحروب إن “المتحف يستقبل الكثير من الزوار والسياح والطلبة من جميع أنحاء فلسطين، وبضمنهم إخواننا في مناطق العام 1948 برسوم دخول رمزية ترصد لتغطية جزء من تكاليف التشغيل”.

واتفق كل من المدير العام لقصر المؤتمرات المهندس باسوس ومدير المتحف الحروب على أن موجودات المتحف التي تزيد عن 2500 قطعة تحتاج إلى المزيد من الاهتمام، وهذا ضمن الخطة الموضوعة للعناية بهذا المتحف وتطويره، وذلك يشمل أعمال التسجيل والترميم والتخزين والأرشفة والعرض المتحفي المناسب للحفاظ على سلامة القطع.

المشاريع المستقبلية

وكشف باسوس عن المشاريع المستقبلية التي يجري العمل على تنفيذها في هذه المرحلة، ومن بينها “العمل خلال العامين 2019 و2020 على إنشاء مسار سياحي يلتف حول البرك الثلاث، بدءاً من البركة السفلى ليشكل منطقة عازلة لحماية البرك من التعديات، وكذلك عمل حديقة تاريخية، كما أنه سيتم إنشاء طريق سياحي يستطيع السائح من خلاله الإلمام بكافة المعلومات المتعلقة بتاريخ البرك ومصادر مياهها ومسارات المياه وقنواتها، ابتداء من منطقة العروب جنوباً إلى البلدة القديمة في القدس”.

وتحدث باسوس وهو أيضاً، إلى جانب دوره الإداري، المهندس الرئيس للمشروع، ومجال اختصاصه الترميم، عن أعمال الترميم التي تجري حالياً في البركة السفلى، التي بدأت من شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2017، مؤكداً أنها تسير وفق ما هو مخطط له، حبث تم ترميم المواضع الآيلة للسقوط.

الاكتشافات الأثرية الجديدة

كما تحدث باسوس لـ “منصة الاستقلال الثقافية” عن استمرارية العمل، بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة، في موقع الاكتشافات الجديدة جنوب البركة السفلى، تلك الاكتشافات التي تم العثور عليها أثناء ترميم البركة، بما تتضمنه هذه الاكتشافات التي تظهر لأول مرة منذ مئات السنين، من أيام العثمانيين، حيث كشف أنها تشتمل على أنفاق وغرف وعيون مياه وقنوات تعود بالتاريخ إلى أكثر من ألفي عام.. الموقع مغلق الآن أمام الزائرين بسبب العمل، ولكن سُمح لنا بدخوله بإذن خاص.

الاهتمام الحكومي

عندما طُرحت فكرة تطوير “برك سليمان” في عهد الرئيس ياسر عرفات، كان بين الأهداف المتوخاة هو أن يكون هذا المشروع “أول شكل للتعاون بين القطاع العام والقطاع الخاص”، وهذا ما تجسد لاحقاً من خلال الاهتمام الحكومي بهذا المشروع، عبر العديد من الوزارات والمؤسسات الحكومية بشكل عام، وبينها وزارة الثقافة.

يقول زهير طميزة، مدير مكتب وزارة الثقافة في بيت لحم بها الصدد: بيننا وبين شركة تطوير برك سليمان تعاون وشراكة استراتيجية، فوزارة الثقافة تعتمد منطقة البرك وقصر المؤتمرات كمحطة رسمية وأساسية لزيارة الوفود الثقافية التي تستقدمها الوزارة، كما اعتمدنا قصر المؤتمرات في عدد من الفعاليات التي نظمتها الوزارة، ومنها المؤتمر التحضيري لبيت لحم عاصمة الثقافة العربية الذي عقد في 4/11/2016.

وبهذا الخصوص فقد اطلعت “منصة الاستقلال الثقافية ” على صورة الكتاب الصادر بتاريخ 31/10/2017 عن مجلس الوزراء، الذي يتضمن “المصادقة على التقرير النهائي للجنة دراسة احتياجات منطقة برك سليمان في بيت لحم”، ويتضمن أيضاً، الموافقة على توصية وزارة الثقافة بأن “يتم اعتماد مدينة الثقافات والحضارات الفلسطينية في منطقة برك سليمان، وأن يكون قصر المؤتمرات المقر المعتمد لكافة الأنشطة والفعاليات الرئيسة لمدينة بيت لحم 2020″، وكذلك”الترويج الجيّد للمنطقة وإبراز أهمية قلعة مراد والمتحف”.  

خطر الاستيطان

وتتعرض منطقة برك سليمان كأي مكان من أرض فلسطين إلى خطر داهم ودائم، وهو خطر الاستيطان، وما يزيد من الخطر على هذه المنطقة التي لا تبرحها عيون الاستيطان عاملان: الأول تلك العلاقة التاريخية التي يحاول المستوطنون إيجادها بين المحتل والمكان، وأما العامل الثاني فهو التجمع الاستيطاني القائم على مقربة من منطقة البرك، “حيث لا يبعد أقرب بناء استيطاني عن برك سليمان أكثر من 500 متر من جهة الجنوب في البؤرة الاستيطانية (جفعات هاداجان)، كما يقول المهندس عيسى زبون مدير دائرة نظم المعلومات الجغرافية في معهد الأبحاث التطبيقية ( أريج).

وأعد معهد “أريج” خريطة لصالح “منصة الاستقلال الثقافية” يتضح منها أن فضاء التجمع الاستيطاني المذكور يبتعد عن البركة السفلى 300 متر فقط، في حين يبتعد مسار جدار الفصل عن البركة العليا 500 متر فقط.

والمتتبع لأخبار هذه المنطقة لا يجد أن الاعتدءات الاحتلالية عليها تتمثل في قصفها المتعمد في الانتفاضة الأولى وما لحق بالأبنية من دمار، أو جراء الخريطة التي أشرنا إليها، فقط، بل يلحظ ذلك جلياً من خلال اقتحامات المستوطنين المتكررة، كما ورد في التقرير الصادر عن “مركز عبد الله الحوراني للدراسات والتوثيق” الذي يرصد اعتداءات المستوطنين في الضفة خلال العام 2018، وهي الاقتحامات التي تعتبر مصدر قلق لسكان المنطقة بشكل عام وللقائمين على مشروع تطوير برك سليمان بشكل خاص.

وبهذا الخصوص، فإن د. جاد اسحق يقول بمرارة: أستغرب عدم تسجيل هذه المنطقة في اليونسكو حتى نحميها بها التسجيل، فالشروط تنطبق عليها، لأنها، ولا شك في هذا، تراث عالمي”. 

المصدرمنصة الاستقلال الثقافية
رابط مختصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.