قراءة في رواية ابقي بعيدة للكاتبة يسرا الخطيب

غريب عسقلاني.

*غريب عسقلاني : أديب وناقد فلسطيني.

عتبة أولى:

بعد مشاويرها مع القصيدة والقصة القصيرة, تشحذ يسرا الخطيب أدواتها الفنية وحصيلتها المعرفية في روايتها الأولى ” ابقي بعيدة, للخوض في قضايا الحب والغربة والاغتراب والانتماء الوطني, بالغوص في ارتدادات الواقع السياسي على مسار حياتها خلال المواجهة اليومية، الصراع على هوية الفلسطيني منذ قرن ويزيد, وانعكاس ذلك على حياة البسطاء والفقراء، الذين يدفعون الفواتير في حالات  المد والجزر. عبر رحلة تنطلق الكاتبة بالرواية مع مريم صالح القطراوي راوية وبطلة الرواية, وموثقة الأحداث وتأويلها وتفسير المقدمات والنهايات في حياة  شخصياتها الرئيسة والمرافقة, على امتداد رحلة البحث عن العدل والحرية في نزال مواجهة عدو سلب الأرض ويعمل على شطب الهوية الفلسطينية, متخذة من معاناة السجناء الذي يقضون زهرة أعمارهم يعيشون دراما الصدام وجها لوجه, وتأثير ذلك عليهم وذويهم خارج المعتقل.

ذاكرة الحكاية:

تعود الحكاية إلى نكسة 1967 وخروج  المخيم خلف نعش الشهيد صالح القطراوي, الذي غطى انسحاب رفاقه, وتصدى لجيش العدو, ومرور المشيعون بدار الشهيد على عجل, تاركاً زوجته وبناته الأربعة مع صدمة الغياب, قبل أن تستوعب طفلته مريم معنى غياب الشهيد إلى غير رجعة, فحفظته عن أمها حكاية وإرثا وميراثا, ورغم تعاطف العائلة مع العائلة أودعت الأم السيرة شغاف روحها, وانكفأت على ماكينة الخياطة, لتوفير أمن بناتها الأبهى مظهراً ومخبراً بما يليق ببنات شهيد.

تكبر الطفلة مريم وتصطفي فاطمة الهادئة صديقة, تتبادلان القصص والبوح, وتكبران مع الحكايات, وتبحر مريم في عالم أخ صديقتها يحيى الصامت، الذي فتح أمامها معنى أن تكون ابنة صالح القطراوي, وأن يكون هو تلميذ خال فاطمة ويحيى المعلم حسان رفيق أبيها القطراوي. تكبر مريم مع حكايات لم تسمعها من أمها المنشغلة بتوفير أسباب الحياة والصائمة على الحكاية.

تنمو لدى مريم براعم الولاء بين العقل والقلب, ويتسلل الشغف دون استئذان رغم فارق السن, يسكنها وتسكنه, فيخطبها ويقع في الأسر, ويُحكم بالمؤبد, ويحررها من قيد الانتظار, ويبقى هو على قيد العذاب على مضض لتبقى بعيدة عن الابتزاز, وتهديد الاحتلال بالقبض عليها وفاطمة. وقد عجلت أسرة يحيى بزواج فاطمة لابن عمها إسماعيل الذي يحبها, وينجبان فارس وكرم ولبنى, ويشارك  اسماعيل في المقاومة على نشر المقالات وتوزيع البيانات التي تحض على المقاومة, ويعتقل ويحكم لمدة خمس سنين, في هذه الفترة تنتسب فاطمة لجامعة بيروت العربية وتحصل على شهادة القانون, وتعمل محامية في مؤسسة تعنى بقضايا الدفاع عن الأسرى, ونشر معاناتهم وعائلاتهم على الرأي العام المحلي والدولي, ومنظمات حقوق الإنسان والمتضامنين مع الشعب الفلسطيني..

غربة الروح واغتراب الجسد:

وفي الحكاية أنه بعد تريث واختبار.. وقفا أمام البحر ينطلقان مع المدى يتبعان النوارس الراحلة مع الريح شمالا نحو الوطن, فسرت تحت قدميهما برودة المالح, فأدركا عودة الموج إلى حضن الماء وأدركا سر انهمار المطر, عندما ينهض القلب انحيازا..

