وقفة سريعة في أحداث العام 2018

31 ديسمبر 2018آخر تحديث : الإثنين 31 ديسمبر 2018 - 9:39 مساءً
وقفة سريعة في أحداث العام 2018
عبدالعزيز الكيلاني

شهد العام 2018 أحداثاً ساخنة، كشفت القناع عن وجه العديد من اللاعبين، سواء في المنطقة العربية، أو على الصعيد الدولي.

فلسطين
أبرز هذه الأحداث كانت قرارات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، المتتالية فيما يتعلق بالصراع العربي-الإسرائيلي. حيث قام السيد ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والإعتراف بالمدينة كعاصمة لدولة إسرائيل، متجاهلاً التاريخ وحقوق الشعب الفلسطيني في المدينة المقدسة.

ولم يتوقف الرئيس الأمريكي عند هذا الأمر فحسب، بل قام بقطع المساعدات التي تقدمها بلاده لوكالة الغوث الدولية (الأونروا). خطوة إضافية، أظهرت انحيازاً ودعماً أمريكياً غير مسبوق لإسرائيل. وما من شك ان هذا الدعم الذي قدمه الرئيس ترامب للكيان الصهيوني، أوضح للعالم بأسره انه لا يمكن للولايات المتحدة  بعد الآن أن تلعب دور الوسيط في هذا النزاع الذي أمتد لعقود.

ولعل عدم اكتراث قادة بعض الدول العربية بكل هذا وإصرارهم على المضي قدماً في الهرولة والتطبيع العلني أثبت أنهم ليسوا جزءاً من شعوبهم. فلو كان منهم، لكانوا معهم، وما تجاهلوا رغبة شعوبهم. وعلى الرغم مما يشهده الشعب الفلسطيني من ظلم واستبداد وتنكيل، إلا أنهم تقاعسوا عن تحمل الأمانة التاريخية تجاه القضية المركزية. فبعد مضي نحو سبعة عقود من النكبة الفلسطينية، ومرور الأمة العربية بأحرج فتراتها، إلا أن العرب جسّدوا للعالم صورة توحي بأنهم لا يعرفون لهم دوراً غير بذر الشقاق، والعيش في جمود وسط خلافاتهم العميقة، وتناحراتهم الزائدة، وانشقاقاتهم السائدة.

قضية خاشقجي وحرب اليمن
ما من شك أن جريمة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي البشعة أيقظت العالم وجعلته ينظر إلى الجرائم التي يرتكبها التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن. حيث قامت جريمة خاشقجي بجعل الرأي العام العالمي ينتفض ضد ولي عهد – ربما ظن أن كل شيء له ثمن – مما جعل تلك الدول تراجع حساباتها.

وقد كانت الخطوة التاريخية التي اتخذها مجلس الشيوخ الأمريكي بشأن سحب القوات الأمريكية من اليمن، أكبر دليل على هذا. فهذه أول مرة يوافق فيها أحد مجلسي الكونغرس على سحب القوات الأمريكية من صراع عسكري بموجب قانون صلاحيات الحرب. وإن دل هذا على شيء، إنما يدل على أن الرئيس الأمريكي أصبح يعمّق الفجوة بينه وبين الهيئات الحكومية الأخرى، وذلك بسبب عناده في الدفاع عن الحاكم الفعلي لأغنى دولة عربية في الشرق الأوسط.

لقد حاولت السعودية أن تنكر وجود أية صلة لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بمقتل خاشقجي، إلا أنه من غير القابل للتصديق أن تحدث جريمة بهذه الطريقة التي جرت دون علم الحاكم الفعلي للبلاد. كما أن التسريبات التي كشفت أن قائد فريق الإغتيال، ماهر مطرب، قد أجرى عدة اتصالات مع مكتب محمد بن سلمان، في ساعات مقتل خاشقجي، قد صعبّت على المرء تصديق أن فريق الإغتيال قد نفذ العملية من تلقاء نفسه.

ولعل الحضور الضئيل لحلفاء بن سلمان في مؤتمر “دافوس في الصحراء” الاقتصادي الذي عُقد في الرياض، والإستقبال الفاتر الذي حظيه من قبل حلفائه الغربيين في قمة العشرين، قد رسم صورة توضح أين أصبحت مكانته الدولية.

مباحثات السويد

قبل ساعات من انعقاد مباحثات السلام اليمنية، أجريت اتصالاً بأحد أعضاء المكتب السياسي لجماعة أنصار الله الحوثية، وكذلك بأحد المسؤولين في حكومة الرئيس عبدربه منصور هادي، لأعرف رأيهم في المباحثات.

فمن جهة، قال لي عضو المكتب السياسي للحوثيين بأن الآليات المتبعة من قبل الأمم المتحدة خاطئة. وذلك لأنها “تجبرنا على التفاوض مع طرف لا يمتلك القرار بيده”، مشيراً إلى أن استمرار الحرب يصب في مصلحة حكومة هادي.

وأضاف انه يجب أن يكون هناك مساران: الأول داخلي، أي حوار يمني-يمني، يهدف إلى الوصول لإتفاق حول تشكيل سلطة انتقالية يتفق عليها جميع الأطراف، لافتاً إلى أنها ستمارس سلطتها على جميع المحافظات، تحمي المواطنين وتمثل اليمن في المحافل الدولية. والمسار الثاني عبارة عن مباحثات مع “دول العدوان” حتى يتم الاتفاق على إنهاء الحرب ورفع الحصار.

