نصف الحُب ممكن ، بعض الكره جائز!

2019-02-20T13:04:25+00:00
2019-02-20T13:04:29+00:00
نقطة ضوء
20 فبراير 2019
نصف الحُب ممكن ، بعض الكره جائز!
محمد شريم

*نائب رئيس التحرير ، مدير القسم الثقافي.

مما نسب إلى الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ قوله : ( أحببْ حبيبكَ هوناً ما ، لعله يصبح بغيضك يوماً ما ، وأبغض بغيضك هوناً ما لعله يصبح حبيبك يوماً ما ) ، وعندما قال الإمام الحكيم ذلك ، وهو الذي أثنى على علمه وفهمه النبي الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفق ما أورده بعض الرواة في العبارة المعروفة  :    ( أنا مدينة العلم وعلي بابها ) ، فإنما قال الإمام ذلك عن عِلم ودراية ناتجة عما كان يراه من طباع الناس في ذلك الزمان                                                .
       والمتأمل في طباع الناس في هذه الأيام أيضاً ، يجدهم في أمس الحاجة إلى هذه الحكمة ، النصيحة ، فهم إلى المغالاة في مشاعرهم أقرب من الاعتدال فيها، سواء في ذلك أكانت المشاعر مشاعر الحب ، أو مشاعر البغض ، وذلك مردّه ـ كما أرى ـ إلى أننا في الشرق العربي ، وفي بعض المناطق المجاورة ، مجتمعات تسوقها العاطفة ، وتعصف بها ريح الهوى ، بعيداً عن التفكير السليم والنهج القويم              .
ألم تر أينما اتجهتَ ، وأنت تقلب عينيك في المحيط الذي تعيش فيه تغير اتجاه بوصلة مشاعر الناس ، بسرعة البرق ، من النقيض إلى النقيض ، حتى ألِفْنا أن نردد البيت القائل : (ما سُمّيَ القلب إلاَّ من تقلبـــه فاحذر على القلب من قَلْب وتحويلِ ) ؟! فإننا إذا أحببنا حبيباً توجناه ملكاً في قلوبنا ، وقلنا فيه ما لم يقله المتنبي في سيف الدولة الحمداني ، وإذا أبغضنا عبداً من عباد الله ، وضعنا من شأنه ، وقللنا من قيمته وقدره ، وقلنا فيه ما لم يقله الأديب الأندلسي ابن زيدون في رسالته ( الهزليّة ) التي جعل فيها من ابن عبدوس منافسه على حب ولادة بنت المستكفي أضحوكة بين الناس ، متناسين أن هذا الحبيب من الجائز أن يصبح بغيضاً ذات يوم ، وأن هذا البغيض من الممكن أن يصبح حبيباً ، وفي كلتا الحالتين ـ إذ ذاك ـ سنعضّ أصابع الندم                          .
وليت هذا الأمر ـ وأعني أمر المشاعر التي تتقاذف علاقات الناس كما تتقاذف الريح أوراق الخريف ـ مقتصراً على الأفراد ، وفي الإطار الاجتماعي الضيق ، وإنما أصبحت هذه الحالة تنسحب لتشمل الإطار الأوسع ، أي أنها امتدت وانتشرت لتصبح على مستوى الجماعات ، فأصبحت الفئة من الناس لا ترى في الفئة الأخرى إلا وجوه الخلاف ، ومواضع الاختلاف ، وتتعامى عن أن ترى فيها ما يمكن أن يفتح باباً من أبواب الوفاق ، أو درباً من دروب الاتفاق لبلوغ هدف منشود أو غاية مرجوّة ، وذلك من خلال البحث عما يمكن أن يكون بين الفئتين مما ينفع ويَجمع ، ويقارب ولا يباعد ، وهذه هي الطامة الكبرى ! لماذا ؟ لأن مثل تلك المشاعر عندما تكون على مستوى الأفراد فإنها تفسد العلاقة بين بعض أفراد المجتمع ، أما عندما تكون بين فئة من الناس وأخرى ، أو بين فئات عديدة ، قد يكون بينها تمايز في الانتماء العرقي أو الديني أو الطائفي أو المذهبي أو الأصل الاجتماعي أو الانتماء الإقليمي فإن ذلك يوجد شرخاً بين فئات المجتمع ، وفي سياق بحث الفئة عن سبل الحماية من الفئة ، أو الفئات الأخرى ، تكون مضطرة للبحث عن نقاط الضعف لدى تلك الفئة ، أو هؤلاء الفئات ، وهكذا يتحول الشرخ إلى انفصال ، فإذا وُجِد مِن ذوي المصالح ، ومن ضعاف النفوس والعقول ، من يصب النار على الزيت ليذكي نار الفتنة ، يتطور الانفصال إلى عداء ، وهذا ما يعني انفراط عقد المجتمع ومن ثم انهياره التام .

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.