جهشان لـ”شرق وغرب”: ترامب يهمل الأخلاق ويميل إلى المصالح

عبدالعزيز الكيلاني

شرق وغرب – قال المدير التنفيذي للمركز العربي في واشنطن دي سي، الدكتور خليل جهشان، ان حادثة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي أصبح لها بعد سياسي كبير فاق حجم مقتل أي صحفي آخر.

وأضاف في حوار خاص لـ”شرق وغرب“: إن طبيعة الأزمة التي تواجهها المملكة العربية السعودية نتيجة عملية قتل خاشقجي، يبدو أنها أصبحت مشكلة علاقات عامة صعبة جداً. فمن الواضح أن هناك تخبط في الموقف السعودي وفي الخطوات التي اتخذتها المملكة وكل شركات العلاقات العامة، بالإضافة إلى  الدعايات في الصحف وعبر وسائل الإعلام.

وأشار جهشان إلى أن المملكة لن تستطيع أن تتعدى هذه الأزمة دون أن تكون هناك شفافية في المواقف، خصوصاً لأنها جاءت نوعاً ما بـ”التقسيط”.

واعتبر جهشان ان “الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واضح في موقفه. فهو يهمل الأخلاق ويتكلم عن السياسة الحقيقية والمصالح. وبالنسبة له، إن الـ100 مليار دولار بالنسبة لصفقات بيع السلاح مع المملكة العربية السعودية حالياً هي أهم بكثير من البعد الأخلاقي والاستمرار في التحقيق”.

وإلى نص الحوار:

شرق وغرب: في البداية، ما هو تعليقك على ما حدث للصحفي السعودي جمال خاشقجي؟

خليل جهشان: أعتقد ان حادثة قتل جمال خاشقجي حادثة مؤلمة. وهي حادثة بدون أي شك أصبح لها بعد سياسي كبير فاق حجم مقتل أي صحفي آخر أو أي إنسان آخر. نسمع الكثير في الواقع من الدفاع عن النفس من قبل بعض الكتاب والصحفيين السعوديين الذين يتساءلون: لماذا هذا الاهتمام بجمال؟ بالطبع، جمال هو ليس أول أو آخر صحفي يُقتل حتى بهذا الشكل البشع، ولكن في نفس الوقت شخصية جمال، علاقاته المتشعبة مع الكثير من وسائل الاعلام، وجوده في الولايات المتحدة لفترة قبل قتله، عمله في الواشنطن بوست، كل هذه الأمور أعطت القضية حجماً وزخماً لم يكن أحد يتوقعه لا في السعودية ولا في الولايات المتحدة ولا في أي مكان آخر.

لذا، فإن القضية أصبحت نوعاً ما قضية دولية، وأعتقد أنه خصوصاً رغم التوصل الى نتائج واضحة وحتمية بهذا الخصوص، نحن نعرف الآن أن هناك اعتراف سعودي إضافةً إلى الاعتراف التركي بما حدث عملياً لجمال، وأنه قُتل وقطعت جثته داخل القنصلية السعودية في إسطنبول، ولكن في نفس الوقت لا نعرف ماذا حدث لجثته. فالتحقيق ما زال مستمراً ونتأمل بأن ينتهي هذا التحقيق في أقرب فرصة.

شرق وغرب: هل أثرت قضية خاشقجي على العلاقات الدولية؟

خليل جهشان: بالطبع، فالقضية أصبحت أكبر بكثير من قضية قتل لعدة أسباب. أولاً، مكان حدوث عملية القتل. ثانياً، طريقة تنفيذ العملية، فهذا جعل من القضية قضية دولية بمعنى أنها أصبحت مشكلة بين دولتين، دولة الذين ساهموا بهذه الجريمة والبلد الذي ارتكبت به هذه الجريمة. ثالثاً، بسبب هوية الاثنين اضطرت الولايات المتحدة للتدخل في ذلك. وأصبح هناك عدة أطراف للقضية من اليوم الأول لأسباب مختلفة. وبالإضافة إلى ذلك، بشاعة الجريمة وطبيعتها، كون جمال خاشقجي صحفي معروف، تبنت الصحافة العالمية نوعاً ما هذه القضية وجعلتها قضيتها، فاتخذت القضية حجماً أكبر بكثير من أي قضية قتل عادية.

