قراءة في كتاب باسم لطفي رعد: التاريخ الخفي، فلسطين، حوض البحر المتوسط، المنطقة العربية

د. علي محافظة

صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب الذي نشر باللغة الانكليزية أصلاً، عن دار الآداب في بيروت سنة 2014، للأستاذ الجامعي المقدسي باسم لطفي رعد. وتولى الترجمة مجد طه محسن وعزة منير عبد المجيد. وهو دراسة علمية تاريخية لفلسطين وجوارها منذ أقدم العصور حتى اليوم. والكتاب من القطع المتوسط ويحتوي على نحو أربع مئة صفحة. ومن الجدير بالذكر أن مؤلف الكتاب قد تابع ترجمة كتابه وأدخل عليه تعديلات وإضافات ليخرج كعمل مستقل للجمهور العربي. ومن هذه الإضافات المهمة “تمهيد للإصدار العربي” في (22) صفحة.

تضمن هذا التمهيد موضوع الهويات في المنطقة وانشغال شعوبها بهذه الهويات المجزأة والمختزلة “متجاهلين إرثهم القديم العريق” بينما “سعى ويسعى كل من الغرب ومنظومة المزاعم الصهيونية من خلال مركبات مختلقة إلى الاستيلاء على التاريخ القديم للمنطقة وشيطنة شعبها”. وقد استولت القوى الغربية والصهيونية على بقايا حضارة المنطقة وفسرتها استناداً إلى المعلومات الواردة في العهد القديم. والهدف من هذا الاستيلاء إبقاء المنطقة مفرقة كما رسمها الاستعمار الغربي وعيّن حدودها، ومقطوعة عن ماضيها القديم. ولذا يصر المؤلف على ضرورة أن يعيد شعب المنطقة صياغة فهمه لتاريخه العريق والصلات بين أجزائه، وتجاوز الفهم الدارج، من أجل بناء هوية جامعة تعتمد على الارتباط الشرعي بالأرض والتاريخ. ويوضح المؤلف أن تركيزه على فلسطين بسبب أهميتها ومركزيتها في الصراع القائم حالياً بين الحركة الصهيونية المدعومة من الغرب وبين شعب المنطقة.

يدور الكتاب في مجمله على المؤامرة الغربية- الصهيونية للحيلولة دون وضع تاريخ صحيح وحقيقي وشامل للمنطقة، والخلط بين الحقائق التاريخية والروايات الدينية الواردة في العهد القديم، والإصرار على تكريس لمفاهيم خاطئة من الماضي لخدمة مصالح سياسية محددة في الحاضر صهيونية وغربية. ويرى المؤلف أن الماضي الحقيقي مازال مخفياً، ويطالب بضرورة نبشه والكشف عنه ليبدد ما لحق به من تشويه وتعتيم. ويرى أيضاً أن الدراسات البحثية الغربية والصهيونية والمحلية متواطئة.

والكتاب جزءان في مجلد واحد: أولهما يتناول الأساطير والديانات والثقافات القديمة، ويحتوي على خمسة فصول، أولها بعنوان “أظافر كنعان: التصورات المثالية واستخداماتها”. يلاحظ المؤلف مفارقة في الأبحاث الأثرية والتاريخية الغربية والصهيونية في تسليط الضوء على كنعان وأرض كنعان باعتبارها “أرض الميعاد” أو “الأرض المقدسة” كاسم من أسماء فلسطين. وفي الوقت نفسه يعد الكنعانيين أناساً أشراراً لا يستحقون العيش فيها.

يعزو المؤلف هذا الموقف الغربي إلى العداء للمسلمين وللدولتين العربية الإسلامية والعثمانية، والتنافس معهما، واندلاع الحروب الصليبية، والغزو الأوروبي الحديث للبلاد العربية. ويذكر المؤلف لعنة نوح لابنه كنعان لأنه رآه عارياً كما جاء في العهد القديم، وهي السبب في كراهية اليهود للكنعانيين، وتشبه هذه الرواية رواية نبذ إبراهيم لابنه إسماعيل وتفضيله لابنه إسحاق. وتوسعت هذه النظرية العدائية والدونية لتشمل السراقنة (المسلمين أو العرب) و”المحمديين” و”المورو” (أي مسلمي الأندلس). ومنذ سنة 1620 عرف المستعمرون الأوروبيون من البروتستانت البيوريتانيين أنفسهم بأنهم “الشعب المختار الجديد” الذي سيمنح أرض ميعاد جديدة. ووصفوا الأفارقة السود بأنهم من نسل كنعان. واعتبر البريطانيون من الملتزمين بالعهد القديم وعد بلفور تماهياً مع الكتاب المقدس وعملاً ملحمياً.