مريم راوية الرواية وموجهة دفتها تمتطي لغة الشعر تفيض باعتراف مبهم يقترب من بوح شفيف لفارسها يحيى، الذي لا يغيب، حيث نضج وعيه على دروس خاله حسان, إذ أخذ درسه الأول من أبيها صالح القطراوي, وجرب المعتقل لست سنوات, والتي اعتادت على زيارته بصحبة صديقته الأثيرة فاطمة, وأنست باستقبال زوجته سارة المضيفة الكريمة الشفافة، التي تدرك رجفة العين قبل لغة اللسان, واكتشفت كم يشبه يحيى خاله, فتوهجت في أوصالها رغبة بوح عاشقة أعلنت الانتماء المبكر وعرفت لغة القلب, وكيف يسري الشوق في أرجائها يصبغ وجنتيها باحمرار الرجفة..

***

ثمة أسئلة تتردد في الرواية:

هل الهروب من الوطن حلا للمعاناة داخل الوطن؟

ولماذا تقتصر المعاناة على الرجال أما معاناة النساء قدر تعارف الناس عليه ؟

وهل كان اعتقال يحيى  خارج التوقعات, رغم احتمال وقوعه؟

تغادر مريم الوطن حاملة معها يحيى إلى السعودية في رعاية عمها فؤاد المقيم هناك, والذي وفر لها الرعاية والعمل.. وصامت على قناعاتها بأن تحرير يحيى لها أنانية منه؛ لأنه لم يترك لها المشاركة في خيار الانفصال..

انخرطت في عملها وعاشت مع زميلاتها المغتربات, اللواتي يعدن إلى الأهل متى أردن, حتى الفلسطينيات اللاجئات في دول عربية يعدن إلى وطن اللجوء, وهي المقصاة تعيش مع يحيى, تقيم  بتصريح يلزمها العبور من بوابة يتحكم فيها الاحتلال.. فتنكفئ وتغلق عليها صدفتها, وتسجل يومياتها ومعاناتها في التخاطر معه عن بعد لتقترب منه أكثر, تنشر المقالات والقصائد في المجلات والجرائد.. وتعيش أخبار الوطن من خلال الفضائيات ووسائط التواصل مع المواقع والأهل.. تراقب الصغار وكيف كبروا, وأخواتها وقد أصبحن صبايا وأمهات انشغلن بحياتهن, يزودنها بالأخبار, حذرات من الاقتراب من سيرتها ويحيى, خاصة أختها الكبرى ليلى, التي ترى في تحررها من قيد يحيى بداية تبدأ منها الحياة؛ لأنها ترى في الانتظار عبث, الأمر الذي تقرأه وهي تلوذ بحضن أمها التي تعتصم بالدعاء لها بابن الحلال الذي يستحقها, ويوقف آثار العمر التي زحف عليها في الغربة.. حتى جاءت _ وعلى غير توقع_ صفقة تبادل الأسرى, وقرأت اسم يحيى بين المحررين رغم خطورة التهم الموجهة له, واختياره العودة إلى غزة بدلا من الالتحاق بالثورة في دول الجوار, فتشد مريم الرحال إلى غزة, بعد 12 سنة من الغربة, لتعود إلى سياق حياتها من جديد.

مجاهدة الروح والقلب:

عادت مريم ومرت الأيام بطيئة ثقيلة, كل شيء من حولها تغير: البيوت، والشوارع المغلقة لاصطياد المقاتلين, والجدران المصدعة بفعل القصف, والحواري ضاقت بالصغار نتيجة تمدد البيوت فيها لزواج الأبناء, والجير المقشر الذي كسر الشعارات وموه أسماء الشهداء، الذين ارتقوا, عناوين مناسبات وأسماء تنظيمات, وقادة.. وأحاديث عن القصف وانقطاع الكهرباء, وتلوث مياه الشرب, وقضايا علاج الأسرى والجرحى, القصص تتناثر عن هموم الناس, وتحاشى الأقربون الأقرب إلى الحذر أو الحزن عندما ترد سيرة يحيى, حتى فاطمة التي كانت تزورها فور وصولها لوصل ما انقطع من أشواق وحكايات, زارتها على عجل بعد أسبوعين من وصولها, وأخبرتها باقتضاب, عن ارتباك سلوكه وصمته الطويل واستغراقه في الصمت, وأنه يمشي وحيداً, لا يجامل الناس, بعد الخروج من السجن, وطلبت منها التريث حتى يشفى من غربته واغترابه.

