الفنانون والسياسة بمصر.. مجمدون وهاربون وتائبون

علاء عبد الرازق-القاهرة

في العام 2014، أعلن فجأة عن انسحاب مسلسل “أهل إسكندرية” من السباق الرمضاني لأسباب غير معلنة، رغم انتهاء تصويره وإنفاق الملايين على إنتاجه، وبدا واضحا أن قتل المسلسل في مهده كان عقابا لصناعه الذين عارضوا نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، من مؤلفه بلال فضل إلى بطليه الفنان عمرو واكد والفنانة بسمة.
وأوضح المؤلف بلال فضل -المقيم في أميركا حاليًا- أنه لم يجدّ جديد في شأن مسلسله الممنوع من العرض، وأنه دفع ثمن مواقفه المعارضة للسيسي، فكان مسلسله أول عمل يتعرض للمنع المباشر من الدولة وأقل عمل يتلقى التضامن، في وقت كان التضامن فيه متاحا.وأضاف في حديثه للجزيرة نت “شرف لأي كاتب أن يكون ممنوعا أو مضطهدا، بل من الغريب ألا يكون أي كاتب حر في مثل هذا العهد ممنوعا أو مضطهدا، ومن الطبيعي أن يدفع الكاتب ثمن مواقفه، خصوصا إذا كان يتشرف بها”.

اعتزال السياسة واكد وبسمة بطلا المسلسل قررا الابتعاد عن السياسة، والتركيز على مسيرتيهما الفنية بعد سنوات من المشاركة السياسية.

واكد أيد المرشح الرئاسي حمدين صباحي في انتخابات الرئاسة عام 2014، وواجه هجوما من الإعلام المصري بعد رفضه ترشيح السيسي، معلنا أن مصر “لن تكون دولة ناجحة في ظل وجود رئيس من الدولة العسكرية”.

الموقف السياسي لواكد جعله غير مرحب به في الأعمال الفنية، فقلّت أعماله الفنية في مصر وإن شارك في أعمال فنية عالمية، حتى ابتعد عن السياسة وعاد بطلا لفيلم “القرد بيتكلم” عام 2017.

الفيلم المصري “بائع البطاطا المجهول” لم يعرض في مهرجان في دبي لأن الممثل خالد أبو النجا لعب فيه دور البطولة (مواقع التواصل)

الفنانة بسمة قررت اعتزال السياسة والتركيز على الفن بعد سنوات من الابتعاد عن مصر، وشاركت في فيلم “شيخ جاكسون”، وفي الجزء الثاني من مسلسل “نصيبي وقسمتك”.

وأوضحت بسمة في تصريحات صحفية سابقة، أنها كانت تؤمن بقدرتها على خدمة مصر من خلال العمل في السياسة لكنها دفعت الثمن غالياً، وكان ينبغي أن تأخذ بنصيحة المخرج داود عبد السيد بالابتعاد عن السياسة والتركيز على الفن.

أبو النجا المتمرد في أعقاب ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، سارع النشطاء لإعداد قوائم سود تضم الفنانين الذين عارضوا الثورة وشاركوا في المظاهرات المؤيدة للرئيس حسني مبارك، شملت هذه القوائم طلعت زكريا وغادة عبد الرازق وتامر حسني، لكن هؤلاء الفنانين واصلوا مشاركاتهم الفنية بعد ثورة يناير دون عوائق.

في المقابل، لا يزال كثير من الفنانين الذين رفضوا أحداث 3 يوليو/تموز 2013 أو مجزرة رابعة العدوية أو ترشيح السيسي للرئاسة أو حتى عارضوا سياسات النظام، ممنوعين من العمل في مصر، بعضهم يقيم خارج البلاد ولا يأمن العودة لوطنه، على غرار ما حدث لبعض الفنانين في عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، مثل الفنانة فاتن حمامة التي غادرت مصر في المدة ما بين عامي 1966 و1971.

أشهر الفنانين غير المرغوب فيهم حاليًا هو خالد أبو النجا، الذي شارك بحماس في ثورة يناير، وكان من أشهر مؤيدي محمد البرادعي، وظل معارضا لنظام السيسي.

كانت آخر مشاركاته الفنية في مصر فيلم “ديكور” للمخرج أحمد عبد الله السيد عام 2014، وفيلم “قدرات غير عادية” لداود عبد السيد عام 2015.

في العام 2016 كان أبو النجا بطلا لفيلم “بائع البطاطا المجهول” للمخرج أحمد رشدي، وهو فيلم “رسوم متحركة”، لكنه منع من العرض في مهرجان دبي للأفلام وفي مهرجان الأفلام القصيرة في مصر.

ولم يستبعد المخرج أن يكون عدم عرض الفيلم راجعا إلى مشاركة بطله خالد أبو النجا الذي لديه آراء سياسية معارضة بشكل عام.

لكن الفيلم حاز على جائزة لجنة التحكيم الخاصة لأفضل فيلم وثائقي قصصي في وسائل الإعلام الناشئة من الدورة الـ16 لمهرجان ميامي الدولي للأفلام القصيرة، الذي يُقام سنويًا في ولاية فلوريدا الأميركية.

أبو النجا يشارك في أعمال فنية عالمية، ويعبر عن آرائه السياسية بحرية عبر حساباته على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث يواصل معارضة نظام السيسي وتأييد ثورة يناير، وينتقد انتهاكات حقوق الإنسان، وهو ما يعرضه لهجوم حاد من وسائل الإعلام المحسوبة على النظام.

آخر هذه التصريحات كان خلال القمة العالمية للمدافعين عن حقوق الإنسان في باريس، حيث توقع سقوط “الجنرالعبد الفتاح السيسي” وانتهاء ما وصفها بـ”الموجة السوداء” من القمع كما حدث في الثورة الفرنسية وكل الثورات التي مرت بهذه المرحلة، مضيفا “التاريخ يعلمنا أن هذه المرحلة ستنتهي وستحقق الثورة أهدافها”.

الممثل أحمد مالك “تاب” ومثل في فيلم “عيار ناري” الذي اعتبره عدد من النقاد تشويها للثورة (مواقع التواصل)

القائمة تطول تطول قائمة الفنانين الذين تطاردهم الاتهامات بمعارضة السيسي، فالمطرب حمزة نمرة يقيم حالياً في لندن بعد اتهامه بتأييد جماعة الإخوان المسلمين، ومنع إذاعة أغانيه في الإعلام الرسمي والخاص.

ويواجه فنانون آخرون أحكاما قضائية في مصر تجبرهم على البقاء خارجها، وذلك على خلفية انضمامهم لفضائيات مصرية معارضة تبث من تركيا، منهم هشام عبد الحميد وهشام عبد الله ومحمد شومان.

صك الغفران على عكس هؤلاء، بدا أن فنانين آخرين يحاولون إعلان توبتهم الخالصة للنظام، فالفنان الشاب أحمد مالك الذي اشتهر بفيديو الواقي الذكري الشهير خلال ذكرى ثورة يناير عام 2016 اعتذر عن فعلته، وعاد مؤخرًا ليشارك في بطولة فيلم “عيار ناري” الذي يراه النقاد مشوها لشهداء ثورة يناير، في حين يقبع صديقه ورفيقه في الفيديو الشهير المراسل التلفزيوني شادي حسين خلف القضبان.

المصدر - الجزيرة
2018-11-06 2018-11-06
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

.