وفي مقابل هذا الموقف المعادي للكنعانيين يذكر المؤلف أن الكنعانيين اخترعوا الأبجدية ونقلها عنهم اليونانيون، وأقام سكان الساحل منهم (أي الفنيقيون) مدناً على سواحل البحر المتوسط في تونس وليبيا وإسبانيا. ونشروا حضارتهم في هذه المنطقة وأقاموا دولة قوية لهم عاصمتها قرطاج، خاضت صراعاً مميتاً مع الرومان. وظلت صورة العرب مشوهة (بدو الصحراء).

ومنذ القرن التاسع عشر الميلادي انطلقت الرحلات من أوروبا نحو أرض الكتاب المقدس. وتكونت جمعيات ومؤسسات لدراسة فلسطين بناء على الاعتماد على الكتاب المقدس مثل: أبحاث توراتية في فلسطين Biblical Researches in Palestine لإدوارد رونبسون Edward Robinson، وغيرها كثير.

استفاد المشروع الصهيوني من التراكمات الدينية والثقافية الغربية وطورها لصالحه. فالفلسطينيون عرب لأنهم يتكلمون العربية، والعرب هم أبناء إسماعيل المستثنى من النسب إلى إبراهيم حسب رواية العهد القديم.

تؤكد الاكتشافات الأثرية الحديثة أن قصص العهد القديم منقولة من أساطير السومريين والأكاديين والبابليين والفراعنة في مصر، وما ورد في أوغاريت ولفائف قمران وكونتيلة عجرود.

وصنف مؤلف الكتاب الغربيين والصهاينة الذين قاموا بالبحوث الأثرية والتاريخية القديمة في خمس فئات هي: المكرسون، والمحرفون، والكاتمون، والمراوغون، والمفندون. وكلهم يؤمنون بصدق رواية العهد القديم. فالمحرفون هم عادة من الإسرائيليين الذين يبحثون عن تأكيد مزاعمهم الصهيونية، أو متعاطفون غربيون معهم. والكاتمون هم الذين يصرون على عدم الاعتراف بالتأثير الحقيقي للمعلومات الجديدة على فهمهم، وبذلك يقومون بالمراوغة والإخفاء. والمراوغون هم الذين يستغلون الاكتشافات الجديدة ويعترفون بالحاجة لمراجعة التاريخ، وذلك من خلال توليد نظريات جديدة تؤكد المزاعم القديمة بطريقة أكثر ذكاء. فهؤلاء يرفضون نظرية غزو يوشع لأرض الميعاد المناقضة لبراهين علم الآثار، ولكنهم يقولون بـ “الهجرة السلمية إلى فلسطين”. ومنهم من يقول إن الكنعانيين هم بنو إسرائيل.

ويذكر المؤلف من مفندي الفهم القديم التوراتي: إدوين جيمس E. O. James، وهنري ساغس H. W. F. Saggs، وألان كاي Alan S. Kaye، وولتر بيركت Walter Burket، ودونالد ردفورد Donald B. Redford، ومارك سميث Mark Smith، ومارتن برنال Martin Bernal، وتوماس تومسون Thomas Thomson، وفيليب ديفيس Philip Davies، وكيث ويتلام Keith Whitelam، وزئيف هرتسوغ Ze’ev Herzog، وشلومو ساند Shlomo Sand. يضاف إليهم عدد من الباحثين العرب أمثال: قاسم الشواف وعصام سخنيني وفراس السواح، والمؤرخين الإسرائيليين الجدد.

وينتقد المؤلف الباحثين العرب الذين يتبنون الرواية التوراتية وأولئك الذين يقصرون أبحاثهم على التاريخ القديم لبلادهم.

