على هذا الرجل تنعقد الآمال

كمال الكيلاني

ليس من المستغرب أبداً كثرة ما كتب عن حوار شديد الإقتضاب وغير مألوف، بين الأمير أحمد بن عبدالعزيز آل سعود وحشد من المتظاهرين كان قد ووجه بهم الأمير محض مصادفة قرب مقر إقامته في العاصمة البريطانية لندن.

الحوار مثير ومهم، على وجازته، وله أكثر من مغزى. تناقلته وكالات أنباء عالمية وتكرر نشره في كبريات الصحف البريطانية ووسائل التواصل الاجتماعي، وأصبح ملء السمع والبصر لدى العرب والأجانب في لندن، والرأي العام السعودي قاطبة.

وذلك أثناء تظاهرة قام بها محتجون من اليمن والبحرين هاتفين وحاملين اللافتات التي يعبرون بها عن معارضتهم لسياسة آل سعود في بلادهم، ويحملونهم المسؤولية عما يجري في المنطقة من أضرار جسيمة. ولا بد أن من أصعب الأمور وأندرها السيطرة على هذا النوع من التظاهرات، وهو فيما يبدو ما استطاع الأمير أحمد تحقيقه، إذ تراه في لمحة خاطفة معبرة، واقفاً يصغي لما يرددونه من عبارات. ثم وبكل هذا الهدوء الذي يتسم به، راح يتبسط معهم في الحديث بكل اهتمام، يسألهم ويسألونه، فيجيب، ولا يطيل الكلام، يقول في كلمتين أو ثلاث ما يدل دلالة واضحة ليس فقط على تلك المكانة التي يتبوؤها هذا الرجل في بلاده، بل أيضاً على مدى استقلاله الفكري، وثباته عند موقفه الذي اعتقد فيه الخير لوطنه، فضلاً عن جنوحه إلى الإنصاف واحترام حرية الرأي وميله إلى الحقيقة أينما تبدت له، والمناداة بما رأى أنه الحق والعدل، ولم يقل قط ما يخالف ضميره.

لقد عارض الأمير أحمد هذه الحرب العبثية الظالمة على اليمن مدفوعاً إلى هذا الموقف بأنبل الدوافع وأرفعها شأناً. ذلك أنه يرى كل عربي أخاً له أخوَّه الدم، وكل مسلم أخاً له أخوَّة الدين، وكل إنسان أخاً له أخوَّة الإنسانية. ثم يعطي لكل أخوَّة حقها فضلاً وعدلاً. لا توقفه عن واجباته الحدود أو العقبات. ولديه من الجرأة ما يجعله ينصر المظلوم على أهل الباطل مهما علا شأنهم.

ولذلك لا نعجب أن نراه يعارض على الملأ هذه الحرب الظالمة التي تخطت كل المحرمات. وإن قوة إيمانه بالله جعلته يشعر بصفته عربي ومسلم أنه محاسب على سكوته على الظلم. وهو أصلاً شديد الحساسية تجاه الظلم أينما كان، لا يتحمل وقوعه لأحد. وكان يردد على رؤوس الأشهاد الآية الكريمة “وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا” ثم يقول “لا لتحاربوا”.

وعلى ما كان عليه الأمير أحمد من احترام لأخيه الملك عبدالله بن عبدالعزيز فإنه لم يكن يخلو كلياً من استقلاله الفكري. وقد ترددت أصداء ما اشتهر به من الإنصاف والعدل، وتميز به عهده في وزارة الداخلية نائباً لشقيقه الأمير نايف بن عبدالعزيز نحو ثلاثة عقود، ثم وزيراً للداخلية، من بسط الأمن وترسيخه ورفع الظلم، ثم الإفراج عن معتقلي الرأي في المملكة وإطلاق سراحهم.

والشيء المؤسف حقيقة هو أن هذا الإنصاف في الحكم على مخالفين في الرأي، لم يقترفوا قط شيئاً من السوء، كان السبب في إبعاده عن منصبه في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز.

على أن هذا لم يؤثر في صلابته ومواقفه النبيلة. ولم يوقفه عن المجاهرة بالحق ومعارضة الباطل، فنال إشادة الجميع، إشادة يطبعها التقدير الكبير لرمز بارز من رموز المملكة له مكانة سامقة في قلوب المواطنين لاعتبارات كثيرة. وفي مقدمتها شدة إحساسه بالمسؤولية، واحترامه الشديد للناس مهما تواضعت مكانتهم، لا يفرق بين قوي أو ضعيف، ولا بين غني وفقير، ويبدي اهتماماً خاصاً بأصحاب الشكاوي والضعفاء والمظلومين من بينهم، بما يحفظ حقوقهم وكرامتهم. ونحسب أن هذا التعاطف القوي مع صغار الناس والمتسضعفين والمظلومين منهم، لا ينبع إلا من قلب عامر بالإيمان، ورجل يقابل الحياة بعزة وترفع، لا تغره الرتب ولا يتباهى بالألقاب.

