قراءة في “دم على الجدار” للقاص”محمد جلال عناية”

2019-03-09T10:39:09+00:00
2019-03-09T10:39:12+00:00
ثقافة وفنون
9 مارس 2019
قراءة في “دم على الجدار” للقاص”محمد جلال عناية”
غريب عسقلاني.

*غريب عسقلاني: أديب وناقد فلسطيني.

ينتمي القاص محمد جلال عناية إلى جيل رواد القصة القصيرة لمرحلة ما بعد النكبة, حيث تدور قصص مجموعته الأولى “دم على الجدار” الصادرة  عن دار أخبار فلسطين في العام  1965, والتي تضم 13 قصة قصيرة  تدور أحداثها حول حياة ومعاناة الفلسطينيين خلال الصراع الفلسطيني الصهيوني قبل النكبة, وتمتد إلى سنوات التشرد داخل الوطن وخارجه.

تشير القصص لكاتب مؤرق مزحوم بالأسئلة والبحث عن أجوبة, بفتح فضاءً للاشتباك مع النتائج, ولا يغض النظر عن الأسباب والمقدمات، حيث خذلان الوعي وعدم التكافؤ, شأنه شأن فرسان القصة القصيرة الفلسطينية في خمسينيات القرن المنصرم الذين تخضرموا بين النكبة والنكسة, أمثال إميل حبيبي ونجاتي صدقي ومحمود سيف الدين الإيراني وسميرة عزام وغسان كنفاني ونواف أبو الهيجاء, الذين تجاوزوا البكائيات الرومانسية إلى الواقعية الجارحة التي تعيد تقييم الأسباب وتناقش النتائج.

فنراه في قصة الموقف يرصد نجدة هبوب ثوار حمامة وبيت دراس والمجدل عند الفجر للدفاع عن قرية خسة الصغيرة الوادعة، وكبدوا الأعداء خسائر كبيرة, فتفاجئهم حامية يهودية امتطت أسطح المنازل وكمنت فيها, فانسحبت قوات النجدة, وأوكلت مهمة القضاء على الكمين اليهودي لمجموعة حسين أبو شقرا الذي قاوم ولم يتبقَ معه غير ثلاث رصاصات, بينما صاحب الخوذة الحديدية يصرخ عليه:” حسين سلم نفسك لتنجو” ويمطر المكان رصاصا, فسكت محمد عيسى لنفاذ الرصاص فظنوه استشهد, بينما كمن حسين في خندق ضحل هو عبارة عن مسرب لماء المطر يتجه نحو الأرض المزروعة, أشار حسين للقط ليقذف القنبلة الحارقة، لكن ذو الخوذة أرداه قتيلا, فأخذ حسين القنبلة وألقاها, واحترقت “خسة”..

 وفي قصة الطاعون: نجد صابر المسالم, الذي لا هو بالغني ولا الفقير, تزوج من سرية بنت مجبّر الدواب في القرية, كل رأس ماله ثمانية دونمات من الأرض وولد بنت وبقرة وحمار وعنزة, يبيع البقرة والحمار وقلادة سرية, ويشتري بندقية من مخلفات حملة إبراهيم باشا, تطلق طلقة.. طلقة ومعها خمس رصاصات, لينضم مع صديقه محمد أبو نار إلى مركز الاستطلاع لتنبيه الثوار الذين يكمنون في أطراف القرية, حيث كان صابر يتمنى مواجهة اليهود.. فجأة يدوي صوت انفجار وتشتعل القرية ناراً ويعلو صراخ النساء والأطفال, وتحاصر المصفحات القرية..

اتجه أبو نار إلى القرية, وأطلق صابر طلقة تم طلقة, ولم يعد في المكان خندق ولا شجرة تين, وكأننا أمام لوحة سريالية لبطولة مستحيلة!

وفي قصة نهر الغضب: عن آمنة التي ولدت بساق أطول من ساق, تمشي على عرج, وعرفت في القرية بالعرجاء النشيطة, تزوجت من إسماعيل الذي لقبته القرية بالشيخ لبلاهته, وبينما كانت تجمع ثمار النارنج التالفة عن الأرض لتشعل الطابون للخبيز والطبيخ, اتهمها حاييم بسرقة الثمار من مزرعته, فألقت بالثمار على الأرض وأضمرت الانتقام منه بحرق موتور المزرعة ليلا, لأنه ينام في المستوطنة المحاذية للبيارة..