يرى باسم رعد أن أكبر المغالطات إبقاء حضارات المنطقة القديمة منفصلة وغير متواصلة بعضها مع البعض الآخر. ومن هذه المغالطات ربط اللغات القديمة بكيفية كتابتها. فاللغة بالأساس صوت وليس كتابة والكتابة مجرد رموز تم الاصطلاح عليها. واللغة العربية هي أساس اللغات الأكادية والكنعانية والأوغاريتية والفينيقية والآرامية والعربية الجنوبية. والنظريات الغربية حول اللغات السامية الشمالية تستثني اللغة العربية، وهي المستودع الحي لجميع اللغات القديمة في المنطقة. ويؤكد رعد أن اللغة العبرية المربعة هي تطور لاحق للآرامية المربعة.

في الفصل الثاني من الجزء الأول يتناول المؤلف “أصول الديانات التوحيدية”، ويرى أن هذه الديانات امتداد للعبادات الدينية متعدد الآلهة السابقة لها. ويؤكد أن اليهود عبدوا إلهين هما: إيل ويهوه ابن إيل. وفي سورية الكبرى كان يعبد بعل إله الخصب وموت إله الجفاف.

يذكر رعد أن الاكتشافات الأولية التي تمت على يد جورج سميث George Smith في العراق تبين شبهاً بما جاء في سفر التكوين في العهد القديم. واكتشف في لوح آشوري من القرن السابع قبل الميلاد عهد مماثل للعهد بين الإله يهوه والعبرانيين كما جاء لاحقاً في سفري التكوين والخروج. ويؤكد المؤلف أن عمليات التنقيب في القدس وجوارها لم تسفر عن أي أثر واحد لملك يسمى “دود” أو “داود”. وتدل نقوش كونتيلة عجرود التي عثر عليها سنة 1976 وتعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد على أن الآلهة يهوه وإيل وبعل والآلهة أشيرة كانت تعبد في فلسطين. كما أن لفائف قمران أو البحر الميت، التي اكتشفت سنة 1947، تشير إلى وجود مجلس للآلهة.

كان أقوى المخطوطات موثوقية في اللغة العبرية للعهد القديم هي النص الماسوري، وأقدم نسخة منه هي الموجودة في ليننغراد (بطرسبرغ) التي تعود إلى نحو ألف عام. والمخطوطة الوحيدة الأقدم منها كانت الترجمة السبعينية للعهد القديم، وهي ترجمة إلى اليونانية تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد. يقول المؤلف لم يلحظ المترجمون وجود تحريف، أو قاموا به بأنفسهم أو سعوا عن قصد إلى الإبقاء عليه، فأخفوا وجود أكثر من إله في النص التوراتي نفسه أو حذفوا تعبيرات قد لا ترقى إلى مستوى التوقير المتوقع في كتاب ديني.

يرى المؤلف أنه لا يمكن التمسك بالفكرة القائلة بأن التوحيد كان موجوداً قبل نحو ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف سنة في زمن إبراهيم أو يعقوب أو موسى أو داوود أو سليمان. ولم تكن فكرة الإله الواحد موجودة في العهد القديم حتى في القرنين الأول والثاني قبل الميلاد، كما تدل عليه لفائف قمران.

أما محاولة الربط بين العهد القديم والعهد الجديد فقد تمت كما يلي: وضع إنجيل متى في الترتيب الأول في العهد الجديد مع أنه ليس أقدم الأناجيل، لأنه يربط يسوع المسيح بسلالة داوود بخلاف إنجيل لوقا الذي يتحدث عن سلالة نسب مختلفة تربط يسوع بآدم. ولكن كيف يتصل نسب يسوع بهؤلاء وهو نفحة من روح الله، وقد ولدته أمه من دون دنس. هذا ما أكده رعد في كتابه.

