ترويض الحكاية في الرواية: قراءة في “اقتلوني ومالكًا” للروائي خضر محجز

غريب عسقلاني.

*غريب عسقلاني : أديب وناقد فلسطيني.

تثير رواية اقتلوني ومالكا الأسئلة حول دور الحكاية في البنية الروائية, باعتبارها وعاءً  لتوظيف المعرفة في إثراء العمل وتوجيه بوصلته لخلق عالم روائي, يتخذ من مفردات الواقع أداة ووسيلة لطرح رؤى المؤلف, كما فعل البطل الراوي صابر, المُلم بالملاحم والسير الشعبية, والهاضم للفقه والتاريخ الإسلاميين, وله قراءته الخاصة للمقولات والأفكار المطروحة من أطراف التفاعل والصراع, يبتدع بنية روائية تأخذ القارئ إلى أسئلة مفتوحة, يتفاعل معها سلباً أو إيجاباً باعتباره شريكا, حسب وعيه وموقفه من القضايا المطروحة, ولا تبعده عن الثوابت الأساسية, مهما كان الاختلاف حول تفسيرها وتأويلها, ما يجعل العمل ساحة تفاعل واشتباك إيجابي بنَّاء وممتع.

الحدث نقطة انطلاق وارتكاز

تعتمد الرواية على اشتقاق الحاضر من تفاعلات الماضي, وتنطلق من رواية الأب عطية الذي يُصور ويروي أحداث القرية بعد الحرب العالمية الأولى, بمروره على مخزون ذاكرة الآباء والأجداد عن واقع الحياة في القرية ” الجيِّة ” إبان الحكم العثماني, بالتعرض لأحداث وحكايات مرت بالقرية, وتأثيرها على العلاقات بين سكانها على كافة مستوياتهم وقضاياهم الخاصة والعامة, ومواقف نخبها والقوى المتصارعة فيها, وصولا إلى حاضر زمن القص, الذي يرزخ تحت الاحتلال الإسرائيلي بعد العام 1967, في مخيمات اللاجئين ” مخيم جباليا نموذجا” حيث يعيش الراوي صابر, الذي ولد في المخيم وامتد به الزمن السردي إلى زمن القص في الانتفاضة الشعبية عام 1987, لينتهى به الحال سجينًا مقاومًا في سجن النقب الصحراوي, ويُرحَّل إلى مرج الزهور في جنوب لبنان.

***

تُقسم الرواية إلى ثلاثة كتب, كل كتاب منها يبدأ بمفتتح, ويقسم كل كتاب إلى عدة فصول, يبدأ بإرهاص ديني أو حديث شريف أو بمقتطف من الشعر أو السيرة الهلالية أو إشارة لموروث شعبي متداول. تضعها الرواية أمام القارئ استباقاً أو تلوينا وتلميحا لما سيأتي..

تبدأ الرواية بكتاب المخيم يليه كتاب الجيِّة مسقط رأس عطية الأب الراوي الابن صابر, وينتهي بكتاب السجن, ويعتمد القص على التداعي والرجوعي والمونولوج  الداخلي, وتداخل الماضي بالحاضر بين سيَّر الأجيال, إذ تتمدد بين الماضي والحاضر, بإشاراتٍ تعود بالأحداث إلى ترتيب سياقها الزمني الحقيقي, ليشكل كتاب الجيِّة بداية زمن السرد, يليه الهجرة والإقامة في المخيم ” مخيم جباليا”, بالمرور على تواريخ وأحداث شكلت محطات في حياة الناس, وتركت علاماتً قارقةً في الزمن الفلسطيني والعربي, مثل عام الثلجة 1950 التي أصبح تقويما له ما قبله وما بعده, والعدوان الثلاثي 1956, ونكسة 1967, وانحياز صابر للمقاومة بعد أن استوعب الدروس التي شكلت منه مقاوماً عنيداً لا يساوم على قناعاته.

كتاب الجِيَّة

في قرية الجية, ينشأ عطية اليتيم في كنف عمه المختار محمود خليل الذي يتبناه, ويعده بالزواج من ابنته الجميلة مليحة, ليحفظ له حقه في البيارة التي أنشأها بعد عودته من تركيا, إضافة إلى حصته في أرض الموارس, التي تُزرع موسميا بالقمح والشعير والذرة والكرسنة في فصل المطر.