تمضي الأيام وتحدث النكبة وتنزح آمنة بسبب الحرب إلى مخيم الشاطئ .. وتمر الأيام وتحتل إسرائيل قطاع غزة في العدوان الثلاثي1956.. وذات يوم أوقفتها سيارة عسكرية فيما كانت تحمل فرش الخبز وهبط منها ضابط وأسقط الفرش عن رأسها, وسألها عن اسمها واسم قريتها, واعتقلها وانطلق بها, حتى وصل القرية المحتلة وأطلق عليها النار وعلق رأسها على باب بيارته, ليفاجئ سكان مستوطنة ” رامات راحيل”.

أما قصة كتيبة الصغار: الفتيان يحضرون مادة البارود القابلة للاشتعال, بعد أن أخذوا عن معلم خواص البارود, وكان هدفهم تسخير العلم في الشهادة أو النصر وكلاهما فوز, فكمنوا في الوادي ينتظرون مرور الدبابات في الساعة الثانية بعد منتصف الليل..

كمن أحمد أسفل الجسر, وأشعل الفتيل فدوى الانفجار وانهار عليه المكان ولفظ آخر أنفاسه, وفي صباح اليوم التالي اصطف تلاميذ المدرسة خلف نعش الشهيد ورافقوه في رحلته الأخيرة.

أما في قصة دم على الجدار: تتذكر الجدة حكايات إخوتها الكبار عن الحرب أيام الحكم التركي, عن جوع مرض وعدم استحمام لشهور, عن قمل وطفح جلدي, كما تتذكر مفاتيح الدور خوفا من الحرامي,.. بينما الجار أبو شاكر يحث الناس على الاختباء, والخالة تندب حظها على أولادها الذين لم يعودوا من المدرسة..

الأزيز والدم والمدافع. تقصف القرية والغبار والركام يحجب الرؤية, وأبو شاكر يحمل عفشه على عربة كارو يجرها حمار, ويلقي نظرة أخيرة على بقعة الجير على الجدار المقابل لبيته, يسمع تحتها نشيج شاكر الذي راح ضحية قنبلة مزقته وبقيت آثار الطلاء ظاهرة على الجدار الداكن.

وهنا يلقي الكاتب الضوء على مفارقات الوعي في مجتمع زراعي تقليدي قدري تضرب الأمية أطنابها فيه, ويأخذ بالرضوخ القدري باللجوء, ورد القدرات الخارقة للبهاليل والمشعوذين وأشباه المتدينين, والرضوخ  للنخب في القرية التي لها سطوة وقوة القانون لذلك تجنب ولا يخص قرية بعينها..

ففي قصة الضوء والجنادب. فنرى بئر الماء وتوارد الصبايا وغزل العشاق, واختيار الزوجات في حدود المسموح والمتاح , ونرى الشيخ فتوح صاحب الكتاب الذي يعلم الأولاد ويفرض نفسه إماما للجامع ويرتدي القفطان الأزهري وهو الذي لم يطأ يوما أرض مصر زائرا ولا طالب علم, لكنه يحظى باحترام ورعاية مختار القرية الأمي, فهو من علم المختار نقش توقيعه على الأوراق التي يطبع ختمه عليها, ولكن ما ينغص على فتوح  المأذون الشرعي الذي يأتي لماما لعقد قران, حيث يفقد الشيخ فتوح مركزه, ويقع تحت سطوة ومغالاة المأذون في إذلاله بطرح الأسئلة الصعبة في الفقه والتفسير واللغة..

وفي القرية تبرز مكانة الحاج عبد الله مسعود الذي أدى فريضة الحج فكسب ثقة الناس, وبمناسبة العيد يحضر مستلزمات العيد من حلويات والألعاب ويصف الراوي  موكب الحاج منذ هبط من السيارة وحمل بضاعته على ظهر الشيخ رضوان الأبله القدري, فيما حمل هو صندوق المكسرات والسساكر وكيس حلويات العيد..