ويذكر رعد أن آلهة بلاد الشام ومصر مثل: تموز وحورس وأوزيريس وبعل وسالم وأدونيس جميعهم أبناء الله، وولدوا بلا دنس وجميعهم يقاسون ويضحون ويموتون ويقومون من الموت. وأن شخصية يسوع تعكس ثقافة فرعية شعبية في فلسطين كانت تخالف رؤساء الكهنة اليهود التقليديين. ويرى رعد أن إنجيل يوحنا يحتوي على أدلة تفيد بوجوب عدم الربط بين يسوع وبني إسرائيل أو إلههم. يروي المقطع 1: 43- 47 من إنجيل يوحنا حادثة يرد يها يسوع الصاع بالصاع لنثنائيل. فهذا الأخير يسأل سؤالاً تهكمياً ظناً منه أن يسوع لا يسمعه: “أمن الناصرة يمكن أن يكون شيء صالح” فيستد منه يسوع ونثنائيل مقبل عليه قائلاً بتهكم واضح (الآية 47): “هو ذا إسرائيلي حقاً لا غش فيه”. ورد يسوع هذا فيه تنميط لبني إسرائيل بأنهم مخادعون. والأهم من هذا أن يسوع لا يعتبر نفسه من بني إسرائيل.

وعنوان الفصل الثالث من الجزء الأول “الأماكن المقدسة وجذورها الوثنية”. يرى رعد أن المعتقدات السائدة تفترض أن شخصيات تاريخية وردت في العهد القديم مثل نوح وإبراهيم وداوود هي شخصيات تاريخية وأنبياء، في حين أن علماء الآثار والتاريخ يميلون إلى اعتبارهم شخصيات أدبية أو أسطورية. وأن لا صلة حقيقية تربط بين المواقع في فلسطين والروايات التوراتية التي ألصقت بها. ويؤكد تعذر معرفة أين دفن نوح ويوسف وأين ولد المسيح وأين دفن. ويرى أن زيارة هيلانة والدة الإمبراطور الروماني قسطنطين لفلسطين قد تمت سنة 323 ميلادية، وكانت علامة فارقة في تحديد وتعيين الأماكن المقدسة المسيحية فيها.

ويذكر المؤلف محاولات الإسرائيليين للاستيلاء على الأماكن المقدسة الإسلامية في الخليل والحائط الغربي في سور المسجد الأقصى (حائط البراق)، والبحث عن هيكل سليمان، ومقام النبي موسى بين القدس وأريحا الذي بني في عهد السلطان المملوكي الظاهر بيبرس سنة 1269م. وتضمن كتاب ميرون بنفينيستي Miron Benvenisti، الكاتب الإسرائيلي، “المشهد المقدس Sacred Landscape” ظاهرة استيلاء الإسرائيليين على المواقع المقدسة الإسلامية.

وفي الفصل الرابع من الجزء الأول من الكتاب “أوغاريت: ما تبوح به مدينة قديمة” يذكر المؤلف أن مزارعاً سورياً اكتشف بالصدفة أوغاريت (رأس شمرا) سنة 1928، وأن سيدة مصرية عثرت على رسائل تل العمارنة سنة 1885، وأن مجموعة من البدو هي التي اكتشفت مدينة ماري (تل الحريري) سنة 1933، وأن فلاحاً مصرياً اسمه محمد علي السمان اكتشف الأناجيل الغنوصية في نجع حمادي سنة 1945، وأن راعياً بدوياً فلسطينياً اسمه محمد الديب هو الذي اكتشف لفائف قمران قرب البحر الميت سنة 1947، غير أن هؤلاء جميعاً لا يعتبرون المكتشفين لهذه الوثائق القيمة، ولا تذكر أسماؤهم لتذكرها الأجيال القادمة. وهو خطأ يجب تصويبه.

يرى المؤلف أن لأوغاريت وما اكتشف فيها صلة وثيقة بفلسطين، وساهمت في إيضاح أسماء الآلهة الواردة في العهد القديم. وفيها اكتشفت الأبجدية المسمارية. ويتحدث المؤلف بتوسع عن الآلهة بعل وإيل وعنات وموت ويهوه. ويرى أن اللغة الأوغاريتية الأقرب إلى اللغة العربية. وأن (70) في المئة من ألفاظها وكلماتها تحمل المعنى نفسه في العربية. وأهم الباحثين الذين أدركوا هذه الحقيقة مانفريد ديتريش Manfred Dietrich، ووايات Wyatt مؤلف كتاب “أوغاريت: الدين والثقافة Ugarit, Religion and Culture”، ويؤكد ديتريش وأوزوالد في كتاب “دليل الدراسات الأوغاريتية Handbook of Ugarittic Studies” أن الأوغاريتية مطابقة للغة العربية . ويقول ألان كاي Alan S. Kaye إن الأوغاريتية تتشارك بخصائص مع العربية تفوق ما يريد المصنفون أن نعتقده.