تواصل مريم البحث بعناد واثق بموقفها, لتثبت صمودها وحقها من خلال استرداد حبيبها وانتصارهما معاً لبناء عالم يقوم على العدل, رغم القيم والرؤى الذكورية العرجاء التي تتنافى مع المواجهة الضارية مع العدو، الذي بنى وجوده على شطب الكل الفلسطيني من رجال ونساء واغتال البراءة يوميا, الذي تجلت بشاعته في اغتيال محمد الدرة عند حاجز نتساريم على مشارف غزة.

وعلى جانب آخر يتسلل الجهل ممتطيا العادات والقيم المتداولة اتجاه المرأة بتنصيب الرجل قيِّما على المرأة إن أصاب أو حتى أخطأ, وتعطيه الحق في قتل الحب الصادق والواعي العفيف، في الوقت الذي يترك المجال فسيحا لرغبات الرجال  وشهواتهم, ويعاقب المرأة إن هي أعلنت عن رغباتها, كما جاء في اعترافات زوجة الأسير الذي خرج بعد 20 سنة, وتزوج على خطيبته ابنة عمه بعد طول 40 سنة بحجة حاجته للأولاد, ويسامح لها العيش في كنفه بسلام مع زوجة طارئة!

أين العدل أو أين الالتفاف عليه بتحييد الوازع الأخلاقي عن مذبح طغيان الشهوات.

وفي موازاة ذلك زوجة الأسير الذي حُكم بالمؤبد وترك أربعة بنات, تبحث عن حقها الشرعي, برفع قضية للموافقة على خلوة شرعية مع زوجها, قبل أن يتقدم بها العمر, على أمل إنجاب ولد يحمل عبء أخواته.

وعن الأسير الذي انتظرته زوجته20سنة, وعندما نال حريته تزوج من امرأة صغيرة بهدف التمتع بالحياة بعد طول حرمان خلف جدران السجن.

كما تتوقف طويلا عند قضية نوار الصحافية الناشطة, التي أخذت على عاتقها الانتقام لأختها التوأم, الممرضة المتطوعة  في إسعاف الجرحى , والتي فجروا بها سيارة الإسعاف في القدس, وتلفيق تهمة محاولة طعن جندي إسرائيلي في الحرم, وحكمها بخمس سنوات, فيأخذ زوجها ولديها ويعود إلى أهله في غزة رافضاً حضانتها للطفلين, وتكسب فاطمة القضية في غزة, ويصعب تنفيذ القرار بسبب الانقسام ووجود حكومتين متصارعتين في غزة والضفة الغربية وما زالت القضية عالقة..

عودة الطيور المهاجرة:

في بيت العم المعلم حسان وضيافة سارة الرقيقة يذوب الحذر, وتعود القلوب إلى أشواقها, وينجبان صالح الأسمر الذي يشبه أباه في صمته وصيامه على الأسرار, ووليد العنيد المقتحم, يعيشان النضال من أجل الحياة, امتداد رسالة الأب الذي استوعب الحياة في فضاء الحرية, وأم تلاحق الأحداث بعين ناقدة, تدبج المقالات, وترصد عذابات السجينات المناضلات, تحلل وتوثق تجاربهن, مثل أم رائد التي استضافت أخاها ورفاقه المطاردين, تصمد في التحقيق, وتُحكم بالسجن خمس سنوات بعد اعتراف أحدهم عليها بنقل المتفجرات, غضب زوجها عليها ومنع أولاده من زيارتها لأنها تكتمت على الأمر, وغضب زوجها ومنع أولادها من زيارتها في السجن.

وحكاية أم الأسرى التي ربت حفيدها اليتيم, وزوجته صغيرا حتى يعمر البيت بالأولاد يتم اعتقاله يوم عرسه, تعمل على نقل رسائل الأسرى, وأم صلاح أم لثلاثة مساجين وأمنيتها اجتماع الثلاثة في سجن واحد لتزورهم معا بدلا من التنقل على ثلاثة سجون.

بعد تسع سنين من الإفراج عن يحيى, يصطحب مريم لأداء فريضة الحج, وعند العودة يتم اعتقاله غدرا من المعبر من قبل المخابرات الإسرائيلية, ويودع في السجن ويحكم بأربعة مؤبدات..