تجمهر الصبية حولهما, ورجم أحد الصبية رضوان حجرا فسال الدم من رقبته حتى وصل لحيته, وتبعثر الحمل على الأرض وتناثرت الحلويات على الأرض ورضوان لا يعي ما يدور حوله, فتصادف مرور موسى أبو شنب الذي يرى أن الله يرزق القرية كرامة للشيخ رضوان..

وعندما عاد موسى أبو شنب من مجلس المختار إلى بيته فوجئ بالشيخ رضوان يجثم على زوجنه زهدية وقد أطبق على عنقها فاستل خنجره وأغمده بين كتفه, حيث لم يتناول رضوان طعام العشاء من زهدية كعادته ولم يتركها رغم توسلاتها حتى لا تلحق الفضيحة بأبي شنب وتهز مكانته في القرية..

فهل في ذلك محاولة استقصاء الراوي لنفسية محروم تمرد على محيط لا يأبه بآدميته, أم هو استقصاء الموروث المترسب بتناقضاته في الوجدان الشعبي, والتي يكمن خلف الخسارة الجمعية!

المخيم طارئ وخزان معاناة:

المخيم في الوطن وجع مؤقت يجب التخلص منه, والمخيم خارج الوطن ضيف معلق على مشجب التأجيل, والمخيم في جميع الحالات شاهد إدانة على  الجريمة, هذا ما ينبه له محمد جلال عناية بالغوص الشاقولي للحالة الفلسطينية للوصول حتى نخاع المأساة, فنراه يرصد في قصة, يا عم: طفلا فقيرا من المخيم, يحظى بنصف قرش ليحشو رغيفه بقرصين فلافل من البائع عن باب المدرسة, فينطلق مبكراً برغم البرد وسيلان المخاط النازف من منخريه إلى طريق المدرسة يزاحم التلاميذ ويعطي نصف القرش لبائع  الفلافل المشغول وسط الزحام من حوله وجمهرة الأطفال المشاكسين الذي لا يشترون.. يدرك الطفل موعد المدرسة فيفكر بالعقاب عن  التأخير, ويطلب استرداد نصف القرش, فينكر البائع أنه أخذ منه وسط الزحمة, فيمضي مخذولاً كسيراً ينظر للطلاب يقضمون الخبز والفلافل من حوله بينما هو فيفكر بالعقاب الواقع عليه لا محالة..

فهل في هدر الطفولة ما يظهر حجم الفاقة والشقاء التي عانى منها اللاجئون في المخيمات.. ولكنه في قصة أم سالم: صورة المرأة التي تستمد قوتها من بساطتها وعزيمتها من إيمانها كأم سالم الفلاحة من قرية “بيت عفا“, التي تجيد أعمال الزرع والحرث ونقل الماء والطعام للحصادين, تشارك عائلة الراوي في خيمة واحدة, يفصل بينهما حصير قديم من هبات وكالة الغوث.. يضيء الخيمة فانوس واحد تتبادل العائلتان تزويده بالكيروسين, حتى انتقلت عائلة أم سالم بعد عامين إلى بيت من غرفة واحدة في مخيم جباليا, وانتقلت عائلة الراوي إلى بيت في مخيم الشاطئ يطل على البحر, وقد واظب الراوي على زيارة أم سالم للاطمئنان عليها والوقوف على أحوالها..

وفي يوم بثته مخاوفها من رسوب حسن لصداقته لابن أحمد إبراهيم الذي رسب أربع مرات في التوجيهي وأطلق سوالفه, وركب سنا ذهبية ويشرب السجائر, فيطيب خاطرها ويبدد مخاوفها ويودعها بسلام, وكأنه يشير إلى تعليق الآمال على الأولاد لانتشال أسرهم من لجة الفقر المدقع..