في الفصل الخامس وعنوانه “دواليب الحظ: الأبجدية”، يذكر المؤلف أن قدمس الذي تذكر الرواية أنه سافر من مدينة صور على الساحل الفينيقي أسس في اليونان مدينة طيبة وأدخل الأبجدية إلى اليونان وأوروبا. ويرى أن مصر وبلاد الهلال الخصيب أبدعا إنجازين عظيمين هما الكتابة الهيروغليفية والكتابة المسمارية. وكانت كل منهما تحتوي على عشرات الرموز المعقدة. ويعتقد المؤلف أن جبل لبنان أو جنوب فلسطين اكتشفت الأبجدية السينائية في سرابيط الخادم في سيناء. وكانت الأبجدية تكتب في كل الاتجاهات (من اليمين إلى اليسار أو من اليسار إلى اليمين أو من الأعلى إلى الأسفل أو من الأسفل إلى الأعلى). ولكن أبجدية أوغاريت كانت تكتب من اليسار إلى اليمين.

ولإنكار هذا الاختراع العظيم ادعى ليونارد شلاين Leonard Shlain في كتابه “الآلهة مقابل الأبجدية The Goddess versus the Alphabet” الصادر سنة 1998، أن الإله يهوه أنزل الأبجدية في هذا العالم على الذكور من شعبه المختار، خلال الخروج من صحراء سيناء.

أما الجزء الثاني من كتاب باسم رعد فيحتوي على ستة فصول هي من السادس حتى الحادي عشر. يبدأ الفصل السادس وعنوانه “آخر الفينيقيين: أسئلة حول الهوية” بتأكيد المؤلف في بدايته على أن الماضي بعيد المنال وبالتالي قابل للاستغلال من قبل من يملكون أدوات تطويعه من أجل بسط هيمنتهم.

يذهب توب فنكلشتاين Tubb Finkelstein المؤرخ الإسرائيلي إلى أن الكنعانيين هم أنفسهم بنو إسرائيل. وقد غيروا عقيدتهم ودينهم ببساطة وسلام. تسعى هذه النظرية لاستبدال نظرية الغزو على يد يوشع إلى ادعاء آخر بالشرعية. يتجاهل الإسرائيليون وأنصارهم الغربيون أن انفصال اليهود عن فلسطين وعن المنطقة آلاف السنين كافية لمحو أي آثار لهم. ويؤكد رعد أن لا صلة بين العبرانيين وبني إسرائيل، أو الربط بين يهود اليوم واليهود الذين عاشوا قبل ألفي سنة. والهدف من وراء ذلك خلق هوية قومية تمتد حوالي أربعة آلاف سنة. ويأتي المؤلف بالبراهين على ذلك. وأن اختراع الشعب اليهودي تم قبل مئة وخمسين سنة فقط. ويؤكد أن اليهودية كانت ديانة تبشيرية وحيوية ما بين القرن الثاني قبل الميلاد والقرن الثامن الميلادي. وانتشرت في بلاد ما بين النهرين وفي اليمن وفي شمال أفريقيا وشرق أفريقيا وجنوب الهند وفي بلاد الخزر جنوب روسيا. وقد حذفت جميع هذه المناطق والممالك اليهودية التي نشأت فيها، وتم التركيز على فلسطين لأهداف دينية واستعمارية استيطانية منذ بداية العصور الحديثة.