هناك عمليات قتل صحفيين في أوكرانيا وفي بلاد أخرى من العالم لم تحظى بمثل هذا الانتباه للأسباب التي ذكرتها في الإجابة عن السؤال الأول. فبدون أي شك، أعتقد أنه حتى الآن، فإن الاهتمام وتأثير هذه القضية على السياسة الدولية كبير، أكبر مما اعتدنا عليه في أي قضية اغتيال أخرى، وأعتقد أننا لم نشاهد نهاية هذا التأثير. عندما تتوضح جميع نواحي هذه الجريمة أعتقد أنه سيزداد تأثيرها دولياً.

شرق وغرب: كيف تفسر الروايات السعودية بشأن هذا الموضوع؟

خليل جهشان: ردة الفعل السعودية مرت بعدة مراحل، وهي تذكرني بنظرية علم النفس التي تتكلم عن كيفية تعامل الإنسان مع الحزن أو فقدان شخص. فدائما ما يمر الانسان فيما يسمى بالمراحل الخمس للتعامل مع قضية تراجيدية كبيرة. يمر أولاً بفترة ما يسمى الانكار، فالسعودية كما نتذكر خلال أكثر من أسبوعين أصرت على الانكار، وقالت أن جمال خاشقجي ما زال حياً وأنه غادر القنصلية في إسطنبول ولم يُقتل، نافين أن يكون لهم أي دور، ومشددين على أنه لا يمكن أن يقوموا بمثل هذه العملية، وأن المنفذين ليسوا سعوديين.

بدأنا في المرحلة الثانية، وبصراحة كانت مرحلة تزوير للحقائق، أي الإنكار ثم التزوير. المرحلة الثالثة كانت التدرج تجاه الاعتراف بالأمر الواقع والحقيقة. ولربما بعد اطلاع بعض الوسائل أو الأجهزة الأمنية الامريكية والأوروبية وغيرها على النتائج الأولية للتحقيقات التركية، بدأ الموقف السعودي يميل باتجاه الاعتراف بأن جمال قد قتل داخل القنصلية وأن الايدي التي قتلته هي أيدي سعودية.

بعد ذلك جاءت المرحلة الرابعة نوعاً ما، وتم الاعتراف بأن هذه الأطراف السعودية هي أطراف لها بعد رسمي. وان مجموعة الـ 15 تم اعتقالهم في المملكة وأعلنت القيادة السعودية أنها ستحاكم هؤلاء الأشخاص حسب أنظمة العدل والقضاء السعودية.

حتى الآن لا ندري بالفعل إذا كان الأشخاص الذين أقيلوا من مناصبهم، وهي مناصب عالية المستوى، في المخابرات وفي الديوان، قد تم اتهامهم رسمياً بهذه الجريمة، وهل بالفعل ستتم مقاضاتهم.

لن المملكة تستطيع أن تتعدى هذه الأزمة دون أن تكون هناك شفافية في هذه المواقف، خصوصاً لأنها جاءت نوعاً ما بـ”التقسيط”، لو أمكننا استعمال هذا المصلح. فالرأي العام لا ينظر إلى التصريحات الرسمية السعودية حاليا بالكثير من المصداقية لأنها مرت بفترات متناقضة جداً.

