رحم الله “حمورابي”!

محمد شريم

                                                            

      كثير ما تطالعنا به وسائل الإعلام من  حالات الخروج على القانون ، بمختلف مظاهره ، ابتداء من مخالفات القوانين والأنظمة المرورية وانتهاء بجرائم القتل ، حتى يصبح الأمر في كثير من الأحيان مقلقاً للناس بشكل عام ، وللجهات المسؤولة عن تطبيق القوانين بشكل خاصّ .

       والأسباب التي قد يخرج الإنسان على القانون لأجلها عديدة ، ولا مجال الآن لذكرها . أما الحالات التي يخرج الإنسان فيها على القانون ، في أي بلد من البلدان ، فتنحصر بالنسبة لعدد المنخرطين فيها ـ كما أرى ـ في حالتين : حالة الخروج الفردي ، حتى لو قامت به مجموعة من الأفراد ، وحالة الخروج الجماعي العام ، وبضمن ذلك الثورات الشعبية ، وهذه الحالة ، أي الثانية منهما ، ليست هي موضوع حديثنا في هذا السياق .

      وما دام حديثنا هو عن الخروج الفردي على القانون ، فإنه ليس لعاقل أن يبرر لأي كان أن يأخذ القانون بيديه ، وأن يخرج عن القانون مهما كانت الأسباب التي قد يتم التذرع بها لهذا الخروج ، وجميعنا يذكر قصة رفض ( سقراط ) الهرب من الإعدام بتجرع السم بعد أن أعد له تلاميذه خطة محكمة تفتح أمامه سبيل الهروب ، وذلك حتى لا يخرج على القانون ، مع أنه قانون جائر . فالقانون هو السياج الذي يؤطّر للفرد والجماعة ، للحاكم والمحكوم ، مساحة حياتية آمنة لا يتطاول أحد فيها على حقوق الآخر ، ولا تبغي فئة فيها على الأخرى ، لأن اختراق هذا السياج يدخل الإنسان إلى مساحة من الفوضى والضياع والصراع ، وهي تلك المساحة التي أراد ملك بابل ( حمورابي ) أن يُخرج أبناء شعبه منها في القرن الثامن عشر قبل الميلاد ـ رأفة بهم ورحمة ـ عندما وضع شريعة تعتبر الأولى في التاريخ من حيث كونها متكاملة وشاملة لكل نواحي الحياة ـ على الرغم من قسوة عقوباتها بمقاييسنا المعاصرة ـ ألا وهي الشريعة المسماة باسمه ، وأعني ( شريعة حمورابي ) .

      ومع ذلك ، فإننا إذا أردنا أن نؤسس لمبدأ سيادة القانون فعلاً ، فيجب علينا ألا نكتفي فقط بتوبيخ أولئك الذين قادهم تفكيرهم غير المتزن إلى الخروج على القانون ، بل إن المنطق العملي يفرض علينا أن نسير  للوصول إلى هذا الهدف ، أي سيادة القانون ، بمسارين متوازيين : المسار الأول هو أن نعمل على إقناع الفرد بشكل عملي ، وليس بشكل نظري إرشادي فقط ، بأن من مصلحته الخاصة الالتزام بالقانون وعدم الخروج عليه ، أما المسار الثاني فهو تطبيق العقوبات العادلة التي يفرضها القانون نفسه على كل من تسول له نفسه الخروج على هذا القانون .

       وإذا ما أردنا الحديث عن كيفية إقناع الفرد بأن من مصلحته الخاصة الالتزام بالقانون وعدم الخروج عليه ، فهنالك الكثير من المتطلبات التي يجب علينا أن نقوم بها لتحقيق هذه الغاية ، ولكنها في نهاية المطاف تنحصر في متطلبين اثنين : المتطلب الأول ، يتلخص في وضع قوانين عادلة منصفة للجميع مواكبة للعصر وتفي بالحاجة ، أما المتطلب الثاني ، فيتلخّص في وضع آلية لمراقبة تطبيق هذه القوانين على جميع المواطنين ، من حاكمين ومحكومين ، دون تمييز . فالمواطن الذي يشعر أنه يعيش تحت مظلة قانون مفعّل يحميه ويحمي حقوقه ويستردّ له ما انتُزع منها ، ولا يفرق بين شخص وآخر ، ولا بين فئة وأخرى ، وإلى جانب ذلك يجد أن خروجه على هذا القانون ليس فقط يحرمه من حمايته ، وإنما يوجب عليه عقوبة الخروج عليه ، لا شك أن هذا المواطن سيشعر أن من مصلحته الالتزام بالقانون ، وسيكون هو الرقيب على نفسه في الالتزام به ، وهل من رقابة على الإنسان أكثر نجاحاً وأقوى تأثيراً من أن يراقب الإنسان نفسه ؟!

        وبعد ، فإنه لا يشعر الإنسان بقيمة الصحة إلا عندما يفقد العافية ، ولا يدرك الإنسان أهمية القانون والنظام إلا حينما تسود الفوضى ، وعندما تسود الفوضى وتحكم شريعة الغاب لا يرحم القوي الضعيف ، مثلما لا يرحم الذئب الحمل ، ولذلك فقد رحم ( حمورابي ) شعبه من الفوضى وما يترتب عليها بشريعته التي وإن كانت ( بدائية )  إلا أنها كانت  أسست لمجتمع يسوده قانون شامل متكامل ـ كما أسلفنا ـ فإذا استذكرنا في هذا السياق الحديث الشريف الذي يقول : ( ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ) فإنه لمن الواجب علينا ـ بكل تأكيد ـ أن ندعو لـ ( حمورابي ) بالرحمة . رحم الله ( حمورابي ) !

2018-11-06 2018-11-06
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

.