يتناول المؤلف في هذا الفصل مسألة الهوية الفلسطينية، ويرى أن هذه الهوية شهدت مراحل من الكمون والتعددية بالانتماء تارة إلى قرية أو بلدة أو ديانة أو طائفة بالمعنى الضيق لها، أو إلى سورية الكبرى أو للقومية العربية. ولكن الهوية الفلسطينية أصبحت بعد نكبة سنة 1948 ظاهرة أكثر تعقيداً. ويرى أيضاً “الهوية الأفضل للجميع هي هوية أقل تكلفاً تستند إلى تراث ثقافي مشترك، تتسامى فوق الانتماءات القومية أو الدينية أو ما يشبهها من معرّفات ضيقة وإشكالية. هوية جامعة لكافة شعوب المنطقة وشاملة للحقب المختلفة من تاريخها”.

يخطئ باسم رعد، في نظري، عندما يقول “أن فكرة الوعي القومي أساساً مضللة إلى حد بعيد، وهي في الغالب نتاج هوس أعمى وتشريب عقائدي وليست وعياً إيجابياً. يصر رعد على الماضي السحيق وربط الفلسطينيين به الماضي الكنعاني، وهو بهذا يتبنى وجهة النظر الصهيونية والغربية المناصرة لها، وهي وجهة النظر التي تبنتها بريطانيا وفرنسا عند اقتسامهما للشرق العربي بموجب اتفاق سايكس- بيكو Sykes-Picot Agreement سنة 1916. وإنشاء كيانات سياسية تراعي رواية العهد القديم لتاريخ المنطقة، وإعادة تسمية مختلف المناطق وسهولها وأنهارها وأوديتها بالتسميات القديمة من أجل ترسيخ هذه الكيانات السياسية وإضفاء المشروعية التاريخية على كل منها.

يعود المؤلف في الفصل السابع إلى “الاستحواذ الصهيوني على حضارة المنطقة” وعلى تاريخها. ورافقه مصادرة لأرض فلسطين وممتلكات الفلسطينيين وعلى أفكارهم وثقافتهم وحتى على أسماء أطعمتهم ومشروباتهم، وإنكار حقيقة أن الفلسطينيين هم سكان البلاد الأصليون. ولم يقتصر الإسرائيليون في هذا الاستحواذ على فلسطين بل امتد إلى جميع بلاد الشام والعراق، بعد الاحتلال الأمريكي له سنة 2003. وشمل الاستحواذ الصهيوني العملة “الشاقل” البابلية الأصل. وبلغ الأمر في الاستحواذ ذروته بإصدار قانون المواطنة في هذا العام.

يأخذ باسم رعد على الفلسطينيين اعتمادهم على الكلام الخطابي العاطفي، أو على الأصولية الإسلامية كرد فعل، دون أن يعوا بالكامل تداعيات الوضع التاريخي الشامل. وينادي رعد بضرورة تفكيك الاستحواذ الصهيوني، وصياغة رواية فلسطينية أصيلة كاملة قادرة على مواجهة الاختلاقات الصهيونية الأحادية.

في الفصل الثامن وعنوانه “استعمار الذات: أعراض ونتائج” يعني المؤلف باستعمار الذات القبول الذي لا جدال فيه لتلقين عقيدة ولبعض المعارف والقيم الثقافية، من قبل نظام ما على شعب أن يؤمن بها. “فالصهيونية تهدف إلى نزع ملكية الفلسطينيين، وهم السكان الأصليون، وانتزاعهم من أرضهم بصورة كاملة – وقد نجحت في ذلك بصورة جزئية – وأن تنصب نفسها، بدلاً من ذلك، الكيان الأم. ترغب الصهيونية من خلال هذه العملية تشتيت وطرد الثقافة الفلسطينية لجعل أصحابها يشعرون بأنه ليس لديهم حقوق في الأرض على الإطلاق، وأن تدمغ صوراً وتاريخاً على الأرض وفي العقل على السواء”.

ويرى المؤلف أن الاستعمار الذاتي ظاهرة تصيب المستعمر والمستعمرين على حد سواء وبأشكال مختلفة “يمسك المستعمرون بزمام السلطة ويحتكرون كل أشكال السيطرة المنهكة ويتلاعبون بالمعرفة. إنهم يملأون عقول الناس بأفكار وخرافات تساعد على انتزاع دعم منهم لتنفيذ المشروع وتبريره … والاستعمار الذاتي يعمل في غير صالح المظلومين والمقهورين الذين يميلون لإحلال لغة وحقائق وأفكار وقيم في داخل نفوسهم تتعارض مع مصلحتهم الوطنية أو الثقافية… وفي استعمار الذات يتقبل المرء ما هو مخالف لهويته ومصلحة الجماعة”. وهو في هذا المصطلح “استعمار الذات” يقترب من رأي المفكر الجزائري مالك بن نبي القائل بقابلية بعض الشعوب للاستعمار.