عطية الأسمر النحيف ليس له غير أخته العوراء آمنة وعمته, وليس له من أصدقاء في القرية غير محمود إبراهيم ذو العين الواحدة, حامل النبوت الصامت المتجهم, المرهوب الجانب, العامل والحارس في بيارة المختار, يبادل عطية حبًا ووفاءً فالمحروم يحن على المحروم.

عن قرية الجيَّة, يلقن عطية لولده صابر ما لم يعشه من أحداث ووقائع, فيرسم في ذاكرة الصبي عالم القرية, منذ نهايات الحكم العثماني فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى, وحتى مرحلة الانتداب البريطاني على فلسطين, وظهور المستوطنات “الكبانيات” على الأراضي الأميرية القريبة من القرية, والعلاقة مع المستوطنة المجاورة ” الكبانيِّة”, وحدوث الصراع السياسي الفلسطيني الانتداب البريطاني الذي يقف إلى جانب المستوطنين اليهود.

ينجح الراوي نجاحاَ لافتاً فيما يريد, مؤكداً أن الرواية الحديثة تخطت مرحلة الحكاية المحايدة, إلى مرحلة الإجابة على أسئلة تؤرق الكاتب والقارئ أيضا, فيبحث عن الإجابات, بالمعرفة المتعددة ليعيد قريته من ذاكرة مستلبة, ويبعثها من رمادها, برسم تفاصيلها الجغرافية والطبوغرافية والديموجرافية, وتقاليد وأعراف العلاقات العشائرية والعائلية فيها, ودور المخاتير وسطوتهم النافدة في مجتمع القرية, والعلاقة مع القرى المجاورة, والمصاهرة مع أهالي قرى ومدن الجوار, وتتبع وتأويل عادات الرجال والنساء, بتوظيف الحكايات, وتمجيد النخب ” من المعلمين ورجال الدين ومشايخ الصوفية أصحاب الكرامات وفتوَّات مميزين” وتأثيرهم على الوجدان الشعبي في قراهم والمحيط, والتركيز على علاقة القرية بالمدن القريبة مثل يافا والمجدل وغزة, وعلاقة مخاتير القرية بالولاة والحكام والأفندية.

وتأتي السيَّر على تمتع مختار بربرة بالحكمة وحسن التصرف, وامتصاص الغضب عند الخلاف, مقارنة بعناد وتشدد مختار الجية محمود خليل, بقامته القصيرة وبنيته القوية وسيفه وفرسه الأصيل, فهو الذي خدم ضابطا في الجيش التركي, ونفذ المجازر وأباح واستباح في المناطق التي أخضعها أثناء الحروب, فرقي إلى رتبة ضابط في الجيش العثماني, وعرضت عليه الأميرة عصمت التي وقعت في هواه الزواج والمال والمكانة الرفيعة, لكنه قرر العودة, عندما ألحت عليه الجية وزوجته عفرا وولده, وعندما يعود يُصدم بموت ابنه الذي ركب الفرس ابن خمس سنين.

يضع  محمود خليل يده على مساحات من الأراضي الأميرية, ويحفر بئرًا يعمل على الموتور, وينشئ بيارة وبفرض زعامته على القرية والجوار.

لم تنجب زوجته المختار ذكوراً يرثونه, وبتخطيط من زوجته عفرا يتزوج أخت صابر آمنة العوراء, حتى يبقى في حضنها, لكن آمنة لا تنجب غير البنات اللواتي يمتن أيضا.

يتفانى عطيه في خدمة المختار ويقضي الوقت في حراثة الأرض والعمل مع محمود إبراهيم في البيارو, ويطير المواويل لمليحة.

يموت المختار محمود خليل! ويتولى من بعده سلطان العابث, الذي يقرر تزويج مليحة لأحد أبناءه مستهينا بعطية الضعيف الذي لا يليق بها.

مليحة تموتّ! وينزلها عطية القبر ويظل يبكيها. فهل موت مليحة هروب من ذُل قادم في كنف ابن سلطان! أو الوفاء تمسكها بخيار أبيها وحبها لعطية, واستمرار نسل أبيها منها ومن عطية؟

أم الهروب من بطش المختار سلطان الظالم, الغارق في الملذات والموبقات, الذي استجارت به صبية ليزوجها من ابن خالتها الذي تحبه, فيتزوجها مكرهة, فتطعمه من دم حيضها وتعمل له السحر وتنجب منه بنتين فقط وتمتنع عن الحمل حتى لا تنجب ولدا من صلبه يرث المخترة من بعده ويعيث في الأرض فسادا.

