“مدخل ثان: عن القوة والحب ولوثات السلالة”

2019-03-06T19:08:32+00:00
2019-03-06T19:08:35+00:00
ثقافة وفنون
6 مارس 2019
“مدخل ثان: عن القوة والحب ولوثات السلالة”
مشهور البطران

*مشهور البطران: كاتب فلسطيني.

في حقبة السرايا السعيدة وصل الزعيم إلى أوج عظمته. كان يشعر أنه إمبراطور، إنه شعور طبيعي لزعيم محاط بحاشية لا شغل لها إلا أن تُذكِّره بعظمته. لكن مشعلًا يذكّره بما لا يطيق سماعه:

  • الشعور بالقوة لا يكفي، نحتاج غالبًا أن نختبر مصادر قوتنا في الواقع، القوة لا تُمنح مرة واحدة وللأبد، إنها كالطفل تولد وتنمو وتتطور، بشرط صيانتها والحفاظ عليها.

وغالبًا ما يمعن في توصيفاته التي تبدو مضجرة للأب الكبير:

  • القوة أيضًا تتراخى تضعف وأخيرًا تموت.

وإذا لم يلحظ ضجر الزعيم يتمادى أكثر:

  • يجب أن نفكّر في معنى القوة، وفي أوجه توظيفها، بحيث يشعر الكل أنهم أقوياء. وإلا تحولت القوة إلى قسوة، وصار القائد جلادًا.

وأخيرًا يلقي عليه أسوأ ما يمكن أن يسمعه زعيم من شخص لا يستطيع أن يعاقبه مهما فعل:

  • هؤلاء الحمقى المتسلقون لا يظهرون قوتك بل قسوتك، وهم أول المنقلبين عليك حين تتهيأ لهم الفرصة.

هذا ما يتفوه به مشعل جهارًا، أما ما يلوكه تحت لسانه ويزدرده في بطنه:

  • كل طغاة التاريخ ينتهون بالطريقة نفسها، ويواجهون المصير نفسه. إنهم أكثر من يساهم في صناعة التاريخ وأقلهم دراية في قراءته وفهمه.

***

رغم قوة الزعيم وبأسه فهو ودود وخاضع في حضرة النساء. إذ يعتقد أن المرأة محنة الإنسان الأولى، شغفه الأزليّ وتعلقه الأبديّ. وغالبًا ما يتساءل بكلمات سرقها من مشعل لكنه لا يعترف بذلك: ترى ما الذي سكبته في كينونتا تفاحة آدم؟ الفراغ؟ العتمة؟ الشغف؟ الضعف؟ الأمل؟

في هذه اللحظة بالذات من تأملاته يمطُّ شفتيه إلى الأمام ويقول بصوت عالٍ وبعبارة مسروقة من نفس المصدر: كنا ملائكة وصِرنا وحوشًا.

دائما ثمة أربع نساء على ذمة الزعيم، أما المطلقات المهجورات فهن كثيرات لدرجة يصعب حصرهن، ولا يغادرن السرايا بل يبقين في حجرات قصية مع أولادهن. وكلّما دخل بامرأة جديدة انسحبت أخرى من دائرة نسائه الأربعة لتسكن مع رهطها الأفنية الخلفية للسرايا. تُلَقَبُ المرأة الأحدث –الرابعة-بالمدللة؛ لأنها تحظى بمعظم الليالي، وأما الثالثة فلقبها المحظوظة إذ ينوبها من الحظ جانب حين يتذكرها الزعيم من حين لآخر. أما الثانية فتلقب المهجورة لأنه نادرًا ما يزورها، وأخيرًا المنسية، التي لا يتذكرها أحدٌ رغم كونها على ذمته الشرعية. هذه الألقاب تدور باستمرار، ولطالما باتت إحداهن ليلتها بلقب مدللة وصحيت صباحًا على لقب محظوظة أو مهجورة.

وسط هذا الصخب النسوي لم يعد الزعيم يميز بينهن، وكذا لم يعد يميز بين الأولاد والأحفاد، وقد تنبهوا إلى ذلك، فحين يصادفونه أروقة السرايا ودهاليزها، يتعمدون إلقاء التحية بطريقة تشي بهويته أو هويتها:

  • صباح الخير يا أبي، صباح الخير يا جدي، صباح الخير يا عمي.

ومع أنه أصبح جد الجد، إلا أنهم لا ينادونه بهذه الصفة فهو لا يحتمل أن يذكّره أحد بعمره الحقيقي. وعلى ذِكْرِ الأولاد والأحفاد فهو يعترف أنه مستبد وقاسي على أولاده، لكنها قسوة المحب. وهي القسوة الضرورية لحكم بيت بكل هذا الرحابة. إذ لَمْ ترق له ميعة الأولاد، مبررًا ذلك بقوله:

  • أن من يرث السلطة لا بد أن يكون ذا بأس. هكذا يقول تاريخ سلالتنا.