ومن جهة أخرى، قال لي المسؤول في حكومة هادي أن المباحثات كانت تتجه نحو “المجهول والمزيد من الغموض والتعقيد”.

واعتبر حينها ان القضايا التي يتم التفاوض حولها كالأسرى، والميناء والمطار ليست قضايا رئيسية. وبرأيه، فقد كانت احدى القضايا الرئيسية تسليم الحوثيين للسلاح وتنفيذ القرار الأممي 2216.

هذه النظرة التشاؤمية تدل على أن الطرفين لم يذهبا طوعاً، وإنما تم الضغط عليهما من قبل اللاعبين الكبار (السعودية، الولايات المتحدة، وإيران) لكي يذهبا إلى المحادثات. وما دامت الأجندات الخارجية تهيمن على إدارة الصراع، في ظل استمرار الحرب، فإنه من المستبعد أن يتم الوصول لأي اتفاق سلام.

ومن المؤسف أن الرئيس الأمريكي قد جعل بلاده شريكة في الجرائم التي يرتكبها التحالف السعودي في اليمن. وأحد الأمثلة على ذلك هو أنه تبيّن أن القنبلة التي استهدفت حافلة مدرسية تقلّ أطفالاً منذ أشهر، في محافظة صعدة، وتسببت بمقتل وإصابة عشرات الأطفال، كانت أمريكية الصنع، بحسب ما كشفت شبكة “سي ان ان” الأمريكية. وهذا ينبئ لنا أنه إن لم يتوقف الدعم الأمريكي للتحالف السعودي، الذي يستمر في تصعيده العسكري، فمن المحتمل أن تتفاقم الأمور بدلاً من أن تسير نحو خطوات إيجابية.

سوريا
إن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن سحب قواته من سوريا ليس أمراً مستغرباً، حيث سبق وأن أبدى نيّته حول ذلك. ولكن المستغرب هو التوقيت والطريقة التي باشر بها في إعلانه القرار، دون إعلام حلفائه في الشرق الأوسط مسبقاً، أو حتى استشارة المختصين بهذا الأمر في الحكومة الأمريكية، مما أدى إلى استقالة وزير الدفاع الأمريكي، جيمس ماتيس.

وقد كان مفاجئاً ان وزير الخارجية التركية، مولود جاووش أوغلو، قد قال في منتدى الدوحة قبل أيام من الإعلان، إنه يعتقد ان الرئيس الأمريكي ربما يفكر في سحب قواته من سوريا مجدداً. ومما يزيد المرء استغراباً، هو أنه في نفس اليوم الذي أعلن فيه ترامب سحبه للقوات، أقرت أمريكا صفقة صواريخ باتريوت لتركيا بقيمة 3.5 مليار دولار، مما يطرح أسئلة حول إن كانت تركيا على علم مسبق بهذه الخطوة أم لا. فلطالما تعودنا على أسلوب “التاجر” الذي ينتهجه السيد ترامب بدلاً من أسلوب “الرئيس”.

وسواء كانت تركيا على علم أو لم تكن، فمن غير القابل للتصديق أن حدثاً كهذا سيجري دون صفقة أو على الأقل اتفاق أمريكي-روسي. ويبدو أن الولايات المتحدة وروسيا قد وضعا خطتهما لتقاسم النفوذ في الشرق الأوسط.

كما يبدو أن الصراع الذي استمر نحو ثمانية أعوام في سوريا قد اقترب من نهايته، حيث أصبح واضحاً أن الرئيس الأسد وحلفائه قد كسبوا المعركة. وقد أبدى المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، تشارلز دان، رأيه في هذا الموضوع. إذ قال لي دان بأن قرار سحب القوات الأمريكية من سوريا هو الانقلاب المفاجئ الأخير لسياسة أمريكا حول سوريا.

وأضاف ان القرار “يترك حلفاءنا من المليشيات الكردية في حالة ضياع. ومسلحو الدولة الإسلامية (داعش) في أماكنهم، وهي أقوى إشارة حتى الآن أن بشار الأسد والروس قد فازوا بالحرب”.

وبحسب السياق الذي يجري الآن، فإن زيارة الرئيس السوداني عمر البشير، وقرار الإمارات والبحرين باستمرار عمل سفاراتهما في دمشق، بالإضافة إلى الزيارة المرتقبة للرئيس الموريتاني، محمد ولد عبدالعزيز، تدل على أن علاقات بعض الدولة العربية مع سوريا ستصبح أفضل مما كانت عليه في الأعوام السابقة.

كما أن إعلان العاهل الأردني، الملك عبدالله الثاني، قبل أسبوع، بأن علاقات بلاده مع سوريا ستعود كما كانت، يجب ألا تجعلنا نستغرب لو رأينا زيارة لرئيس الوزراء الأردني الدكتور عمر الرزاز إلى دمشق قريباً. فالإندفاعة العربية نحو دمشق لا يبدو أنها ستقتصر على الإمارات، والبحرين، والسودان، وموريتانيا فقط.

ختاماً

لقد واجهت الأمة العربية أحداثاً جسيمة خلال العام 2018، ويحدونا أمل كبير بأن يشهد العام المقبل توطيداً لأواصر هذه الأمة واجتماع كلمتها.

رابط مختصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.