آليات التغيير في العمل السياسي في فلسطين

عوني المشني

عوني المشني : كاتب سياسي فلسطيني.

آليات التغيير في المجتمعات متغيرة ومختلفة ، المتغير فيها التقنيات الفنية وشعارات المرحلة والأدوات ، اما المختلف فهو طبيعة المجتمع ثقافته ومستوى وعيه ونضوج الظرف العام للتغيير وطبيعة القوى المراد تغييرها . لهذا فلا يمكن التعاطي مع اليات التغيير بدون اخذ المتغير والمختلف في الاعتبار ، ودراسة كل حالة على حدة وفق ظروفها . في الحالة الفلسطينية فان هناك ضرورة لقراءة الواقع قراءة عميقة لاستنباط اليات التغيير وبإيجاز مكثف يتناسب مقاله بحجم كهذا فان الحالة الفلسطينية يتداخل فيها الوطني والحياتي الخدماتي في ظل تجمعات فلسطينية مختلفة الظروف والاحتياجات ويجمعها الهم الوطني العام ، ورغم ارتفاع منسوب التعليم ووجود نخب ثقافية متميزة الا ان الموروث العشائري والعائلي ما زال ذو تاثير على تشكيل النخب ، يوجد تداخل التأثيرات الإقليمية على الواقع الفسطيني حيث اصبح هذا العامل مؤثرا نتيجة تشتت الفلسطينيين في دول مختلفة اضافة للأبعاد العربية والإسلامية والدولية للقضية الفلسطينية ، جانب اخر مهم في الحالة النضالية وهو الشرعيات ومصدرها ، حيث شكل البعد الكفاحي التحرري تاريخيا اهم مصادر الشرعية خاصة بعد تراجع نسبي للشرعية العشائرية ، لكن في الآونة الاخيرة فان تراجعا ملحوظا للشرعية النضالية بدا يظهر بوضوح ليزداد تاثير العشائرية حينا ورأس المال حينا اخر والتعليم في بعض الأحيان .

يلاحظ ايضا ارتفاع تاثير البعد الحياتي للتجمعات الفلسطينية على حساب البعد الوطني وهذا جعل التجمعات تتطلع لما يؤثر في مسار ظروفها المعيشية وهذا اضعف الى حد ما الكثير من تاثير النخب النخب التي استمدت شرعيتها من البعد النضالي لصالح شرعيات محلية تؤثر في البعد المعيشي والحياتي . ما عكس نفسه بشكل مباشر على الوضع الفلسطيني هو حالك التعثر السياسي التي وصلت الى حد الفشل او هكذا تبدو ، في ظل هذا الوضع تآكلت الى حد كبير شرعيات الفصائل الفلسطينية القائمة على البعد النضالي وبدى ان الوضع يتغير سريعا باتجاه تحطم التابو الذي كان يعطي لتلك الفصائل قداستها ، يبدو هذا واضحا عندما تتطلع الى قوى اليسار الفلسطيني ، بينما عندما يتعلق الامر بفتح او حماس فالوضع مختلف ، فتح كونها تنظيم السلطة الحاكمة او سلطة التنظيم الحاكم ارتبط قطاع عريض من الجمهور بها مصلحيًّا ومعيشيا حيث الوظائف والخدمات والى ما ذلك ، اضافة الى كونها شكلت سلطة أمنية تشكل سياجا وتهديدا للحريات لهذا نجد ان هناك التفاف حولها نابع اما من المصلحة او الخوف ، هذا بالنسبة لفتح بينما الامر لحماس فإضافة لكونها في القطاع تمثل مصلحة لقطاع مرتبط معها مصلحيًّا وتشكل تهديد لقطاع يتعارض معها فهي تستخدم العامل الديني لتحصين نفسها بشرعية اضافية ، وهي تسخر الدين لهذا الهدف ، لهذا فان شرعية تلك الفصيلين لم تعد تلك الشرعية النضالية او الوطنية او الدينية وانما شرعيات مصلحة ونظم أمنية واستخدام مسوغات دينية ووطنية .

