انسحاب قطر من منظمة أوبك: اقتصاد، سياسة، أم كلا الأمرين؟

12 ديسمبر 2018آخر تحديث : الأربعاء 12 ديسمبر 2018 - 8:49 مساءً
انسحاب قطر من منظمة أوبك: اقتصاد، سياسة، أم كلا الأمرين؟
د. خليل جهشان

في خطوة جريئة وغير متوقعة، أعلن وزير الطاقة القطري سعد شريدة الكعبي عن نية حكومته بتعليق عضوية قطر في منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) وذلك اعتبارًا من 1 يناير من عام 2019. وقد وأضح الوزير الكعبي في الدوحة في الثالث من ديسمبر 2018 أن “قرار الانسحاب يعكس رغبة قطر بتركيز جهودها على خطط تطوير وزيادة إنتاجها من الغاز الطبيعي من 77 مليون طن بالسنة إلى 110 مليون طن في السنوات القادمة.”

وعلى الرغم من الهدف المعلن لهذه الخطوة، إلا أن الأهمية السياسية لهذا القرار تفوق بكثير آثارها الاقتصادية. ففي النهاية، تعتبر قطر واحدة من أصغر المنتجين في منظمة أوبك. ويبلغ انتاجها الحالي من النفط حوالي 2% من مجمل إنتاج منظمة أوبك. وبالتأكيد، فعلى مدى السنوات الخمس الماضية، “فإن كمية النفط الذي تنتجه قطر قد انخفض بثبات من حوالي 728.000 برميل في اليوم في عام 2013 إلى حوالي 607.000 برميل باليوم، أو أقل بقليل من 2% من مجمل إنتاج أوبك”. ويقدر إنتاج أوبك الإجمالي بولي 25 مليون برميل في اليوم، ويبلغ إنتاج السعودية لوحدها حوالي 10-11 مليون برميل في اليوم (أي حوالي 44% من مجمل الإنتاج من قبل اتحاد المنتجين).

سياسيًا، فإن قرار الدوحة بالانسحاب من الكتلة القوية المؤلفة من 15 منتجًا للنفط كان مهمًا للغاية على كل حال سواء في التأثير أو التوقيت. إن الحكومة المنشقة في قطر أصبحت بشكل أساسي أول دولة عربية أو عضو شرق أوسطي ينسحب من المنظمة بعد عضوية استمرت 57 سنة. إن هذا المشهد يضر بشكل واضح بسمعة منظمة أوبك وأعضائها المتبقين. إن مغادرة منظمة أوبك يطرح أسئلة جدية تتعلق بالاستمرارية طويلة الأمد للمنظمة وقيمتها المضافة لكل أعضائها، وخصوصًا الدول الصغيرة مثل قطر. إن هذا الأمر مضر للغاية بالمحاولات الجارية من قبل منظمة أوبك في افريقيا وامريكا اللاتينية لضم أعضاء جدد، وكان آخرها الكونغو في 2018 وغينيا الاستوائية في 2017 والغابون في 2016.

إن مسألة التوقيت هي أيضًا مهمة بنفس الدرجة. لماذا اختارت قطر هذا الوقت بالتحديد، أي قبل ثلاثة أيام من موعد اجتماع منظمة أوبك في فيينا في 6 ديسمبر، لتعلن عن هذا القرار المفاجئ بالمغادرة؟ يصر المسؤولون القطريون سرًا وعلانية على أن قرارهم كان استراتيجيًا ومدفوعًا فقط برغبتهم في الالتزام بالدقة والشفافية وليس بالسياسات الاقليمية، بما في ذلك نزاعهم الجاري مع الجيران المقاطعين لهم بقيادة السعودية.

لماذا تغادر فطر منظمة أوبك؟

وفي معرض شرحهم مببراتهم لمغادرة منظمة أوبك، قلل المسؤولون القطريون من أهمية الاعتبارات السياسية وركزوا قبل كل شيء على أولويتهم في تركيز جهودهم المستقبلية في الحفاظ على وتعزيز زعامتهم كـ “أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم”. فاليوم، تستحوذ البلاد على ما يقارب 30% من مجمل الإنتاج العالمي للغاز الطبيعي المسال، وهي مصممة على اتباع استراتيجية تقوم على النمو والتوسع بشكل أكبر، سواء في الداخل والخارج. وقد صرح وزير الطاقة الكعبي بشكل قاطع على أنه “في ضوء مثل هذه الجهود والخطط، وفي سعينا لتعزيز مكان قطر كمزود موثوق به وجدير بالثقة للطاقة حول العالم، فعلينا أن نتخذ خطوات لمراجعة دور قطر وإسهاماتها في مشهد الطاقة العالمي.”