شرق وغرب: بعد مرور أكثر من شهر على القضية، إلى يتجه ملف الصحفي جمال خاشقجي؟

خليل جهشان: لا أستطيع أن أقول أنّ قضية خاشقجي وصلت إلى طريق مسدود، لأن التحقيق ما زال مستمر. فهناك التحقيق التركي، وهناك على الأقل تصريحات سعودية بأن هناك تحقيق سعودي. ولكن من ناحية أخرى، ربما البعد السياسي والبعد الإعلامي أعتقد أنه ربما وصل إلى طريق مسدود. بمعنى أننا لم نر أي شيء جديد خلال الأيام القليلة الماضية. فكل التصريحات التي شاهدناها أو مواقف الأطراف ما زالت كما هي. هناك محاولات كما يبدو لإيجاد مخرج سياسي. ويبدو أن الطرف السعودي قد وضع نفسه في الزاوية، وهناك محاولات، خصوصاً أمريكية، لإيجاد مخرج، لإيجاد حل لهذا الموضوع. والحل يأتي في تسييس هذا الموضوع، وهذا بالنسبة لي شخصياً شيء مزعج للغاية، لأن هذه بالأساس جريمة بشعة وموضوع قضائي يجب أن يبقى في هذا المجال حتى يتم الكشف عن جميع تفاصيل هذه الجريمة ومقاضاة من ارتكبها، كما قال خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان “مهماً كانوا”. وهنا يكمن التحدي، أما تسييس الموضوع فهو سيقود بالأساس إلى إغلاق الملف.

نتناسى بقية التحقيق مقابل أن يكون هناك تنازل في أشياء. فالاشاعة حالياً أن القضية بدأت تتحول إلى قضية سياسية، بمعنى أن تقوم السعودية بتنازلات بخصوص الحرب في اليمن على سبيل المثال، وهذه المطالب التي تم الحديث عنها من قبل مسؤولين مرموقين هنا في واشنطن، من ضمنهم وزير الخارجية ووزير الدفاع خلال الأيام القليلة الماضية، وبعض الشخصيات السعودية هنا في الولايات المتحدة تكلمت عن هذا الموضع وكتبت عنه مؤخراً. ولذا، فإنه يبدو لي أن هناك حديث حول مثل هذه الخطوات. ان السعودية تتخذ خطوة بإنهاء الحرب في اليمن، تتخذ خطوة بالنسبة لإنهاء أو تخفيف الحصار على قطر، نتيجة لذلك تبدأ الولايات المتحدة بالتوسط لإنهاء البعد القانوني لهذه الجريمة وإغلاق الملف.

شرق وغرب: هل ترى نهاية قريبة لحرب اليمن؟

خليل جهشان: صراحة، لن يكون هذا بالأمر السهل، ولكن يبدو لي أن هناك تصريحات جدية. فلا يمكن، من وجهة نظري كمراقب عن كثب للسياسات الأمريكية، لوزير الدفاع ماتيس ولوزير الخارجية بومبيو، أن يصرحا بهذا الشكل العلني، بدءاً من البحرين خلال المؤتمر الأخير في المنامة إلى واشنطن، بكل هذه التفاصيل عن انهاء الحرب بدون أن يكون هناك تنسيق مع الرياض. فهذه التصريحات برأيي جاءت بعد التنسيق. وكما اعترف أمس الأول وزير الدفاع بأن هناك في الواقع، كما أسماه هو، هناك نية لدى الطرف السعودي للسعي بهذا الاتجاه. وهذا يعني بأن هناك إما تنسيق أو قبول سعودي بهذه الفكرة. فإذا أخذنا هذا بعين الاعتبار، يبدو أن هناك بعد عملي لمثل هذا الموضوع.

الآن، كيف تنهي حرب بهذا الحجم وبهذه البشاعة وبهذه الخسائر المادية والبشرية الهائلة خلال ثلاثين يوماً كما دعا وزيرا الدفاع والخارجية الأمريكيين؟ لا أدري! هذا لن يكون بالأمر السهل حتى لو كانت هناك نوايا حسنة من قبل جميع الأطراف.

شرق وغرب: إذا ربطنا مسألة اليمن بخروج بعض المعتقلين في السعودية، هل هذا يعد نوعاً من التنازلات التي يقدمها ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، لكي يبقى في السلطة؟

خليل جهشان: أعتقد الآن أن طبيعة هذه الأزمة التي تواجهها المملكة العربية السعودية نتيجة عملية قتل خاشقجي، يبدو أنها أصبحت مشكلة علاقات عامة صعبة جداً. فمن الواضح أن هناك تخبط في الموقف السعودي وفي الخطوات التي اتخذتها المملكة وكل شركات العلاقات العامة، بالإضافة إلى  الدعايات في الصحف وعبر وسائل الإعلام. فكل هذه الأمور لم تنقذ المملكة من مغبة وتساقطات هذه الأزمة. إن المملكة بحاجة إلى اتخاذ خطوات عملية، وهذا ما أشرتَ إليه في سؤالِكَ، لا شك أنه وارد.

