قراءة الشاعرة أريج حيدر قيروط لرواية “سنلتقي ذات مساء في يافا”

2 مارس 2019آخر تحديث : السبت 2 مارس 2019 - 5:30 مساءً
قراءة الشاعرة أريج حيدر قيروط لرواية “سنلتقي ذات مساء في يافا”
أريج حيدر قيروط

سنلتقي ذات مساء في يافا..
تعرضُ هذه الرواية صرخةَ الحبِ اللامكتملةَ وحلمَ العودةِ.. وتعود أحداثُها إلى ما قبلِ الأزمةِ السوريةِ حيثُ سهولةُ السفرِ في منتصفِ الليلِ والأمانُ الذي كان يعمُّ المدنَ السوريةَ وريفَها وساحلَها ومواقعَها الأثريّةَ.
امتزاج يافا بدمشق: روايةٌ قائمةٌ على الحبِ وبالحبِ نرى يافا.. ذاك الالتحامُ المتسامقُ عانقَ القلوبَ.. الغلافُ بدا كأيقونةٍ مقدسةٍ ممزوجةٍ باللونِ البرتقاليّ المرمزِ ببياراتِ البرتقال وبتولِ شعبِ يافا. تسدلُ السماءُ وشاحَها الأزرقَ وسطَ الغيومِ لتسطعَ شمسُ النهارِ الصارخِ بالحقِّ.. حقِّ العودةِ.. حقِّ الأرضِ.. قلعةُ دمشقَ رمزُ الصمودِ والسندِ.
سنلتقي.. سينُ التسويفِ تكمنُ بينَ الممكنِ واللاممكنِ.. وهنا الممكنُ سيكونُ مختلفاً لما نعرفُهُ.
التوحدُ والعيشُ في كينونةِ اندماجِ الذاتِ الروائيةِ الدراميةِ بين القتال وجمعة, هما روح الساحلِ ويافا.
الإهداءُ.. هو رمزُ العطاءِ اللامتناهي من دونِ مقابلٍ.

في البدايةِ اعتمدَ الكاتبان على الحبكةِ المركبةِ، تبدأُ من النهايةِ ثم يتمُّ استعراضُ الأحداثِ التي أدتْ إليها.. لم يكنِ التشويقُ بالحدّ المطلوبِ في أولِها، لكن معَ التقدمِ والإيغالِ في مضمونِها وتفاصيلِها نشاهدُ تصاعدَ التشويقِ وعنصرَ الحماسِ يزدادان في كلِّ مقطعٍ..
غسانُ المولودُ زمنَ النكسةِ عام 67 هو بطلُ الحكايةِ، ينثرُ هيامَهُ المتراميَ طيباً على حبيبتهِ ليشتمّ نفحَ يافا فيها.. هناكَ تناصٌ لحديثٍ شريفٍ قال (وهي مأوى لمن طابَ الكلامَ وأطعمَ الطعامَ وباتَ قائماً والناسُ نيامُ). صورَ المؤلفان حالاتٍ عديدةً من العشقِ بوساطةِ أشخاصٍ تكادُ تكونُ حقيقيةً، لكن هذه الحالاتِ تفسرُ تجربةً واقعيةً. وصفُ دمشقَ بأنهارها وخصبِها وشموخِها في قاسيونِها العلياءُ، مغارة الدمِ.. هي حكايتا التضادِ، الأولى حكايةُ الدمِ في قتلِ قابيلَ أخاهُ من أجلِ أنثى، والثانيةُ حبُ الأنثى وهنا يشعُّ الحدثُ، إذ تكمنُ في تلكَ الحكايتين (الموت والحب وانصهارهما كأنهما عاشقان لا يفترقان). والمشتركُ في الحكايتين أنثى.
