شلايم: إسرائيل لا تزال تخطط للقوة الغاشمة

10 يناير 2019آخر تحديث : الخميس 10 يناير 2019 - 7:15 مساءً
شلايم: إسرائيل لا تزال تخطط للقوة الغاشمة

شرق وغرب – نشرت صحيفة “الغارديان” البريطانية مقالاً للمؤرخ الإسرائيلي وأستاذ العلاقات الدولية الفخري في جامعة أوكسفورد، آفي شلايم، بعنوان: بعد عشرة أعوام من الحرب على غزة، لا تزال اسرائيل تخطط للقوة الغاشمة.

ويقول شلايم في مقاله الذي ترجمته “شرق وغرب“: يصادف هذا الشهر الذكرى العاشرة للهجوم العسكري الرئيسي الأول على مليوني فلسطيني في قطاع غزة. فبعد انسحابها الأحادي الجانب من غزة في عام 2005، حولت اسرائيل المنطقة إلى أكبر سجن مفتوح على وجه الأرض. ومنذ ذلك الوقت، كانت السمتان المميزتان لطريقة تعامل اسرائيل مع القطاع هما الكذب والوحشية القصوى تجاه المدنيين.

ويضيف: في 27 من شهر ديسمبر في عام 2008، أطلقت اسرائيل عملية الرصاص المصبوب، لتقصف القطاع المكتظ سكانيًا عبر الجو البحر والبر لمدة 22 يومًا. لم يكن الأمر حربًا أو حتى “حربًا غير متكافئة” ولكنها كانت مجزرة من طرف واحد. قتل 13 شخصًا من طرف اسرائيل، بينما قتل 1417 شخصًا من قطاع غزة، بينهم 313 طفلًا، وجرح أكثر من 5500 شخص. ووفقًا لأحد التقديرات فإن 83% من الضحايا كانوا من المدنيين. ادعت اسرائيل أنها كان تدافع عن نفسها وتحمي مدنييها من الهجمات الصاروخية لحماس. ولكن الأدلة كانت تشير إلى حرب متعمدة وعقابية وعدائية. كان لدى اسرائيل خيار بديل دبلوماسي ولكنها اختارت أن تتجاهله وأن تلجأ للقوة العسكرية الغاشمة.

ويكمل: في شهر يونيو من عام 2008، توسطت مصر للتوصل إلى وقف لإطلاق النار بين اسرائيل وحماس، وهي حركة المقاومة الإسلامية التي تحكم غزة. ودعا الاتفاق كلًا من الطرفين إلى وقف الأعمال العدائية وطالب اسرائيل بالتخفيف التدريجي للحصار غير القانوني الذي فرضته على قطاع غزة في شهر يونيو من عام 2007. سار وقف إطلاق النار هذا جيداً بشكل ملحوظ – حتى انتهكته اسرائيل عبر شن غارة في 4 نوفمبر، قتل فيها ستة مقاتلين من حركة حماس. وقد انخفض معدل الصواريخ الشهرية التي تطلق من غزة على اسرائيل من 179 في النصف الأول من عام 2008 إلى ثلاثة فقط بين شهري يونيو وأكتوبر.

ويشير إلى أن روبرت باستور، وهو أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية في واشنطن والمستشار الكبير في حل النزاعات في الشرق الأوسط في مركز كارتر غير الحكومي، أخبره عن قصة الفرصة الضائعة لتجنب الحرب.

ويمضي قائلاً: هذا ما أخبرني به باستور عبر الهاتف وتم تأكيده لاحقًا في إيميل إلى الدكتورة ماري إليزابيث كينغ، وهي مساعدة مقربة أخرى من الرئيس كارتر، وذلك في 8 ديسمبر من عام 2013، وتحديدًا قبل شهر من وفاة باستور.

ويلفت إلى أن باستور التقى بخالد مشعل، وهو رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، في دمشق في شهر ديسمبر من عام 2008. وقد سلمه مشعل اقتراحًا مكتوبًا حول كيفية استعادة وقف إطلاق النار. وفي الواقع، لقد كان اقتراحًا لتجديد اتفاق يونيو 2008 لوقف إطلاق النار وفق الشروط الأصلية. سافر باستور بعد ذلك إلى تل أبيب والتقى بالجنرال عاموس جلعاد، وهو مدير مكتب الشؤون السياسية في وزارة الدفاع. وقد تعهد جلعاد بأنه سينقل الاقتراح مباشرة إلى وزير الدفاع إيهود باراك، ومن المتوقع أن يحصل على إجابة إما في تلك الليلة أو في اليوم التالي. في اليوم التالي، اتصل باستور بمكتب جلعاد ثلاثة مرات دون أي رد. بعد ذلك بفترة قصيرة، أطلقت اسرائيل عملية الرصاص المصبوب.

ويتابع: في البريد الإلكتروني الذي أملاه لابنه وهو على فراش الموت، أذن لي باستور بنشر هذه القصة ونسبها له لأنها “لحظة مهمة في التاريخ تحتاج اسرائيل لقبولها لأن اسرائيل كانت تملك بديلًا عن الحرب في شهر ديسمبر من عام 2008”. لقد كانت لحظة حاسمة بالفعل وأوصلت رسالة واضحة: إذا كان هدف اسرائيل بالفعل حماية مدنييها، فإن كل ما كانت بحاجة لفعله هو أن تتبع مثال حماس عن طريق مراقبة وقف إطلاق النار.