يعرض المؤلف محاولات إسرائيل في تكريس الاستعمار الذاتي في مناهج التعليم، وفي إعداد الأدلة السياحية، ويناقش مسألة تحرير عقل المستعمر من استعمار الذات، واستعادة الهوية الوطنية.

ويدور الفصل التاسع على “قطط القدس” وحالتها المهلهلة وعزلتها. وهي تعكس حالة المدينة المقدسة التي تتعرض للعنف ووسائل الاضطهاد والقهر القاسية. ويتناول القطط في الأدب الغربي الحديث. ويسرد محاولات إسرائيل لتهويد القدس منذ سنة 1967.

ويتناول المؤلف في الفصل العاشر “أسماء الأماكن: نظرية جديدة” فقد سعت إسرائيل منذ سنة 1948 إلى تغيير أسماء المدن والقرى والمواقع الجغرافية المختلفة في فلسطين، وتسميتها بأسماء عبرية. والهدف تحويل خريطة فلسطين لخريطة عبرية. وهي تنطوي على ادعاءات لغوية وتاريخية ومغالطات جرى اختلاقها من أجل الحط من اللغة العربية وأصالة أسماء المواقع الجغرافية والحقوق الوطنية الفلسطينية. وفي الخريطة الإسرائيلية نجد أشكيلون محل عسقلان، وعكو محل عكا، ويافو محل يافا… إلخ.

يقترح المؤلف نظرية جديدة في محاولة لتصحيح السجل التاريخي ومقاومة الهيمنة الأكاديمية الصهيونية والغربية عبر عدة عقود من الزمن. وتقوم النظرية الجديدة على اعتبار الأسماء العربية للمواقع الجغرافية الفلسطينية هي الصيغ المستمرة والطبيعية، والكشف عن الأخطاء والمغالطات والاختلاقات في الأسماء العبرية. ويضرب المؤلف أمثلة عديدة على ما فعله الإسرائيليون في أسماء المدن والقرى والأودية والسهول والأنهار والينابيع وغيرها من الجغرافية الطبيعية والبشرية لفلسطين.

في الفصل الحادي عشر وهو الخاتمة وعنوانها “تراث المنطقة يكشف تاريخها المخفي”، يبيّن المؤلف أن تاريخ فلسطين، كما كتبه مؤرخو الغرب وإسرائيل، ينطوي على تسلسل زمني لأحداث ضمن إطار شامل يهدف إلى تأكيد حضور يهودي وترابط بين الروايات التوراتية. كما يستند إلى روايات دينية أسطورية مغلوطة. ويعمل هذا التاريخ المزيف إلى تجريد السكان الأصليين من الإنسانية ومن القدرة على العمل والإنتاج من قبل مستعمر يشتهي أرضهم. ونظر هؤلاء المؤرخون إلى القرويين الفلسطينيين وكأنهم بقايا أحفورية. وغيّب الفلسطينيون في هذا التاريخ المخترع. وقدم المؤلف أمثلة عديدة على هذا التاريخ المزيف.

وبالمقابل يذكر دارسي الفولكلور الشعبي والعادات في فلسطين أمثال توفيق كنعان وديمتري برامكي وشريف كناعنة وعبد اللطيف البرغوثي وعلي قليبو، ويشيد بمؤلفاتهم وأعمالهم الأدبية والفنية. ويختم الكتاب بالحث على الكشف عن التاريخ المخفي لفلسطين والمنطقة المجاورة لها.

إنه كتاب قيم ودراسة معمقة في ميدان قلّ أن تناوله باحث بهذا العمق والتحليل والنقد العلمي. وهو جدير بالقراءة والاقتناء.

2018-11-28 2018-11-28
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

.