ثانيًا، على الرغم من أن بعض المراقبين والمحللين السياسيين ربما يقدرون محاولة قطر للتخفيف من أهمية الظروف السياسية المحيطة بقرارها، إلا أنه يصعب التصديق بأن هذا القرار قد اتخذ في عزلة كاملة عن الصراع الاقليمي والتوترات التي تسم علاقاتها مع جيرانها من أعضاء أوبك الذين فرضوا مقاطعة ضد قطر في شهر يونيو/حزيران من عام 2017. ومن الواضح أن قطر قد توصلت إلى نتيجة بأن أزمة دول مجلس التعاون الخليجي قد أصبحت سمت دائمة للسياسات في الخليج العربي وأن الوقت قد أصبح ملائمًا للدوحة لتستخدم واحدة من أقوى أوراقها لإبعاد نفسها عن خصومها الاقليميين الذين يؤذونها وذلك من خلال توجيه هذه الضربة للرياض بينما تصر على حضور اجتماع أوبك في هذا الأسبوع في فيينا والوفاء بالتزاماتها تجاه المنظمة.

ثالثًا، لا يمكن إنكار أن قطر هي لاعب محدود الدور في اقتصاد إنتاج النفط ولذلك كانت تقوم بإعادة تقييم مساهماتها ومنافعها الخاصة من الحفاظ على عضويتها في منظمة أوبك. وقد غرد رئيس الوزراء ووزير الخارجية السابقة الشيخ حمد بن جاسم بن جابر آل ثاني في تويتر أن “انسحاب دولة قطر من منظمة أوبك هو قرار حكيم، فهذه المنظمة أصبحت عديمة الفائدة ولا تضيف لنا شيء. فهي تُستخدم فقط لأغراض تضر بمصلحتنا الوطنية”.

وقد أوضح السيد الكعبي بشكل أكبر “نحن لا نقول أننا سنخرج من قطاع النفط، ولكنه يتم التحكم به من قبل منظمة تدار من قبل دولة” في إشارة واضحة إلى السعودية بدون تسمية المملكة بالاسم. وأضاف، أن قطر كانت لا ترغب “بوضع جهودها ومواردها ووقتها في منظمة نشكل فيها لاعبًا صغيرًا للغاية، وليس لدي رأي فيما يحدث”. وبعبارة أخرى، فإن مغادرة قطر من منظمة أوبك “يشير إلى القيمة السياسية المنخفضة التي تراها في المجموعة”.

خطوة أخرى نحو الاستقلالية

إن خطوة قطر الجدلية قد ولدت إطراءً وازدراءً داخل المنطقة العربية وخارجها. فالمنتقدون في الخليج العربي، وخصوصًا أولئك المنتسبين إلى دول مجلس التعاون الخليجي المقاطعين لقطر، يشيرون إلى خطوة قطر الرمزية على أنها علامة أخرى على التباهي الفارغ نظرًا للتأثير المحدود للانسحاب على العرض والطلب العالميين على النفط. ويصرون على أن خروج قطر من منظمة أوبك “يعني القليل بالنسبة لحصة أوبك في السوق”. ومن المسلم به أن قطر هي منتج صغير، وتحتل المرتبة الحادية عشر على قائمة أكبر المنتجين في أوبك، ولذلك فإن انسحابها لا يُتوقع أن يكون مهمًا مالم يحذو الأعضاء الآخرون الغير راضون حذوها.

غير أن أنصار خروج قطر من منظمة أوبك مع ذلك يثنون على هذه الخطوة باعتبارها علامة أخرى على استقلالية الدوحة وأرسلت تحدٍ مباشر للهيمنة السعودية على سياسات إنتاج منظمة أوبك والتسعير. وهم ينسبون قرار الدوحة إلى تنامي النزعة الوطنية القطرية وحزم القيادة الشابة التي تشعر بأنها متمكنة بشكل كبير من خلال النجاح الاقتصادي والسياسي الساحق في مقاومة المقاطعة المستمرة منذ 18 شهرًا بقيادة السعودية ضد قطر والصمود أمام أزمة دولة مجلس التعاون الخليجي على الرغم من كل الصعوبات الاقليمية والدولية.

وقد خلص أندريس كريج، وهو محلل الأخطار السياسية في كلية كينجز في لندن، إلى أنه “يوجد شعور في قطر بأن هيمنة السعودية على المنطقة والعديد من المنظمات في المنطقة كان لها تأثير عكسي على رغبة قطر بتحقيق أهدافها التنموية… يدور الأمر حول تحرر قطر كسوق مستقل وتخلصها من القيود الخارجية.”

*المدير التنفيذي للمركز العربي في واشنطن دي سي

رابط مختصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.