بين الفكر والفن:قراءة في”عزف على وتر حزين” لغريب عسقلاني

6 مارس 2019آخر تحديث : الأربعاء 6 مارس 2019 - 7:20 مساءً
بين الفكر والفن:قراءة في”عزف على وتر حزين” لغريب عسقلاني
شريف محيي الدين

*شريف محيي الدين: قاص ومسرحي مصري.

غريب عسقلانى كاتب فلسطيني معجون بالأدب والسياسة والفن، يمتلك رصيداً هائلاً من التجربة الحياتية المشبعة بآلام القهر والاحتلال والضياع؛ ضياع الحق وتبعثره, تنطق كلماته بصدق فني مذهل، ويصرخ عقله بقضية الوجع, ذلك الوجع الذي يملأ قلوبنا جميعاً.. وتلك القضية التي تشكل جرحاً بالغاً لا ندرى متى سيندمل!
رائحة البارود وطعم الدم الممتزجة بقطرات عرق ذلك الإنسان المقهور، الباحث دوماً عن حضن يأويه، يمنحه برتقاله نديه غير قابله للعفن، وغصن زيتون لا ينكسر.
غريب عسقلانى ابن “العشيرة” (ص5) مع ذلك الأب لاعب البوكر الحريف الذي يلعب حتى ينفض بطانة جيوب سترته وبنطاله، ولا يجد أمامه سوى زوجته الحامل ليكمل لعبه عليها وهي المسكونة أحشاؤها بذلك الراوي الذي يرفس بقدميه محاولاً أن يخرج إلى عالمنا بكل ما يحمل من قبح وظلم.. يرفس جدار البطن ثلاثاً، بينما يلحس صديق أبيه لسانه أمام أمه وهى تسبل جفنيها على كحلة عينيها لتزيد من اهتياجه، ويخسر الأب الأم التي ما أن تضع حملها وتتزوج بصديق الأب حتى تدمن تلك اللعبة التي سرعان ما تتكرر لتعود الأم ثانية إلى الأب بعد أن تضع أختاً للراوي، ولا تكتفي الأم برجلها وصديقه، بل تستقبل ضيفاً آخر طويل القامة وجيه الطلعة، عريق الحسب والنسب ليصبح حضناً جديداً ثالثاً لها.
البيت كان ثلاث حجرات، حجرة الأب وأولاده والثانية لزوج الأم وأولاده، والثالثة للأم التي تسجل على صفحات أجندتها مواليدها حتى لا تختلط أنسابهم. 
وهنا يصبح لزاماً عليهم جميعاً بناء حجرة رابعة للزوج الثالث في لعبة مجنونة، تلك اللعبة التي تجعل الأم تسب وتلعن وتقذف في وجه الضابط بقسائم زواجها وإشعارات طلاقها وما يضمه ملفها من شهادات ميلاد عديدة لصبيان وبنات، ولتنتهي القصة بتلك النهاية الرهيبة حتى يصحوا الأبناء الإخوة جميعاً لعدد لا ينتهي من الآباء، يستيقظون فلا يجدوا أحداً من الآباء، ويتحلقوا جميعاً حول أمهم التي صارت وحيدة والتي أمرتهم جميعاً بحرق أوراق اللعبة.
وغريب حين يمتطى جحشه الأبيض في سباق الخيول (ص9) نجده يجرب حظه بذلك الأبيض الذي يرسل نهيقه حاداً قصيراً, بينما يشب على قائمتيه الخلفيتين ويحرك أذنيه منطلقاً في المراعى الخضراء الغنية وتحت شمس النهار ينطلق إلى الجدول يستحم وينشر جسده البديع.
غريب ينطلق بجحشه بعد سماع صفارة الحكم متجاوزا جميع الخيول بمسافة قياسية في مفاجأة لا يبدو أنها غير متوقعه، فالمشكلة لا تكمن في الجحش ولكنها في حقيقة الأمر تكمن في انساب الخيول المتسابقة, وأولئك الخيالة الذين سابقوا في المباراة وتوزعوا على صالات القمار، ونحن هنا لابد أن نقف لبرهة ونتساءل عن سر ذلك الجحش الأبيض؟! من هو؟! من يكون؟! ومن هم أولئك الخيول المزيفة؟!
فالجحش رغماً عن كونه جحشاً صغيراً إلا أنه هو الحيوان الأصيل الوحيد بين جميع خيل السباق، الجحش يعرف جيداً أنه جحش ويتعامل مع الجميع من هذا المنطلق, بل إنه بعد أن انطلق إلى المراعى يبحث عن طرى العشب ويتشمم براعم الأزهار كان يتوقف عن الجري ويؤدى التحية حين يمر به أي حصان أصيل! وكأن غريب يؤكد لنا أنه رغماً عن كل شيء فإنه لا زال هناك حصان أصيل تؤدى إليه التحية، فهو لا يود أن ينهى قصته الماكرة بل والخادعة دون أن يترك لنا بارقة أمل ولكنها وللأسف تبدو على البعد باهتة وإلا فلماذا لم يشارك ذلك الأصيل في السباق؟!
دائماً يبحث غريب عن الضوء، يحاول أن ينمو باستطالة فائقة فمع “الهليون2