ينقلنا الكاتبان إلى قدسيةِ دمشقَ ونزاهتُها، إذ لا وسائطَ تُنتَعلُ (النساءُ يسرنَ حافياتٍ وكأنَّ لهذهِ الأرضِ قداسةً)، ثم نشاهدُ مباغتةَ الوقتِ للروحِ فمهما طالَ الزمنُ لا بدَّ لهُ من انتهاء، شدتني عبارةُ (.. أيوب مصلوباً على خشبات صبره)، كنايةٌ عن الصبرِ المدمّى الذي نفدَ احتمالَهُ ذاتَ يومٍ. وأيضاً صورةٌ عن المسيحِ الذي تجلدَ على ألمهِ ورفعَهُ اللهُ إليهِ حتى يشاءَ ويُبعثُ إلى الأرضِ من جديدٍ فهو المخلصُ. كنعانُ وهو جدُ غسانَ إذْ تعلقَ قلبُهُ بمسيحيةِ الشهدِ واسمِها (تقلا) ليثمرَ حبُهما بمولودٍ اسمُه حسن.
يزورُ غسانُ القاطنُ في المخيمِ أمكنةً من الذاكرةِ باتتْ خبرَ حياتِهِ وترياقَ جسدِهِ الهزيلِ المتآكلِ مرضاً وانكساره من حالةٍ بائسةٍ إذ سيفترقُ عن حبيبتِهِ بذاكَ الموتِ المباغتِ.
استطاعَ الكاتبان تجسيدَ حقيقةَ المعاناةِ لدى غسانَ وبحريةٍ ومريمَ من خلالِ سردِ جوانبِ الألمِ ضمنَ سياقٍ روائيٍّ جميلٍ لحكايةٍ بسيطةٍ.. نلاحظُ أنَّ هناك سرداً جميلاً وانسيابية باللغةِ، حيثُ جسّدَا نظرتيهما في صورةٍ ماديةٍ محسوسةٍ، ولكن يؤكدُ الكاتبان بإلحاحٍ على الفقدِ والحزنِ بعدةِ مواضعَ وبكثافةٍ لدى البطلِ، وبثِّ الشكوى لدمشقَ وحواريها، إذ ينفثُ ما بصدرِهِ ما تبقّى من رمادِ روحهِ من ماضي الذكرياتِ، (كان أجمل لو كُثفتْ تلكَ المقاطعُ). ثم ينتقلان بنا إلى إسقاطاتِ الواقعِ بكلِّ ما يحملُهُ من هجرٍ وأمنياتِ رجوعٍ، إذ إنَّ البلادَ تشيخُ حين هَجرِهَا وتنضحُ بالحبِ عندَ الارتواءِ بساكنيها.
اندماجُ الجولانِ بيافا ووجعُهما المشتركُ في ظلمِ الاحتلالِ واحتياجِ الرجوعِ إلى أرضِ الوطنِ. أما عن حبٍّ بطعمِ الميرمية: عنوانٌ ملفتٌ للانتباه.. نستوحي من ذاكَ الاسمِ تلكَ النبتةَ التي تحملُ التضادَ في طعمِها اللامحبب, وفي لونِها المحببِ الأخضر, وعلاجها. هناك الوجعُ المكتملُ نضوجاً إلَّا أنها بنكهةِ مريمية. وهذا رمزُها..
غسانُ ذاك الكنعانيُّ المتهالك مرضاً يصارعُهُ في ساحةِ الحياةِ.. فمن منهُما يفوزُ؟!، وفي هذهِ المرحلةِ نجدُ الإلحاحَ أيضاً في معاناةِ البطلِ من حزنٍ جُبِلَ بالملحِ تارةً وبالدمِ تارةً أخرى..
هناكَ إسهابٌ وإطالةٌ في حالةِ الحزنِ والشكوى مما جعلَ خللاً بسيطاً في الوحدةِ العضويةِ أدى إلى ترهلِ الحدثِ بعضَ الشيءِ.. شدني قولٌ: (يسحبُ الشمسَ من بئرِ العتمة)، صورةٌ مشرقةٌ تتمثلُ بالحبِ المرتشفِ رحيقَ نبضٍ وبمعرفةِ ما خبَّأ من هديةٍ وبعضِ شوقٍ..