هذه ابرز مظاهر الوضع الوضع الفلسطيني بما يخص موضوعنا ، وعلى ضوء هذا التوصيف نستطيع استنباط اليات التغيير …… ما من شك بان الرؤية الوطنية الجامعة لا زالت وستبقى ما بقيت قضية التحرر والحريّة كمعطى اساس لاي عملية تغيير ، لا يمكن لاي قوة تتجاوز هذا المعطى ان تحقق تقدما على صعيد الشعب الفلسطيني ، وهذا المعطى قد يكون اهم عامل محبط للتغيير في ذات الوقت ، فالقوى السائدة قد تتمسك بهذا المعطى ولو استعراضيا لترمي قوى التغيير بتهم تمس تمسكهم بالبعد الوطني الجامع ، وربما الفصائل الفلسطينية اكثر من يستخدم هذه الفرية بهدف الإبقاء على قيادتها للحالة الفلسطينية ، لكن البعد الوطني دون رؤية وبرنامج وأدوات لا يعدو كونه شعار لكسب الجمهور ليس اكثر لهذا فان النجاح في استخدام البعد الوطني كأساس للتغيير يستلزم استخدام مفاعيل قادرة على احداث متغيرات تستطيع ازالة حالة الاحباط الفلسطينية التي تتعزز باستمرار الفشل .

جانب اخر يحتل جانبا أساسيا في نجاح اي عملية تغيير وهو الأخذ بالاعتبار ان الشعب الفلسطيني يحتاج الى رؤيا جامعة تتجاوز التشرذم الفصائلي والبعد العشائري والخصوصية المتعلقة بمكان السكن سواء في اي من مناحي الوطن او الشتات ، ولعل ابرز ملامح المرحلة هي فقدان الفصائل الفلسطينية عمليا هذا البعد وان كان كشعار ما زال قائما ، بدون رؤيا جمعية فان الشعب الفلسطيني قد لا يستحيب لاستراتيجيات التغيير اذا امتلكنا رؤية وطنية جامعة نكون قد وضعنا حجر الاساس للتغيير ، ولكن هذا ليس كل شيئ ، التغيير يحتاج الى اللحظة المناسبة ، حتى باختصار الظروف الموضوعية للتغيير فان الشرارة التي تشغل ماكنة التغيير مهمة ، الشرارة اما حدث ذو تاثير دراماتيكي في الواقع الموضوعي او ان تصنع قوى التغيير ذلك الحدث ، في الوضع الفلسطيني تاريخيا جاء الواقع الموضوعي بالحدث هذا ، نكبة عام ١٩٤٨ شكلت الشرارة فاشتغلت ماكينة التغيير التي أطاحت بالأحزاب والقوى القديمة لتحل مكانها قوى جديدة ، وكذلك الامر حرب حزيران عام ١٩٦٧ هو ما شكل هذا الحدث ، الان الوضع مشابه الى حد كبير الوضع قبل النكبة والوضع ما قبل حرب حزيران ، ما ينقص الحالة الفلسطينية هو الشرارة التي تشغل ماكنة التغيير ، الإرهاصات لنهوض قوى جديدة قد بدأت وكثيرا هي النيران التي تحت الرماد . ولن يكون التغيير في هذه المرحلة شعبويا ، فالشعب الفلسطيني لم تعد تنطلي عليه الافكار والبرامج الشعبوية ، كذلك القوالب الأيدلوجية ليست هي ما يقنع الشعب الفلسطيني ليعود ينخرط في تجربة جديدة ، سقطت تلك القوالب من اشتراكية الى قومية الى دينية ، وليست هي المؤهلة لتسلم راية قيادة الشعب ، ببساطة فان الفشل الفلسطيني لم يكن ايدولوجيا بل كان تنظيميا وإداريا والاهم قيميا واخلاقيا ، فقد سادت منظومة قيم قائمة على المكاسب الفردية والاستئثار والهيمنة وصولا للفساد الاداري والمالي ، وأصبحت هذه القيم تحكم كسلوكيات الاغلبية من النخب القيادية ، واكثر من ذلك ادرك الاحتلال ذلك جيدا فاستخدم هذا الوضع ووظفه بطريقك او اخرى للتأثير على التوجهات السياسية لبعض تلك النخب ، هذا كله أدى الى فشل مضاعف . الأرجح ان قوى تتشكل من النخب الثقافية الديمقراطية المنفتحة على العالمية والتي تستطيع خلق حالة توازن بين المتطلبات الوطنية والحياتية هي القوى المؤهلة ، هذه القوى الملتزمة بالهم الوطني والتي تعيش حاليا على هامش العمل التنظيمي الى حد ما مع الحفاظ على اواصر علاقات متوازنة مع القطاعات الاجتماعية .