 مع أن بعضهم يخالفونه في رأيه جهارًا، وأولهم مشعل:

  • القوي لا يحتاج إلى القسوة، الضعفاء فقط يقسون. القوة كالتيار الكهربائي تسري بين الناس فتضيء ممكناتهم وتنهض بقدراتهم. أما القسوة فهي كالظلام مخيفة وتستنهض أسوأ ما في النفس البشرية من قبح وبشاعة.

على أية حال فالزعيم فخور بنفسه إلى حد الزهو؛ لأنه استطاع أن يبسط سلطانه على بيتٍ رئاسي كبيرٍ ومترامي فيه من المشاكل ما يفيض عن حاجته، ولا عجب في ذلك فقد ورث هذه الصفة عن آباء ما زالت حكايات سلطتهم الأسطورية تتداولها ألسنة العامة والخاصة حتى يومنا هذا.

 هذه صورته عن نفسه. أما صورته عند الناس فيتكفل بها مشعل، إذ يقول: حقيقة المرء دائمًا أقل من صورته، فالصورة مُضَلِّلَةٌ؛ لأنها تقدم الإنسان ليس كما هو بل كما يشتهي.

لم يكن عشق السلطة لوثة الزعيم الوحيدة بل أصيب بلوثة أخرى، لا سابق لها في سجل سلالته، ومنبتة الصلة بما سبقها من لوثات في تاريخ العائلة.

فمثلًا جده الثاني، أصيب بهوس السحر فعلق في رقبته خرزة زرقاء، ولغَّم قَصْرَهُ بالتعاويذ وأينما حَلَّ تسبقه طاسات البخور لطرد الجن والمَرَدَة. وحتى شجيرات الحديقة تدلت منها الرقى للتنغيص على الشياطين النائمة في الغصينات. أحاط به زمرة من قارئي الحظ وأمهر العرّافين بفك الأسحار. في سنته الأخيرة حلَّت جنية في بدنه، اتخذت لسانه مسكنا لها. فتبلبل وصار يتكلم لغة لم يختبرها بشرٌ من قبل. يتكلمُ فلا أحد يفهمه، وكذا لم يعد يفهم لغة قومه. فمثلًا حين يتكلم طالبًا شيئًا ما، يظن من حوله أنه يريد الشرب، وما أن يأتوا بالماء حتى يدركوا خطأ استنتاجاتهم. فيجربوا أن يطعموه، أو أن يأخذوه إلى الحمام، إلى أن يصلوا إلى الاستنتاج الصحيح. وقد استخدموا في البداية الإشارات والأصوات لتسهيل التواصل. بعد مضي أشهر من التجربة والخطأ تعلموا بعض أساسيات لغته. وخاصة ما يتعلق باحتياجاته الأساسية. جيء بأصحاب الكار لطرد الجنية من تحت لسانه. استنفدوا كل التعاويذ والأحجبة بلا فائدة، إلى أن جاءَ ساحر موصوف بالشطارة ورجاحة العقل. شخَّصَ حالته واقترح أن يضع تحت لسانه مستخلصًا ذا رائحة كريهة، لأن الجنية لا تقيم في مكان عطن. عاد في المساء ومعه صرة صغيرة، وضعها تحت لسانه ورقّاه بتعويذة، الله وحده يعلم ما هي. لم يتسن لأحد التأكد ما إذا انسحبت الجنية من تحت لسانه أو أنه استعاد لغته الأم. لأنه لم يتكلم قطعيًا، لا بلغته الأم ولا بأي لغة أخرى، إذ وجد في الصباح ميتًا وبسيل من فمه ما يشبه غلالة الروث، واختفى الساحر كأنه سراب.

***

أما جده الأول فعانى من متلازمة الموت والعتمة. ربط بينهما بمنطق غريب، فالموت عنده نوم سرمدي في عتمة أبدية.  كَرِه النوم، ولولا أنه غريزة لما أغمض له جفن. كان يأوي إلى فراشه قبل حلول الظلام والقناديل مشتعلة.  وفي ليلة محاق هبت ريح صرصر شقَّت النوافذ وأطفأت الفوانيس ففر من حجرته بحثا عن بصيص ضوء فسقط من شرفة القصر ومات.