الصورُ بشكلٍ عامٍ جميلةٌ جداً تركَتْ أثراً ناعماً في ذهنِ القارئِ والأمثلةُ كثيرةٌ أذكرُ منها:
-غسانُ الذي يحملُ محراثَهُ فجراً ليزرعَ أرضَ أحلامِهِ قمحاً.
– من سيلملمُ فوضاي عن مرجِ روحِكَ لأقفَ مجدداً.
– أنتَ صلصالٌ من عطرٍ.. ما بقيتْ وردةٌ لم تعجنْ بها.
أما عن الإيقاعات التصويريةِ فأراها متفاوتةً بعضَ الشيءِ, تارةً تشعرُ أنكَ تعيشُ الحالةَ بجلِّ إنسانيتِها بل أنتَ بطلُ القصةِ أو أنكَ تقفُ أمامَ مشهدٍ يُرسَمُ بدقةٍ.. وتارةً تشعرُ بأنكَ لستَ هناكَ.
بحرية: تلكَ التي تعيشُ حالة فقد غسان.. وهو الذي حادثَها ذاتَ يومٍ وقالَ لها: استعدي للذهابِ معي إلى فلسطينَ وكأن الذهابَ غداً, بلِ الآنَ.. بعدما انتصرَ السيد حسن نصر الله بحربِ تموزَ عام ألفين وستة، تلكَ الحربُ أعطتْ أملاً بالدخولِ إلى فلسطينَ، وفتحُ المعابرِ هو أولُ خطٍ للعودةِ. تنهداتُها بموتِ حبيبِها ترسمُ مشهداً درامياً عاليَ الحسِّ والبصيرةِ.
هاجر: تلكَ الشخصيةُ الحديديةُ المتحديةُ لواقعِها المتخمِ بالأوجاعِ المسلمةُ لقضاءِ اللهِ وقدرِهِ بما قسمَهُ لها بعدَ موت أخذ حياة أولادها الثلاثة حيث قالتْ بصوتٍ عالٍ: (كلُ أبناءِ يافا أولادي)، كانتْ ترددُها بيقينٍ مقرونٍ بالفعلِ قبلَ القولِ..
حسن: ذاكَ الطفلُ اليتيمُ ضاعَ عن والدتِهِ عندَ النزوحِ في حربِ 1948 فكانتْ هاجر هي الحضنُ الدافئُ والمسكنُ الآمنُ. هو.. عوضَها عن فقدِ الولدِ، وهي.. عوضتْهُ عن فقدِ الأمِ والأبِ..
غسان ابن حسن: ذاك الشاعرُ المرهفُ العاشقُ حدّ الثمالةِ يتأثر بغسان كنفاني ذاك العملاق في انتمائِهِ وأدبِهِ..
أما الولادة الجديدة لكل من بحرية وغسان فقد وجدَ كلاهما نفسَهُ في ذاتِ الآخر مكتملاً.. كلاهما تعشّق من أرضِ البرتقالِ وعرفا رمزيةَ توحدِ الحبِ مع الوطنِ من خلالِ جديهما قاسم وكنعان.. ثم تأتي صورةُ في قمةِ الجمالِ: (هلاّ تقشرينَ غيمَ الصبِر وتغلين فيّ) كنايةٌ عن نفاد الجلدِ في الحبِ وقطافِ ثمارِهِ حيثُ الوصالُ المنتظرُ.. (تشدُّ على أصابعي فيسري نسغ عطرِكَ إلى قلبي) ما أجملَها وأعذبَها من مشهدٍ تحكي لنا عن مدى توغلِ التيمِ في الأوصالِ.