تلح آمنه على عطية بالزواج لينجب ولدا يحمل اسمه,  فيتزوج مريم التي تشيه مليحة عام الثلجة تنجب بعد عامين من الزواج بعد أن أدركها البلوغ, وتموت عن عمر 24 سنة, تاركة خلقها وصابر ابن تسع سنين وأخ يصغره بعامين وطفل رضيع, فيتزوج عزيزة العانس لأنها تشبه مريم, فلا تنجب منه, وتخبئ ماله, لتموت تحت القصف ويدفن المال الذي ادخرته من عمل وحرمت أولاده أثناء غيابه في سيناء.

كتاب المخيم

على الكثبان الرملية غرب مدينة غزة, حط بعض المهاجرون رحالهم, ووزعت عليهم الخيام في مخيم الشوا, على الكثبان الرملية, تقاسم عطية وأخته وعمته الأرملة, خيمة “بارشوت” يشاركهم, عائلة أخرى, يفصل بين العائلتين ستارة  من بطانية مهترئة, حتى فاجأتهم الثلجة في شتاء عام 1950, فانتقلوا إلى مخيم جباليا الذي أقيم على المساحات الرملية المحاذية لأراضي قرية جباليا, وفي المخيم تشكلت الحارات, وسميت بأسماء القرى والمدن حسب أغلبية سكانها, مثل حارات المجادلة واليافاوية والجياوجة, وظهرت بعض المهن اليدوية, وبعض الداكاكين بالقرب من مركز توزيع مواد الإغاثة كونت نواة السوق, وتم إنشاء أول مدرسة, تلتها عدة مدارس, عُرفت بأسماء نُظَّارها أو مدرسيها الناشطين, وعندما تمدد المخيم شكلت جورة أبو راشد معلما من معالم المخيم, ذلك القاع المنخفض بين التلال الرملية, الذي تتجمع فيه مياه الأمطار فيصبح أشبه ببحيرة في فصل الشتاء, يلعب فيها الأطفال, وترتع فيها الضفادع والهوام, وأمام الحاجة, عمل البعض القليل منهم عمال خدمات ونواطير في بيارات وحقول الملاك في جباليا وغزة, أو مشاركين بالحصة باستزراع الأراضي للبور في الزراعة الشتوية, كما شكل موسم جني البرتقال عمالة موسمية تستمر لعدة أسابيع, لقطف الثمار وفرزها وتغليفها وتعبئتها في صناديق خشبية, أما أغلب الرجال فيقضون أوقاتهم في المقهى, بانتظار صرف التموين مرتين في الشهر, وبيع جزءً من المخصصات لتوفير بعض المتطلبات.

وعندما وفرت الإدارة المصرية العمل في سيناء, لخدمات خط السكك الحديدية الذي يصل بين مصر وغزة عبر سيناء, لإزاحة الرمال عن خط السكة الحديد, لكشف وتصليح الأعطال قبل مرور قطارات النقل التجاري وقطارات الركاب, كان عطية من العاملين في سيناء تاركًا زوجته وطفله صابر في المخيم, ليعود بعد عدة أشهر للمخيم ليأتي لصابر أخ يصغره بسنتين, ويترك ما ادخره من مال لمريم أثناء غيابه.

تُفاجئه الحرب في سيناء فيهرب مع العمال والجنود المصريين باتجاه القنطرة, يقايضهم البدو على سلاحهم وذخيرتهم بالماء والطعام, فيصابون بالهلع للماء, ويقرر عطية الذي انهلع الى وصال زوجته, فيعود مشيًا على الأقدام عدة أيام حتى يعود إلى المخيم, وكأن الحرب كانت سببا في نجاته من الموت, وإنجاب الابن الثاني أخًا لصابر.

