السياسة والأخلاق

د. مهند مبيضين

كان إفلاطون محباً للاخلاق ومنادياً بها، لكنه عادى الديمقراطية والسفسطة (مذهب فكري حمل لواء الأخلاق والدفاع عن الضعفاء وتعرض للتنكيل واتهم اتباعه باستخدام الفلسفة للتكسب)، وسعى إفلاطون إلى الدولة العادلة وأسس أول اكاديمية علمية في أوروبا، وتأثر بموت معلمة سقراط، وأكد على مسار المعرفة وتحقيق العدل للإنسان ورفض مقول السفسطائي تراسيماخوس في أن «العدل» هو ما ينفع الأقوى.

لكنّ طموح افلاطون بتولي الفيلسوف الحكم وصنع الدولة العادلة باء بالفشل. ليطالب لاحقا بالتخلص من المثقفين، كما أن الدولة العادلة عنده هي طبقية التكوين وطبقاتها الأساسية هي: طبقة الفلاسفة أو القادة، وطبقة الجنود، وطبقة الصنَّاع.

كذلك أرسطو تلميذ أفلاطون، ومعلم الفاتح الكبير الأسكندر بن فليب الأعور، فقد نادى بالمعرفة العلمية التي تقود للسعادة وفضلّ الفضيلة كاساس للاخلاق، فالكرم مثلاً هو سلوك وسيط بين رذيلتين البخل والتبذير. والفضيلة عنده أساس للمعرفة التي هي السبيل لإسعاد البشر. لكن أرسطو هشّ وبشّ كثيراً لقائده وتلميذه الاسكندر الذي أغرق في الملذات وتوسع في الامبرطورية شرقا حتى وصل الهند ومات مسموماً في قصر الملك نبوحذ نصر في أرض الرافدين.

فيما بعد حاول ميكافلي المتوفي عام 934هـ/1527م استعادة جدل الأخلاق والسياسية، لكن وضع قاعدة سلبية لتكريس النفعية عنوانها «الغاية تبرر الوسيلة» فكان له أن يضع نفسه مع انتشار كتابه الأمير كمنظر للفلسفة السياسية الواقعية، ومن أهم الأقوال عنده:» الطريقة الأولى لتقييم حِكمة الحاكم، هي النظر إلى الرجال المحيطين به».

لاحقاً ظلّ البحث لدى خلفاء سقراط وافلاطون وارسطو في الغرب قائماً في مسألة الأخلاق والسياسة، وكان فريدرك نيتشه (ت:1318هـ/ 1900م) مثابراً على البحث في الأخلاق لذاتها لا للسياسة، فدرسها بشمولية وتوسع كبيرين، وسعى للبحث عن أخطار القيم السائدة وأثرها على سلوك الناس. ورفض التمييز بين البشر وفكرة القطيع. وعاش نيتشه اربعون عاماً، وأصيب بمرض عقلي، لكنه كان فريداً فعين برفسورا في جامعة بازل في سن العشرين وقبل اتمام دارسته للدكتوراه.

فقهاء الإسلام غير فلاسفته، فهم لم يعنوا بإيجاد نظام سياسي، أو لم ينجحوا في تحقيق ذلك، لكن السياسة عندهم شرعية في الجوهر، وهي لتطبيق الأحكام، ومع ذلك ثمة رأيان، قول يمثله أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي بقوله إن «السياسة ما كان من الأفعال؛ بحيث يكون الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد…»، ورأي آخر يحصر السياسة ومعناها على باب الغلظة في تطبيق الحدود والجنايات، وهو ما يجعلها أحيانًا مرادفة للتعزير، وهذا الاتجاه غالب على الفقه الحنفي في نظرته للسياسة، يقول علاء الدين الطرابلسي الحنفي: «السياسة شرع مغلظ» ونقل الفقيه ابن عابدين الحنفي في القرن التاسع عشر اختصاص السياسة والعقاب للحكام فقال: «أن السياسة تجوز في كل جناية والرأي فيها إلى الإمام». وبذلك تصبح السياسة فعلاً وأمراً من الحاكم أو من ينيبه.

فيما نظر الفلاسفة المسلمون إلى التدبير المدني للمدينة، فالنظام السياسي في المدينة له قانون كلي، إذا التزمته أي مدينة صارت فاضلة كاملة وعادلة، وهذا ما ذهب إليه الفارابي(ت: 339هـ/951مـ). وقبله الكندي (ت252هـ/866م) وهو أول من قام بهذا العمل، وألَّف إحدى عشرة رسالة في السياسة والأخلاق، وجاء بعده أحمد بن الطيب السرخسي (ت286هـ/899م).

وبلغ البحث ذروته في أمر الأخلاق والسياسة مع ابن سينا (ت428هـ/1037م)، لكن فصل المقال جاء مع ابن رشد(ت:595هـ/1199م) الذي قسّم السياسة إلى قسم علمي وآخر عملي، الأول يقف على الأخلاق، والثاني يشرف على تدابير المدينة، وبذلك تصبح السياسة هي الجانب الاجتماعي للأخلاق.

المصدر - الدستور الأردنية
2018-11-04
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

.