ما يعيق ان تاخذ تلك النخب دورها مجموعة عوامل ، الفردية في البحث عن حلول للواقع ، فاعتقاد البعض من هؤلاء بانه يملك رؤيا مستقلة وخاصة به يجعله أسيرا لتلك الرؤيا ونراه يذهب بمفرده ليحلق في عالم الافكار ، جانب اخر هو عدم الالتقاء على قواسم واضحة ، اعتقاد البعض انه يمتلك الحقيقة والصواب لوحده يجعله غير قادر على الالتقاء مع الاخرين وهذا يعيق الوصول الى قواسم مشتركة معهم ، اما فيما يتعلق بالتردد الذي ينتاب هذه الشريحة فهو نتاج مجموعة عوامل متداخلة ، الامن الفردي ، التطهرية ، الإبقاء على هوامش علاقات مع الجهات المتنفذة ، قلة الخبرة العملية نتاج الانخراط في الجوانب الفكرية ، لهذا فان هناك كثيرا مراد احداثه حتى تكون تلك الشريحة مهيأة للقيام بدورها . ان امتلاك الوعي الكافي لأحداث التغيير لا يحقق هذا التغيير رغم اهمية هذا الوعي ، ودون ان يقترن هذا الوعي بالارادة والاستعداد لدفع الثمن الذي يستلزمه هذا العمل سيبقى الوعي بالتغيير ترف فكري لا اكثر . يأتي دور العامل الخارجي ، اسرائيل هي المتضرر الاول والاهم من اي تغيير ، فقد وصلت الحالة الفلسطينية الى مستوى من الرداءة بما يحقق المصالح الاسرائيلية ولا ادل على ذلك سوى تسارع التهويد والاستيطان بوتيرة غير مسبوقة دون اي ردات فعل ذي تاثير ، بهذا سيكون العامل الاسرائيلي حاضرا في كبح جماح اي تغيير ، وعندما نقول العامل الاسرائيلي فان الادارة الامريكية تصطف خلف هذا الموقف وكثير من الرجعيات العربية ، لهذا فان اي عملية تغيير يمكن لها ان تنجح يفترض ان تكون لا مركزية ، غير خاضعة لسلطة الجغرافيا ، ولا لامكانية الاحتواء ، ان الشكل التقليدي في البنى التنظيمية سيكون معرضا لتاثير العامل الخارجي قمعا او احتواء ، لهذا فان طرائق العمل الغير مركزي والمفتوح والقابل للتغير ” كشكل ” هو المتاح الممكن ، وهو الشكل القادر على تحاوز تعقيدات التوزع الفلسطيني ، مرونة البنية وقوة الفكرة هو جوهر آلية التغيير ، وفِي ظل المتاح الواسع من فضاءات التواصل فان لهذا الشكل إمكانيات اكبر من السابق ، هذا لا يعني غياب التخطيط ووحدانية الهدف وتنسيق المواقف ولكن كل ذلك متاح في هذا الشكل ، يترافق مع هذا الوضع استخدام خلاق للإعلام بطريقة فعالة وقادرة على تجاوز الاشكال التقليدية للتواصل والهرميات . على كل الأحوال المواسم لا تكذب نفسها ، الحاجة للتغيير في المجتمع الفلسطينية اصبحت ملحة ، الظروف ناضجة ، الإرهاصات قد بدأت ، وفِي النهاية فان علم الاجتماع السياسي قد قد كلمته : التغيير السياسي يصبح حتمية عندما يصبح ضرورة اجتماعية اختمرت الظروف لتحقيقها ، اما الأدوات فان القوى المستفيدة من التغيير حتما ستبدعها .

2018-11-09
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

.