أما صاحب المقهى في قصة المطر, نرى جابر دائم التأفف من الرجال العاطلين الذين يعتمدون على حصص التموين التي يصرفها مركز الإعاشة, فيناقش مع الراوي هموم الناس ويربط حياتهم بالأوضاع السياسية, فالعلاقة بين الراوي وجابر, منذ كان الراوي طالبا وكأن المقهى عريشة خيش, واستمرت العلاقة حتى أصبح الطالب رجلا, وبنى جابر المقهى وحصل على رخصة من البلدية, وبقي المقهى على نشاطه رغم انقطاع العاملين في بلاد النفط عنه إلى الكازينوهات التي انتشرت على الشاطئ مكتفياً بالغمز عليهم” ابن النعمة لا يغير طبعه وإن غير ملابسه”, وفي يوم تصادم جابر مع رجل سمين وخرج عن طوره, وعندما أخبروه أن الرجل صاحب مواقف مشرفة في إضراب الستة أشهر عام 1936, فض الاشتباك واعتذر..

انشغل الراوي عن صديقه جابر حوالي ستة أشهر وعندما ذهب إلى المقهى, رأى جابر ينظر للبحر الهائج  صامتا على غير عادته, سأله عن أحواله رد جابر:

– البحر لا يعجبني.. يهدر ويزبد ويظل مكانه

– وما الذي يعجبك؟

– المطر يتجمع قطرة ويصبح سيلاً ثم نهرا يصل إلى حيث يريد, إشارة إلى التمرد على حال الركون وانتظار الحل, وكأنه ينادي بعمل منظم يصل إلى أهدافه وكأني به يرهص بالثورة..؟

وفي قصة أوتاد في الرمال: لم تزر فضيلة وأولادها هذا الأسبوع زوجها أبو ماضي نزيل مستشفى الأمراض الصدرية شرق البريج منذ عامين.. حاصرته الهواجس لغياب الأسرة, فزوجته تبيع جزأ من حصة التموين لتوفير الموصلات من مخيم الشاطئ إلى البريج, فيطمئنه أبو سيف الممرض ويعزز صموده على المرض, وبعد أيام يفاجئه بوقوف زوجته وأولاده خلف الأسلاك  المحيطة بالمستشفى, وتخبره فضيلة أنها نقلت خيمتها من مخيم الشاطئ إلى مخيم البريج, ونقلت بطاقة التموين أيضا حتى تكون قريبة منه, وما أفرحه أبا ماضي أن أوتاد الخيمة في الشاطئ مدفونة في الرمال لا تصمد أمام الريح, مثل أوتاد خيمة البريج المدفونة في الطين, وكأني به يرهص بما راود غسان كنفاني في قصة ” خيمة عن خيمة تفرق”

وقضايا أخرى:

 قضايا شغلت الكاتب وتناولها الراوي بعض القضايا بشفافية, ففي قصة ليست مشكلة: التي تصور جوانب من حياة المغتربين في بلاد النفط, وعمل البنات في التعليم أو التمريض, وإقامتهن في بيوت المغتربات, يعشن الوظيفة ولا يندمجن مع الحياة من حولهن, إضافة  إلى طمع وتدخل الأهل لفصل نقودهن عن دخل أزواجهن تحوطا من غدر الزمان, الأمر الذي يربك العلاقة بين الزوجين, كما في علاقة نوال التي تحلم بحياة سعيدة مع زوجها المهندس عصام الذي يعمل مثلها في الكويت فتعرف عليها وخطبها, لكن لأمها سطوتها وسلطتها بتحويل دخلها على اسم أبيها الموسر أصلا, ما أفسد عليها فرحتها, لكن الراوي يقترح صدفة هي استدعاء عصام للعمل وتأجيل العرس, ليتم العرس خارج البلد, وترقية عصام إلى منصب كبير المهندسين بالشركة, فإذا كانت الصدف حلا, فإنها تركت سلبيات التقاليد بضحاياها مطروحة  للنقاش..

في قصة الشاحنة الصغيرة, راسم ابن قرية سيلة الظهر الحاصل على الثانوية العامة يبحث عن وظيفة, وبينما هو يتجول في سوق مدينة الكويت يلفت نظره عروض الساعات في الفاترينات, ودقاتها الساعات وكأنها تشير إلى أهمية الوقت وسط الزحام وتزاحم خليط الناس, بين عامل ومتسوق ومتفرج ومقتحم الزحام إلى هدف آخر, ولكن شد نظره العربات الصغيرة ذات العجلات الثلاث التي يسوقها عتال عصري, فيتذكر دراجة ابن الدكتور, الذي حاول ركوبها، فعنفه الدكتور وقرص أذنه وكأنه ارتكب جرما..