(“ص13) في أسيجة الحواكير والبيارات بين شجيرات السنط والعوسج يصحبنا في رحلة يومية مع ذلك الرجل النحيف الطويل الأشقر الذي يسكن غرب المخيم, والذي يعيش وحيداً لا يزور ولا يزار ولا يعرف له أصدقاء أو أقارب!
ولكنه يوزع القروش على صغار الحارة ويردد جملته الوحيدة: 
 – كله من خير أهاليكم.
بينما يضحك الأهالي على ذلك الخير وهم يتساءلون في سخرية من يقدم الخير؟!
الهليون يعمل بكسح حفر المراحيض وهو فارس المهنة الوحيد في المخيم، وهو في الآن ذاته يأنف من طبيخ الناس في المخيم, كما أن بيته خير مثال للترتيب والنظافة حتى أن ملابسه ثمينة نظيفة وأسنانه ناصعة البياض رغم شراهته للتدخين.
ويلعب عسقلانى معنا لعبة الأصول وما ترمى إليه من دلالات فنية حينما يختلف الناس حول أصل الهليون فيردوه حيناً إلى يافا، وحيفا، واللد وحيناً آخر إلى بيروت أو حتى المنصورة مروراً بسيناء, بل وصل غريب إلى أبعد مدى من السخرية حين أفتى بأنه ابن غير شرعي لجنكية يافاوية من أحد الجنود الاستراليين. وتكثر العِرس وتتوحش فئران الحارة حين يموت الهليون، وتحتل شوشانا وابنتها داره بعد أن قدمت قسيمة زواجه من ابنتها دلال التي هي أرملة “عز الدين” الشهير بالهليون.
يبدو في هذه القصة أن غريب لا ولن ينسى أبداً وطنه الجريح الذي هو أرضه وعمره وقضيته وفى عبثيه ساخرة وحرفية عالية يأخذنا غريب بثلاث عيون يبصرن كثيراً (ص22) إحداهما حوراء تحدث الناس عن طفل الحكاية وأخرى حولاء تعلم الجند أصول التنشين والتصويب في حقل الرماية والأخيرة عوراء تستطلع هلال رمضان.
قصة تحمل العديد من الدلالات الفنية يستخدم فيها الكاتب الرمز الغارق في العبث والسخرية المريرة.
وسرعان ما يدلف بنا الكاتب إلى عالم “الخالة أم بشير” (ص29) وحليبها الطيب يسألها ذلك السؤال الملغز:
“- مين اللي قالت يا ريتهم قسموا” (ص29(.
ويأخذنا في “نص العمى ولا العمى كله… إللي يرحل يسكن عند جاره أو أخوه… ويفرجها ربك ويرجع”.
أم بشير صدرها لحيم وقد نذرته في شبابها للأطفال الذين لا يشبعون من صدور أمهاتهم بل إن المرضعات الوافرات الحليب كن يذهبن بأطفالهن إليها لما كان يشاع عن حليبها الطيب الذي يصفو من كل غم أو عكر ويحتفظ بسره الغامض.
أم بشير جعلت من وليفة الأمس أخت اليوم وحين تمر الأيام وتتفرق حمولة أم بشير لا تنسى أن تسأل الراوي يوم زفافه عن عروسه ثم تتنهد ارتياحاً قائلة:
“- العروسة من مواليد الهجرة3 لم ترضع صدري” (ص31(.
وأم بشير تدرك الانتفاضة بينما هي محافظة على جلستها عند عتبة الدار تنتظر حفيدها الذي يطارد الجنود في الأزقة، وراوينا لا يزال يهمس لها ولكنها ترد في قوة:

  • اللي فات مات..الولد الشقي ترك شبابه جده وراح يطارد العسكر.
    وينغمس الراوي في رحيق صدرها حين تتكوم أم بشير عليه بعد أن يقذف الجنود عبوة مسيل الدموع.
    ويعود الكاتب إلى رموزه وألاعيبه القصصية الغارقة في الحبكة الفنية حين يواجهنا بذلك “الهدهد والديك الرومي” (ص33)
    الديك الرومي صاحب العرف الأحمر وزهوه بين دجاجته… الديك الذي حين يغضب على إحدى جواريه يطرف عينيها يهبده من جناحه ويكسر بيضتها ويشربها ويتجشأ. غير عابئ بدموع دجاجته التي ينهال عليها بمخالبه حتى يدمى جنبيها. بينما الهدهد وزوجته يقفران إلى الأشجار وتمشط الأنثى تاج زوجها بمنقارها حتى تتصاعد شهواته فيحلمان معاً ويتناوبان إلى يوم معلوم على بيضتين ورديتين.
    دجاجات الديك الرومي يراقبن عروس الهدهد ويستغربن لأن الدم لم ينبصق من جنبيها بل إن إحداهن حين تسأل الديك عن الهدهد يقول:
    “- عفن يبحث عن ديدان عفنه” (ص34)
    وتنتهي القصة تلك النهاية الدرامية حين تفتش الدجاجات عن دودة عرف الديك الرومي فيتطاير الريش وينكشف أمامهن رأس الديك عبارة عن جمجمة فارغة.
    إنها قصة رائعة تجعلنا نتوقف كثيراً أمام ما تحمله من دلالات ذكورية وأنثوية في داخل مجتمعات الشرق والغرب وما تحمله من جلد للذات الذكورية كرجال شرقيين. حتى أنه يؤكد ذلك المعنى في قصة “البنات والبحر” (ص41) مع ذلك الرجل الذي يمنع بناته من نزول البحر. إلا في داخل خيمة كبيرة سرعان ما يخلخل الماء عمودها فتقتلعه وتتكوم فوق الرجل الذي يراقب الشاطئ بينما تنتهز البنات الفرصة ويلوحن للصبايا والفتيان الذين يستقبلون نسيم البحر بثقة رغم هبوط العتمة.. وللنص دلالات أخرى ترتبط أيضاً بالقضية المحورية للكاتب.
    وفى “معزوفة الوتر الحزين” (ص65) نجد أننا ننتقل إلى حالة من المشاعر الإنسانية العالية جداً بين الأب وابنه… خوف الابن على أبيه وإحساسه بضياعه منه ومعاصرته لتلك التحولات الزمنية القاسية التي حولت الأب من الفتوة والقوة إلى الكهولة ثم الشيخوخة والضعف بل والانكسار… الانكسار المعنوي والمادي بفعل سيارة تنكسر على أثرها رجل الأب ويتم تجبيرها لمدة قد تطول: 
    “- الجبيرة تشدني لأسفل كالمرساة.
     – قريباً تتخلص منها.
     – وأعود إلى البيت بدونها.
    – ستعود إلى البيت بدونها.” (ص68(
    المرض والضعف والموت والزمن وتلك العلاقة الشفيقة الرائعة بين الأب والابن، هذا ما نجح الكاتب في نقله إلينا ببراعة يحسد عليها…حين تتراءى له طفولته يوم اشترى له أبوه دراجة بثلاثة عجلات وأخذ يدربه عليها وهو بكامل عنفوانه وصحته إلا أنه يتمتم: لكن الدراجة بأربع عجلات هذه المرة (ص69)
    وفى قصة “الأرجوحة” (ص93) يأخذنا المؤلف إلى واقعية العبث أو عبثية الواقع بين رجل يسمع ولا يرى ورجل يرى ولا يسمع وآخر لا يرى ولا يسمع وأخيراً امرأة شقوا رحمها في السبع العجاف وهى تردد ? بعد أيام أضع طفلاً. والراوي يصرخ أوقفوا الأرجوحة ولكن عاملها الواقف على الأرض في ثبات ظل منهمكاً في عمله. 
    وقدم لنا غريب في قصة “سود الرجل” (ص99) ذلك النموذج الجشع من التجار كما قدم لنا نموذجا آخر للرجل الذي لا يستطيع أن يدرك أو يستوعب كل ما حدث من تغيرات وتطورات في العلم الحديث وما له من دلالات أخرى تنعكس على العالم كله. قصة “المناهج” (ص101)
    وفي النهاية نحن أمام كاتب كبير يمتلك حضوراً طاغياً, استطاع ببراعة أن يتوغل داخل أعماق الشخصية الفلسطينية بل والعربية، كاتب يجمع في داخله عقل المفكر وروح المناضل، وقلب الإنسان الممتلئ بالفن والشجن.
    تحية إلى هذا الكاتب الذي استطاع أن يحقق المعادلة الصعبة بين الفكر والفن.

شريف محي الدين – قاص ومسرحي  مصري يقيم في الإسكندرية


——

1- صدرت الطبعة الأولى من مجموعة عزف على وتر حزين عن دار الماجد – رام الله 2005

2-  الهليون نبات ينمو بين أسيجة البيارات والحقول, ويعرف علميا بالاسبرجس.

3- يفصد بالهجرة طرد الفلسطينيين من ديارهم اثر النكبة 1948.

رابط مختصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

التعليقات تعليقان

  • غريب عسقلاني

    شكرا للكاتب السكندري شريق محي الدين اتمنى له المزيد والتميز في انتاجه الأدب والفني

  • غريب عسقلاني

    الكاتب شريق محي الدين قاص وروائي يقيم في الاسكندرية وقد عرض هذه المداخلة في قصر الثقافة في الاسكندرية الشكر الجزبل له