مريم خالة بحرية: هي أستاذتُها في الحياةِ ومعلمتُها قد نهجتْ نهجها.. البحرُ ذاك الذي كانَ كفناً للبطلةِ ولخالتِها. تلك العاشقةُ منذُ الصغرِ خطَّ حبيبُها عشقَها لسنواتٍ طوالٍ، خليل ذاك المتيمُ.. خذلَها وتزوجَ من زوجةِ أخيهِ الشهيدِ مرغماً.. في العام الذي اتفقا عليه للزواجِ، مما أورثَ مريمَ شقاءَ القلبِ والمرضَ إلى أن التقتْ بـ يوسفَ.. يُوسُفُ المسيحيُّ المعتقُّ بالجمالِ روحاً وأدباً وعشقاً ووفاءً وإخلاصاً.. انتشلَها من غياباتِ جبِّ الحبِ القديمِ الذي أضناها حدُّ التهالكِ والفقدِ.. هو من أضاءَ منارةَ حياتِها لتولدَ من جديدٍ.. يوسف كما قيل: (هو الرجلُ الذي اكتملَ وجودُها به). هنا يعرضُ الكاتبان استنكارَ العاداتِ والموروثات الدينيةِ زواجَهما، مما جعلَ مريم تقدم على التضحيةَ بسنواتِ حبِها المتأصلِ بها ليحيا يوسفُ بزوجةٍ وطفلةٍ يرزقُ بها تسمى مريم، ثم يعودُ بنا الكاتبان إلى بحرية والوفاء بوعدها لها من خيطٍ أبيضَ تعقدُه على مقعدِ الحبِ من ذاكرةِ الماضي تعدّ فيه ولادة ابنة يوسف.. ماتتِ الحبيبةُ وولدتِ الطفلةُ في اللحظةِ نفسِها..
ثم يرحلُ بنا الكاتبان من زمننا الحالي المتعبِ بثقلِ الحربِ إلى زمنِ الطمأنينةِ إلى ما قبل الأزمةِ.. إلى جنةِ طفولة بحرية وهي جبلة (في الساعةِ السادسةِ صباحاً حط رحال السفرِ) وكيفَ أنها أدخلت غسان إلى عالمِها وبدأتْ معَهُ رحلةُ أوغاريت.. حيثُ تمَّ وصفَها بدقةٍ فنيةٍ رائعةٍ..
يــافـــــــــا: وهنا مسرحُ النهايةِ.. وصفٌ متقنٌ للأمكنةِ الفلسطينيةِ ومدنِها يُشعراننا كأننا نعرفُها بالواقعِ, هنا تكمنُ دهشةُ قوةِ الخيالِ.. نشاهدُ جمالَ فلسطينَ بالبصيرةِ قبلَ البصرِ.. غسان سبقَ بحرية إلى يافا حيثُ ذهبتْ روحُهُ إلى هناكَ ذاتَ مساءٍ، وفي التوقيتِ نفسِهِ بعدَ زمنٍ ليسَ ببعيدٍ تعبرُ بحرية حدودَ الجولانِ بصعوبةٍ بالغةٍ تكادُ تودي بحياتِها لتلتقيَ بهِ في يافا. حلمٌ أصبحَ على بعدِ خطوةٍ من التحققِ. في المساءِ وصلتْ يافا، يافا تلكَ التي لا تشيخُ يوماً تنتظرُ أحباءَها وأولادَها بالعودةِ، التقتْ أخيراً ببيتِ الجد كنعان، حيثُ رائحةُ الأجدادِ ملتصقةٌ بجدرانِ البيتِ تلتزمُ الوفاء.. السبحةُ تلك الموجودةُ فوق عتبةِ البابِ ذاك الصليبِ المعلقِ في عنقِ تقلا الجدة يحكي قصةَ وَلَهٍ وقصةَ استشهادٍ.. هو ما بقي من إرثِ الماضي، أخذتْ بحرية السبحةَ ببكاءِ يفطرُ قلبَها اشتمتْ رائحة غسان فيها.. اكتملَ عطرهما اليافاوي بوصولها لبحر يافا ستلتقي بغسان في أعماقِهِ يأخذُها الموجُ إليه..
الخاتمة هنا لم تكن مفتوحةً، فقد عرفنا مسبقاً نهايتَها، لم يمنحنا الكاتبان فرصةَ المشاركةَ بها..
وفي الختامِ أقول: سيعانقُ ياسمينُ دمشقَ سنابلَ فلسطينَ يوماً ما ونبتسمُ.
مبارك لـ عبير القتال وعمر جمعة هذه الرواية.

 2 - شرق وغرب
رابط مختصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.