***

لكن لوثة الزعيم غريبة، لا تمت بصلة لهوس السحر ولا رهاب العتمة. إنها الصراصير. فهو جبان أمام الصراصير. ليس جُبْنًا بالمعنى الحرفي للكلمة، بل هو أشبه بمزيج من خوف وتقزز، لكنه يتحول مع الزمن إلى جبن فاضح حاول أن يخفيه. ولكن هيهات فالجوارح فضاحة. إذ حدث أكثر من مرة أن كان منفوخًا مثل طاووس ويسبل شاربيه بكبرياء، وفجأة يسبح صرصور عند أقدامه، فينتفض فزعًا، فيما الأولاد يجاهدون في كتم ضحكاتهم الخبيثة وهم يتهامسون: يا عيب الشوم إنه مجرد صرصور.

هذا شأن الأقربين، أما الآخرون من المساعدين والحرس والعاملين فكانوا يتصرفون مثله ويمثلون دور المروعين من الصراصير، وينتحلون له الأعذار:

  • معك حق سيدي إنها مخلوقات كريهة.
  • إنها مخيفة وبشعة.
  • صراصير؟ أوف، كائنات مقززة.

يروِّجُ المناوئون أن الزعيم يعاني من فوبيا الصراصير، وفي مجالسهم يتندرون ويلوكون كلامًا ساخرًا عليه. اعتبر المقرّبون أن الغاية من الرطانة الزائدة حول فوبيا الصراصير هي النيل من هيبة الزعيم والحط من كرامة البلاد، مع أنهم يعترفون أن الزعيمَ يمقت الصراصير، ولكن لا يصل الأمر إلى حد التعميم، فليس كل الصراصير صراصيرًا. فمثلا ثمة فصائل صرصورية لا يخشاها الزعيم؛ لأنها صراصير محلية خُلِقَتْ وعاشت في هذه البلاد، وهي سوداء مدرّعة بدروع خشنة، بطيئة الحركة وأحيانًا تقفز قفزًا، تسمى الصراصير النطاطة، تظهر مرارًا في الحديقة الأمامية للبيت خاصة في أوقات الربيع، دون أن تجرؤ على دخول البيوت، حتى وإن دخلت فهي لا تؤذي وسرعان ما تخرج سعيا إلى الهواء والطعام.

 هذا الفصيل من الخنافس البليدة لا يثير للزعيم فزعًا ولا نقمة، بل كثيرًا ما كان يتسلى بها مع أحفاده. يبنون لها متاهات من الرمل والعيدان وأوراق الشجر ويراقبونها وهي تلف وتدور لتنتهي من حيث بدأت. مع أنها في النهاية تخيب آمالهم وتهتدي بخبرتها وتجاربها السابقة إلى المسالك الصحيحة.

الصراصير الممقوتة هي صراصير الخشب الحمراء، هذه التسمية لم تلتصق بها عبثًا فهي حمراء اللون، وفي شيخوختها تميل إلى اللون البني الداكن فتصير بلون القهوة. وهي بطبعها مغرمة بالإقامة في تجاويف الأخشاب، ملاذها المثالي، وحين يشحُ زادُها تقتات على السكريات الكامنة في نسيج الخشب.

في محاضرة لخبير زار البلاد، قال فيها: الصراصير مفصليات مجنحة وأقرب الكائنات لها هي الجنادب. هذا التقارب لم يعجب الزعيم، فرد باشمئزاز: هيهات أن يكون للصراصير خفة الجنادب وروعتها!

بيَّنَ الخبير أن أمريكيا موطن الصرصور الممقوت، مخالفا فريقًا من البيولوجيين يرى أن موطنها الأصلي أوروبا وانتقلت منها مع بضائع المهاجرين إلى القارة الجديدة. لكن الخبير يؤكد أن الصرصور الأحمر أمريكي النشأة، عاش فيها قبل كولومبوس وأمريكو فيسبوتشي. وحين اكتُشِفَ سموه الصرصور الأمريكي تمييزًا له عن شبيهه الأوروبي.

الأبحاث الأيكولوجية أكدت أن هذه الصراصير لا تنتمي أصلًا إلى بلد الزعيم بل جاءت من أوروبا، ودخولها لم يكن صدفة كما أشيع، بل أمر دبر بليلٍ من قبل تجار أخشاب أوروبيين حقنوا بيوض الصراصير في صدوع الخشب وصدَّروها على متن السفن لتجار محليين متورطين في هذه الصفقات.

المهم أن الصراصير دخلت البلاد واستوطنتها بلا جلبة ولا ضوضاء، ظلت على الأطراف البعيدة والقرى الفقيرة دون أن تثير الانتباه. وعاشت كجماعات في أقبية تحت الأرض وحول حاويات الزبالة ومواسير المجاري، في الأماكن الأشد ظلمة، لا تخرج للضوء إلا بعد أن ينام الناس لتُلَقِطَ ما تيسر لها من سقطِ الطعام.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.