ويقول ان ممارسة اسرائيل خلال حرب غزة الأولى كان محلاً للتدقيق من قبل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الذي أرسل لجنة تقصي حقائق ترأسها القاضي الجنوب الأفريقي المعروف، ريتشارد غولدستون، الذي صدف أنه يكون يهوديًا وصهيونيًا. وقد وجد غولدستون وفريقه أن كلًا من حماس وقوات الدفاع الاسرائيلية قد ارتكبا انتهاكات ضد قوانين الحرب عبر الإيذاء المتعمد للمدنيين. وتلقت قوات الدفاع الاسرائيلية انتقادات أكثر حدة من حماس بسبب النطاق الأكبر لانتهاكاتها وخطورتها.

ويستطرد: وقد حقق فريق غولدستون في 36 حادثة للجيش الدفاع الإسرائيلي علاقة بها. وجد الفريق 11 حادثة وجه فيها الجنود الاسرائيليين هجمات مباشرة ضد المدنيين بنتائج قاتلة، فيما تم إطلاق النار على سبعة مدنيين عندما كانوا يغادرون منازلهم ويلوحون برايات بيضاء، و”هجوم مباشر ومقصود” ضد مشفى، والعديد من الحوادث التي تم فيها منع سيارات الإسعاف من الوصول إلى أشخاص مصابين بشدة، وتسع هجمات على بنى تحتية مدنية ليس لها أهمية عسكرية، مثل مطاحن الدقيق ومحطات الصرف الصحي وآبار المياه – وكلها ضمن حملة تهدف لحرمان المدنيين من الضروريات الأساسية. ووفقًا لتعبير التقرير فإن الكثير من هذا الضرر واسع النطاق كان “لم يكن مبرراً بضرورة عسكرية وأجري بشكل غير قانوني وبطريقة عدوانية”.

ويضيف: في الخلاصة، أشار التقرير المؤلف من 575 صفحة إلى أنه بينما سعت الحكومة الاسرائيلية لتصوير عملياتها على أنها في الأساس رد على الهجمات الصاروخية في ممارسة حق الدفاع عن النفس، “فإن البعثة نفسها تعتبر أن الخطة موجهة، جزئيًا على الأقل، نحو هدف مختلف: وهو سكان غزة بالكامل”. وفي ظل هذه الظروف “فإن البعثة تخلص إلى أن ما حدث خلال ما يزيد عن ثلاثة أسابيع فقط في نهاية عام 2008 وبداية عام 2009 كان هجومًا مقصوداً وغير متناسب يهدف إلى معاقبة، إذلال وترويع السكان المدنيين، ويقلل بشكل جذري من القدرة المحلية الاقتصادية للسكان سواء على العمل وللتعويض عن نفسها، وإجبارها على الشعور المتزايد بالتبعية والضعف.”

وينوّه إلى أن الإدعاء بأن العملية كانت تهدف إلى “إرهاب السكان المدنيين” يحتاج للتأكيد. فالإرهاب هو استخدام القوة ضد المدنيين لأهداف سياسية. ووفقًا لهذا التعريف فإن عملية الرصاص المصبوب كان فعل من أعمال إرهاب الدولة. لقد كان الهدف السياسي هو إجبار السكان على رفض حماس، والتي ربحت بأغلبية واضحة في انتخابات يناير عام 2006.

ويشير إلى أنن عملية الرصاص المصبوب هي رمز لكل ما هو خاطئ في نهج اسرائيل تجاه غزة. فالصراع الاسرائيلي الفلسطيني هو صراع سياسي لا يوجد له حل عسكري. ومع ذلك تستمر اسرائيل في تجنب الخيارات الدبلوماسية والاعتماد على القوة العسكرية الغاشمة – وليس كملاذ أخير ولكن كملاذ أول. فالقوة هي الوضع الافتراضي. وتوجد مقولة اسرائيلية مشهورة تتلاءم معها: “إذا كانت القوة لا تجدي نفعًا، استخدم المزيد من القوة!”.

ويلفت إلى عملية الرصاص المصبوب كانت هي الخطوة الأولى فقط ضمن سلسلة من الحروب الاسرائيلية الصغيرة ضد غزة. لقد أُتبعت بعملية عامود السحاب في نوفمبر 2012 وعملية الجرف الصامد في صيف عام 2014. إن الأسماء الفارهة التي أعطيت لهذه العمليات تنطوي على الإحتيال، وتغطية لهجمات ضد مدنيين عزل وبنى تحتية مدنية بلغة الدفاع عن النفس النكراء. إنها أمثلة تقليدية عن الخطاب المزدوج الأوريلي. وقد وصف الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الهجوم الاسرائيلي في 1 أغسطس 2014 في رفح، والذي قتل فيه عدد كبير من المدنيين الذين لجؤوا لمدارس الأمم المتحدة بـ “العار الأخلاقي والعمل الإجرامي”. وينطبق هذا الوصف بالتساوي على كامل سياسة اسرائيل في شن الحروب على نزلاء سجن غزة.

وينوّه إلى أن يتحدث الجنرالات الاسرائيليين عن توغلاتهم العسكرية المتكررة ضمن غزة بأنها “جز العشب”. إن هذه المجاز تنطوي على مهمة يجب القيام بها بشكل منتظم وآلي دون نهاية. وهي تشير أيضًا إلى عملية الذبح العشوائي للمدنيين وإلحاق الضرر بالبنية التحتية المدنية والتي تستغرق عدة سنوات لإصلاحها.

ويختم شلايم مقاله الذي ترجمته “شرق وغرب” بالقول: إن “جزّ العشب” هو تعبير مبتذل مرعب ولكنه يقدم دليلًا على هدف أعمق خلف تجنب اسرائيل المستمر للدبلوماسية واللجوء المتكرر إلى القوة العسكرية الغاشمة ردًا على كل مظاهر المقاومة المشروعة والاحتجاج السلمي على حدودها الجنوبية. وفي ظل هذا النموذج القاتم، لا يمكن أن يكون هناك حل سياسي دائم: والحرب القادمة هي دائمًا مسألة وقت.

رابط مختصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.