يسرد صابر وقائع الحياة في المخيم, وأخبار فدائيي مصطفى حافظ, الذين يتسللون إلى الأرض المحتلة, ينفذون عملياتهم, ويوسعون مساحات بيوتهم في المخيم بسلطة السلاح. ويشيد بانبهار ببطولة الضابط الأسطوري يوسف العجرودي الذي واصل الحرب في خانيونس في حرب 56, وكيف أدي له الضابط الإسرائيلي المنتصر له التحية العسكرية, واصطحبه أسيراً, ليعود حاكما عسكريا لقطاع عزة بعد عودة الإدارة المصرية للقطاع في العام 1957.

أثناء غياب صابر في سيناء, تسجل حليمة صابر ابن خمس سنبن في المدرسة وقد حفظته الفاتحة وقصار السور, وعد الأرقام, فيتم قبوله في المدرسة ليحقق حلمها ويصبح مدرساَ وشجاعا مثل خاله الذي انقطعت أخباره منذ احتلال اليهود القطاع عام 1956.

في المدرسة يُظهر صابر تفوقاً وميلاً للمشاغبة, ويتعرف على رشاد الذي يسكن بين الأشجار بعيدا عن المخيم, ويعرض السارد صابر التطورات التي حدثت في المخيم, واختفاء المراحيض العامة وانتشار المراحيض الخاصة في البيوت, ودخول الراديو في المقاهي وبعض البيوت, ومتابعة البرامج المصرية وبرنامج سفينة نوح في الإذاعة الإسرائيلية, وعروض السينما في ساحات المخيم, ومشروع بئر أبو راشد وبيع الماء, ثم وصول الماء الحكومي للمخيم بعد67, ونشوء المقبرة المشتركة بين المخيم وقرية جباليا, وناطورها الكسيح أبو جرار الذي يوسع بيته بحجارة سور المقبرة, وافتتاحها بدفن الشيخ سعود أبو اللبن, الذي تنازل عن كل شيء, ورفض أمر الضابط التركي بخلع عمامة الطريقة الصوفية التي ينتمي إليها, وحكاية دخوله الفرن وخروجه منه دون أذى فأعفاه الضابط من العسكرية باعتباره مبروكا وصاحب كرامات, وكان من أتباع الشيخ سعود, الشيخ شحده الذي أوقف الشاحنة, وطعن رجلا بالشيش يتحدى شيخا من ذوي الكرامات, وسحب السيف منه دون أن يؤذي الرجل, على الرغم من أن الشيخ شحده يفطر في رمضان ويسب الدين, كما يأتي على أخبار نوع آخر من الشيوخ, مثل المقرئ جواهر صاحب الصوت الجميل, الذي يسوِّق نفسه من أصحاب الكرامات والشيخ رشدي الشيطان في جبة شيخ وعمامة ومحجن, ومقالب الفتيان لكشف فجوره, ما جعله يغادر المخيم إلى غير رجعة, كما يصور السارد الفقر المدقع  الذي حاق بسكان المخيم ما اضطرهم إلى اختراع الأكلات التي تسد جوع المعدة مثل حرق الإصبع والملَّاحة, وتداول وصفات طبية مثل أكل لحم الحمار الميت ولحم سمك البرش.

ولم يستثنِ صاحب البيارة, الأفندي الذي هرب من بلدته في ذيول الجيش المصري المنسحب إلى غزة بكامل أهله وعفش بيته وتولى منصبا رفيعا” قائم مقام” غزة, يضع يده على أرض ويحولها إلى بيارة تشبه بيارته في مدينته المحتلة, ويستخدم عدداً من النواطير لصد مشاغبات الصبيان الذين يسرقون بعض الثمار.

تسقط غزة في قبضة الاحتلال الإسرائيلي, ويختفي صوت أحمد سعيد الهادر من إذاعة صوت العرب, ويظهر الجواسيس الذين يَشون بفدائيي مصطفى حافظ, فيغادر معظمهم إلى الأردن ومصر, ويخفت حديث العودة, لكن سرعان ما يظهر في ظل سواد الهزيمة من يجمع البنادق والذخيرة, ويظهر المعلم الأسطوري الشاب أحمد أبو عميرة, وحيد أمه بين أختين, الذي قُتل في العدوان الثلاثي على غزة عام 56 .