بالنسبة لبعض الشخصيات التي ما زالت معتقلة في المملكة العربية السعودية، هناك حديث بالإفراج عن هؤلاء وتم الإفراج عن عدد ضئيل من الشخصيات مؤخراً، خصوصاً الأمير خالد بن طلال. لقد كان في الواقع مسجوناً لأكثر من سنة، وهذا جزء من الخطوات في العلاقات العامة التي يبدو لي أن السلطات في المملكة العربية السعودية وأنصارها هنا في واشطن يسلكونها.

وقد كان – كما تعلم – مقال هام قبل بضعة أيام هنا في واشنطن لعلي شهابي، وهو مسؤول سعودي يقود مؤسسة أميبيا فاونديشن، والتي هي مقربة جداً من ولي العهد السعودي وتتكلم نوعاً ما باسم المملكة العربية السعودية، وهدفها بالأساس الدفاع عن المملكة وهذا ما فعلته منذ بداية الأزمة. الآن يتحدث علي الشهابي بأنه قد آن الأوان للمملكة أن تتخذ خطوات جدية نوعاً ما لإعادة تأهيل سمعتها، وذكر منها، بدون أي شك، إطلاق سراح واتخاذ خطوات أخرى بالنسبة لمعتقلين سياسيين في المملكة. أعتقد أن هذه الخطوة أصبحت في الإطار العملي أو المتوقع عندما يتكلم شخص يعتبر “متحدثاً” نوعاً ما باسم المملكة بهذه الأمور.

شرق وغرب: تصريحات الدول الغربية والحملات الصحفية على السعودية. هل تؤدي إلى التغيير؟

خليل جهشان: لا شك أن هناك استياء دولي مما حدث بالنسبة لمقتل جمال خاشقجي والدور السعودي على هذا المستوى في قتله. إن الغرب، دعني أقول، أنه ليس بريئاً كلياً، ولكن هذه هي طبيعة السياسة الدولية. فهناك استياء، وهذا الاستياء سيقود نتيجة الضغط المحلي في كل من هذه الدول خصوصاً الغربية، وسيكون هناك بدون أي شك إعادة نظر أو تغيير في سياسات هذه الدول وعلاقتها مع المملكة العربية السعودية شئنا أم أبينا.

ولكن بالأساس، إن أي تغيير سيجري في المملكة العربية السعودية هو شأن سعودي داخلي، وأعتقد أنه رغم كل هذه الانتقادات والتصريحات التي نسمعها، فإن دول الغرب لن تفرض التغيير على المملكة العربية السعودية. قد تطالب بالتغيير، قد تلمح بالتغيير، ولكنها لن تفرض التغيير. وهذه طبيعة العلاقات الدولية الآن. فالعلاقات ستتأثر والتحدي الذي تواجهه الدول الغربية، خصوصاً في الولايات المتحدة الأمريكية، هو كيفية الموازنة بين السياسة الحقيقية للبلد بالنسبة إلى مصالحها مع المملكة العربية السعودية والبعد الأخلاقي لهذه الأزمة.

إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واضح في موقفه. فهو يهمل الأخلاق ويتكلم عن السياسة الحقيقية والمصالح. وبالنسبة له، الـ 100 مليار دولار بالنسبة لصفقات بيع السلاح مع المملكة العربية السعودية حالياً هي أهم بكثير من البعد الأخلاقي والاستمرار في التحقيق. فهو يفضل أو يميل إلى إغلاق الملف والحفاظ على صفقات بيع السلاح هذه، وربما نسيان البعد الأخلاقي لدولة تدعي بأنها تقود العالم الحر وحرية التعبير وما إلى ذلك. وهنا يكمن التحدي بالنسبة للغرب. ولربما ان هذا التحدي أوضح في الولايات المتحدة أكثر من دولاً أخرى. وأعتقد أن حدة هذا الجدال الذي يجري حالياً في الولايات المتحدة سيزداد بعد رجوع الكونغرس من عطلته الانتخابية النصفية.

2018-11-08
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

.