 رجع راسم إلى الغرفة التي يقيم فيها مع ابن عمه ماجد وأخذ قراراً بامتلاك شاحنة بثلاث عجلات ليعمل عليها, فشجعه ابن عمه بدفع قسط الشاحنة 50 دينارا وقال له: بعد عدة أشهر تكبر الشاحنة وتجلب عليها إلى الكويت موز أريحا وعنب الخليل.

أما قصة أكذوبتان: فتدور حول الإجابة على أسئلة الصغار حول الموت والحياة, والإنجاب, وعدم إدراكهم الذكاء الفطري للطفل واختزانه حكايات تبدو بسيطة, مثل وجود نقود لدى جدته التي تحبه وستشتري له دراجة فيسأل: متى تموت الجدة حتى يشتري بنقودها دراجة, بينما الجدة تقص علية حكاية طفل نصحه أهله بعدم ركوب الدراجة في شارع يضج بالسيارات حتى لا تصدمه سيارة وتكسر رجله, وهكذا تتناسل الأسئلة, ما يشير إلى وجوب معرفة سيكولوجية الطفل للتعامل معه تربويا.

حول السرد وبنية القصص:

يبدو للوهلة الأولى يبدو أن الراوي العليم يهيمن على أجواء القصص مكانا وزماناً وحركة وأفعال لتبليغ رسالة مضمون القصة, ولكن عند التدقيق في الأمر, نجد أن الراوي/الكاتب يتمكن من إقناع شريكه القارئ بقدرته على تحريك الشخوص من داخلها بقيمها ضمن إشاراته لكافة الاحتمالات بما يترك مجالاً لانتصار الاحتمال الذي يوائم خبرات ووعي القارئ, وهذا ما يميز كاتبنا عن الواقعيين المحايدين أو حتى الواقعيين الرومانسيين الذين يزيدون من جرعات الدهشة أو الحزن المأساوي, لذلك تنضج القصة بأرق كاتبها وتفسير فواجع شخصياتها من خلال الاشتباك مع الحياة وهو المعبأ بالصمود, المفتقر لأسلحة المواجهة العسكرية والمعرفية والثقافية, ومن هنا تخلصت القصص من الصراخ الذي رافق الخطاب القصصي عند الكثيرين الذين تغنوا بماضٍ سعيد قبل النكبة, وفجعوا بحاضر شديد السواد كثير الصراخ في الخطاب السياسي, وهذا ما جعل الكاتب يتخذ من تقنيات التخاطر, والتداعي الحر, والمونولوج الداخلي والمناجاة والمفارقة عوامل تخصيب وتكثيف لمضامين  القصص, ما يدل على كاتب يؤرقه الفن بقدر ما يؤرقه الفكر والواقع السياسي, وهذا يضع قصص مجموعته اليتيمة التي رصدت مساحة زمنية غطت سنوات ما قبل النكبة, وامتدت إلى ما قبل بدايات تنظيمات العمل الفلسطيني المسلح, باستثناء مجموعات الضابط المصري مصطفى حافظ التي توقف عملها الفعلي بعد عودة الإدارة المصرية إلى القطاع, والسؤال هنا: هل أقلع كاتبنا عن كتابة القصص, أم واصل الكتابة ونشر قصصا أخرى لم تصدر في كتب, لاسيما وأنه عاش في الكويت التي توفرت فيها المنابر الثقافية والصحافية, وغادرها إلى أمريكا بعد حرب الخليج, حيث واصل الكتابة وأصدر كتباً في الشؤون الفكرية والسياسية..

هل خسرت الساحة الفلسطينية رائداً قصصيا, وربحت كاتبا سياسيا, ويبقى السؤال مطروحا أمام الموثقين والمؤرخين لتطور الأدب السردي الفلسطيني..

—-

* محمد جلال عناية كاتب فلسطيني من مواليد مدينة المجدل عسقلان, هاجر وأسرته إلى مدينة غزة, وعمل منذ منتصف الخمسينيات في دولة الكويت, ونشر قصصه في الصحافة الكويتية والعربية, ثم هاجر إلى أمريكا بعد احتلال العراق للكويت, وعمل في الكتابة السياسية الفكرية.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.