أحمد صامت حاد النظرات, وديع مثل طفل, حنون مثل أم مُحبة, يعتقل غاضبًا شامخا. يصبح رمزا.ً

كتاب السجن

العصافير تسكن أعالي الأشجار المحيطة بسجن كيتسيعوت شيفع, تحاول التعرف على ساكني الأرض, ترى صابر الذي يكتب القصص, وحسن الذي يكتب الأشعار, يُفتتان الخبز للعصافير, وترى العصافير أيضا ذي القعدة الذي لا يتوقف عن الأكل. تحلق العصافير في مفازة  صحراء النقب, حول معتقل كيلي شيفع العسكري الذي توسع مع اشتعال الانتفاضة وتمدد الى سبعة سجون منها معتقل كيتسعوت كيلي شيفع, المُقسم إلى مردوانات المحكومين, والموقوفين, والعصافير الذي يضم العملاء والمتساقطين, تكُليف سليم لإصلاحهم يساعدة أبو الأسد الرهيب, وكان سليم يعاقب على ممارسة العادة السرية واللواط عقابا شديداُ ينفذه أبو الأسد, وأطلق سليم على الواحد من المعاقبين لقب مُفوكس, وسمي مردوانهم بمردوان المفوكسين, ودخل المصطلح قاموس اللغة العربية وثبت معناه في وجدان الفلسطينيين.

أما صابر فيواصل انتقاد سلوك رموز المعتقلين من كافة الفصائل والتنظيمات, ويهزئ من ذي القعدة الذي يتلذذ بتعذيب القطة الأنثى الوحيدة في المعتقل, ويشاكس المتدينين من خلال سلوك الشيخ دياب الذي انتصر له السجين زهير وهجم على الشرطي آفي دفاعاً, وسُجن في الزنزانة, بينما دياب يتبختر طليقًا, وعندما أعلن السجناء إضراباً ضد سجن زهير, كان دياب يتبختر مبرراً تصرفه بأنه لا يدخل خيمة الكفرة الذين هم واليهود ملة واحدة, وكان يتمارض للحصول على وجبة حليب متذرعا أن ما يأتي للمعتقلين لكل المعتقلين, حتى لو كان من المنظمة التي يناصبها العداء, في الوقت الذي كان الشيخ همام المريض فعلا يشارك في الإضراب, ولا يساوم على موقفه من العلمانيين.

وعن الاعتراف في التحقيق, يورد حالة أسعد الذي لم يعترف أمام المخابرات, بينما اللذين اعترفوا وأصبحوا قادة أصحاب امتيازات خارج السجن ويتهمونه بالعمالة, فيتم اغتياله أمام زوجته وطفليه, ولم يمش الشيخ الدكتور حسب الله الذي يعرف الحقيقة في جنازته. وحسب الله هذا دكتوراً وخطيبًا مفوهًا يسترضي العلمانيين بابتساماته المغلفة, ويتهمه إخوته الحاسدون بمراضاته للعلمانيين الكفرة.

ولا يفلت من صابر, المحامين الذين يتاجرون بمصائر السجناء, ويبتزون ذويهم مادياً, مثل المحامي “الكلش” الذي يؤجل جلسات قضيته, ما يؤجل محاكمته, فيُرحَّل مع السجناء إلى مرج الزهور على اثر اغتيال الضابط سعدون.

أما بعد

لقد قدم الدكتور خضر محجز عملا بانورامياً, تسلح له بالاطلاع الواسع في أكثر من مجال خدم موضوع روايته, فاعتمد على سير كثيرة, ووثائق وشهادات مكتوبة وشفهية, إضافة إلى تجربته في إطار تجارب الآخرين الذين عايشهم عن قرب, أو سمع عن تجاربهم أو عرف وجهات نظرهم وافكارهم, ما مكنه من تطويع الغرائبي والعجائبي في حياة الآخرين, الأمر الذي يفتح نقاشا حول الشكل الفني للرواية, والرسالة المراد توصيلها.

وفي تقديري أن خضر محجز قدم عملا قد تجاوز المتعة, إلى الدهشة من قدرة الرواية على رصد هموم الإنسان الفلسطيني الذي يعيش الأرق وعدم الاستقرار منذ أكثر من قرن من الزمان, وأرهص بأن الرواية مشروعا فكريا وفنيا بامتياز.

—————————————————————————————

* الدكتور خضر محجز شاعر وقاص وباحث أكاديمي في حقول الأدب العربي

* صدرت رواية اقتلوني ومالكاُ في العام 1998

2018-11-08 2018-11-08
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

.