قال لي الأمير خالد بن فرحان آل سعود في معرض الفخر بالأمير أحمد أنه “لم ينشأ في الأمراء إلاّ القليل مثله صدقاً وحكمة وفضلاً وتحملاً للمسؤولية، وهو أشدهم تواضعاً وأخفضهم جناحاً وتقبلاً للأخر”.

وأضاف يقول: “عندما كان الأمير أحمد نائباً لوزير الداخلية كان هو الضمير والصوت الرافض للاعتقالات السياسية التعسفية والتعذيب في السجون السعودية”.

يمضي الأمير خالد في الحديث فيقول: “لقد برز هذا الأمير الفذ في خصاله، علماً لا في مجتمعه العربي فحسب، بل في المجتمع الإنساني جميعه”.

إن ذكر تلك السمات ليس من قبيل المدح والإطراء، وإنما مناقب شهد بها كثير من المقربين ومن لهم وافر الصلة بالأمير أحمد. وهي لم تعد خافية على أحد في المملكة، بل لم يعد حتى المعارضون في الخارج يعبأون بإخفائها. فقد أكسبه ما جُبلت عليه نفسه من الإستقامة ومناوءة الباطل والدفاع عن الحق وخدمة الصالح العام، مهابة ووقاراً في عيون الجميع على السواء.

كذلك نرى أن وجهة النظر الدارجة عن الأمير أحمد عند الناس، كما يؤكد أحد المعارضين البارزين “إنه يريد الخير للبلد، ويتمنى أن يُطلق سراح المعتقلين السياسيين وتعود العلاقة بين العائلة المالكة والعلماء والمؤسسة الدينية إلى ما كانت عليه من احترام وتقدير المشايخ والعلماء”.

ويستطرد هذا المعارض البارز في حديثه، فيقول: “الأمير أحمد ليس شريراً، وليس من النوع السادي الذي يحب أذى الآخرين، ولديه شيء من العاطفة الدينية تمنعه أن يتخذ مواقف ضد المتدينين والتيارات الإسلامية، وله علاقة جيدة مباشرة مع شيوخ القبائل والأعيان، ليست مبنية على المنصب، بل مبنية على شخصيته ويذكر عنه “الإستقامة في السلوك على خلاف كثيرين من الأمراء”.

نجح الملك عبدالعزيز آل سعود في إقامة هذا (الكيان الكبير) بعد أن كان مزقاً، وبقعاً صغيرة، وتنافراً. فشيد كياناً متلاحماً، وممتداً ومعتصماً بحبل الله، ليكون أعظم تجربة لتحقيق (الوحدة) ولتكون محصلة وثمار هذه التجربة: بناء كيان قادر على النهوض والنمو والإزدهار، والحفاظ على أمنه واستقراره. وتمكن خلال حكمه أن يستقطب التئام الأرض الممزقة ونجح، وترك وراءه عبارة بالنذير لو تعيها الأمة العربية فلا بد أن تفلح، قال رحمه الله: كان هدفنا أن نوحد النفوس، وأن نوحد الأفكار، ولن تنجح هذه الأمة على امتداد رقعتها الجغرافية طالما بقيت ممزقة”.

وربما كان قدر أحمد بن عبدالعزيز أن يستلهم نهج أبيه الملك المؤسس الذي توثقت به المملكة، ورعته وحرصت على حمايته.

هذا الأمر أصبح شديد الوضوح بعد هذا التدهور في الأحوال الدينية والاجتماعية والسياسية والإقتصادية والوقوع في فخ تقسيم دول الخليج وجرائم الحرب على اليمن التي تهدد قتل جيل بأكمله.

أمر جعل الملايين من الشعب السعودي تتوق لبزوغ نجم قائد معاصر، يعيد للمملكة مجدها ويبني لها نهضة حديثة والخروج من هذه المحنة وتجاوز هذه الحقبة المظلمة من تاريخها. لا بد للأمير أحمد بن عبدالعزيز أن يقوم بهذا الدور العظيم، وأن يبلور قيمة توحيد النفوس والأفكار، في إيجابية وحدة الصف من حوله. فعليه وعلى من يسلكون نهجه تنعقد الآمال.

2018-11-04 2018-11-04
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

.