يحيى يخلف واليد الدافئة

محمد نصار

في روايته الصادرة حديثا عن الدار المصرية اللبنانية ” اليد الدافئة”، يطوف بنا يحيى يخلف على محطات متعددة، مر بها قطار العمر في زخم انشغالاتنا اليومية وصراعاتنا، التي أخذت الكثير من الجهد والعافية، دون ان نفطن لما انقضى منها و ما هو باق.

في هذه الرواية التي تمتد على مساحة زمنية رحبة، تجمع ما بين الماضي وما به من ذكريات و الحاضر بكل ما حوى من منغصات وتدور أحداثها في أمكنة متعددة، تشكل الحيز المتخيل للمكان الذي رسمه الراوي  مسرحا لأحداث روايته، التي امتدت إلى بقاع متعدد داخل الوطن وخارجه” رام الله، لبنان، ألمانيا..ألخ” وافترشت نحو من مئتين وستين صفحة من القطع المتوسط، تدور في فضائها تفاصيل الحكاية التي غزلها الراوي نسيجيا متناسقا.. مبدع الحبك.

يطالعنا صوت الراوي المتخفي في عباءة الإعلامي أحمد أبو خالد، ذاك الرجل الذي أنهى سنوات خدمته في وزارة الإعلام وحمله مهمة سرد الحكاية باعتباره كاتبا له من الأدوات ما يؤهله للكتابة وبالتالي صار الراوي الذي يضعنا أمام تفاصيلها، بكل ما فيها من شجن ووجع.

فمن خلال سيرة هذا الموظف المتقاعد حديثا، تبدأ خيوط الحكاية في التشكل بشكل انسيابي سلس وبنبرة هادئة، تشبه الهمس في دفئها، معبرة بكل صدق عن واقع يعيشه هذا الرجل، بكل ما فيه من مرار وألم، فبعد أن كان يحيى نمطا حياتيا فيه الكثير من الحيوية والحياة، أثناء سني العمل، التي شغلته عن أشياء كثيرة في حياته الخاصة ، صار بعد التقاعد رهينة لواقع جديد.. واقع فيه الكثير من الألم والجمود وهو الذي يعيش الوحدة بعد وفاة زوجته قبل سنوات معدودة وفراق ابنته التي تزوجت خارج البلاد، ثم الركون إلى زوايا البيت التي يسكنها الصقيع.

برع الراوي في رسم هذه الصورة المثخنة بالأسى والإشفاق لحال هذا الستيني المتقاعد ومحاولاته البائسة في الخروج من تلك الدائرة اللعينة ، سواء من خلال مناجاته لصورة زوجته المعلقة على الجدار والحديث معها عن ذكريات ولت ومضت كأوراق الخريف التي تحملها الريح، أو من خلال أحاديث ابنته التي تأتي على فترات متباعدة من بلاد بعيدة، لكي تطمئن على صحته وتؤنس وحدته، ثم خروجه المحدود لزيارة أصدقائه في نادي المتقاعدين، أو النزول إلى الشارع في بعض الأحيان.

الوحيد الذي ظل وفيا لسني العشرة التي كانت بينهما هو ابو الخير، ذلك السائق الذي كان يقله في كل صباح من البيت إلى الوزارة والعكس، هذا الرجل ظل الوحيد من بين رفاق العمل على اتصال دائم به، يأتيه في كل صباح.. يساعده في اعداد الفطار أو القهوة.. يشتري له بعض الاشياء ، يطلعه على كل جديد شاهده أو سمع به ويعتني بأرضه القريبة من محافظة نابلس، التي هجرها بفعل تصنيفها كمنطقة عسكرية مغلقة.

 خلال هذه الملابسات المتداخلة لم يغفل الكاتب عن تسليط الضوء على جوانب اخرى من حياتنا، خصوصا السياسية منها، مع ما حملت من إشارات لا تخلو من اللمز والغمز على بعض المواقف والمسلكيات التي تحدث في واقع الصراع اليومي مع المحتل، كقضايا الاستيطان ومقابر الأرقام التي لم تجد من يدافع عنها سوى عامة الناس ودهمائهم، في حين اكتفى الساسة والقيادات في الوقوف امام الكاميرات وإلقاء الخطب وكذلك حديثه عن بيروت والرفاق الذين تشتتوا في بقاع الأرض، حاملين جراحهم وآلامهم خاصا بالذكر منهم صديقه الرسام الذي أخذت منه سنوات الغربة سني عمره هدرا والقت به في مدارجها الشائكة.

الرواية فيها الكثير من البوح والألم وفيها الكثير من المحطات والإشارات التي تلقي الضوء على جوانب متعددة من حياتنا بما يشبه النقد الذاتي لمسيرة تحتاج إلى الوقوف كثيرا عندها واستخلاص العبر منها وفيها الكثير من التكنيكات السردية الموظفة بشكل جميل ، البوح، المنلوج الداخلي، الاسترجاع، الضمائر المتعددة، و كذلك توظيف الأسطورة متمثلة في قصة جؤذر حارس التلة على نحو له دلالات عدة ، ربما أراد من خلاله الكاتب القول للمحتل، أن هذه الأرض بإنسها وجنها تلفظكم ولا تقبل وجودكم عليها.

اليد الدافئة عمل روائي مميز بكل ما تعنى الكلمة وتحتاج لإلقاء الضوء عليها نقديا، بما هو أشمل وأوسع من هذه الإطلالة السريعة ، حتى تستوفي حقها على النحو الذي يليق.

تقديرنا الخالص للكاتب على هذا العمل الجميل وتهانينا الحارة له على نيله جائزة فلسطين للابداع.

2018-10-21 2018-10-21
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

.