***

تتحمل مريم أعباء الأسرة بعد الاعتقال الثاني, يسامرها القلق على يحيى, تكابر ولم تأبه بتقدم العمر والوهن والمرض الذي زحف إلى رئتيها, وكابرت على أعراضه, لانشغالها في العمل صحافية وباحثة ناشطة تغطي فعاليات الانتفاضة, مؤرقة بين اختلاف ميول ولديها, لحد التنافر في الرؤى والمواقف من الأحداث, وانعكاس وقائع الانقسام على توجهاتهما, فصالح المتريث الصامت, يسير على خطى أبيه, ووليد العنيد النزق المندفع يساري النزعة, يصاب وهو فتى خلال انتفاضة الأقصى, برصاص قناص إسرائيلي, فينجو مع إعاقة في يده تحتاج إلى جراحة دقيقة خارج قطاع غزة, لا تمكنه ظروف المواجهات والإغلاق, من إجرائها..

يتزوج  صالح من يافا ابنة عمته ليلى , ويعتقل ويجتمع بابيه في سجن واحد, ويقوم على خدمة أبيه.. إلى أن يتم تحرير يحيى من السجن في صفقة تبادل الأسرى مع الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط. وتمكن صالح من تهريب نطفته إلى زوجته يافا وترزق بطفلة يسميها مريم الصالح.

فهل انتهت سيرة مريم, أم تراها دخلت فصلا جديدا, يتحمل تبعاته من سيواصلون المسيرة حاملين تراثهم معهم آملين الوصول, ليزهر الحلم.

توقعت أو تمنيت لو تركت يسرا النهاية عند تحرير يحيى للمرة الثانية وغيابها بعد مكايرة على المرض.. وتركت للقارئ بوابات المستقبل لاشتباك القارئ مع القضايا الكثيرة والهامة المطروحة في الرواية, موضوعيا وفنيا.

ماذا بعد:

يسرا الخطيب تطرح رواية “ابقي بعيدة”, سؤال الجدوى والاحتياج, ودور الأدب في إثراء الحياة, بالأخذ من مفردات الحياة لجدوى إنتاجها في تشكيل جديد, يحمل وجهة نظر الكاتب ويحفر عميقاً في الوجدان الإنساني, ويقف طويلا أمام متطلبات الاختيار, لأن اللعبة الفنية تعتمد على الهواية والموهبة, والمعرفة, وكاتبتنا دخلت تجربتها الروائية الأولى, وقد خرجت من كم القصة القصيرة والخاطرة والمقالة والقصيدة, متسلحة بالمعرفة, وملكت القدرة على التعبير واستبطان الذات بالتلميح أو التصريح عندما يتطلب الأمر, فنرى في السرد كيف, تبتعد بطلة الرواية/ الراوية عن المناخ العام لتقترب منه أكثر, حاملة تجربتها الخاصة مع حبيبها لتعيش واقعا نفسيا ووجدانيا, رافضة قراراً أُخذ دون مشاركتها, ترفض الانفصال للاقتراب فتلوذ بالتهويم والتخاطر والتراسل والتداعي والاسترجاع, تتجول في فضاء يسبر الوجدان عند طفو النوازع المخبوءة, باستحضار الحبيب على جناح الحلم واللغة المقطرة والموحية, التي تتناثر دلالاتها, ما يفتح مجالاً لاستقصاء بوح عاشقة ثائرة تسكن الحبيب وطناً وتُسكنه قلبها وروحا..

وحتى تلملم أشلاءها المتشظية في الغربة, قسمت بنية الرواية إلى فضول ترصد المحطات, وقسمت الفصول إلى محطات سرد مباشر أو بوح أو استرجاع أعطتها عناوين دالة وبنية تقترب من الخاطرة أو من القصة القصيرة والأقصوصة أو الفيض المرسل أو السرد المحايد, كل ذلك ينثر رموزاً وإشاراتَ تفتح المجال للباحثين المدققين في دوال العتبات للتأويل والتفسير والإضافة, ويغري بتعدد القراءات التي تصب في بحر أرادته وخططت له الكاتبة.

وقد جاءت الراوية بعدة روايات تعرض لمواضيع تقبع بين رغبات النفس وضرورات الواقع المأزوم التي يحيق بالفلسطيني في وطن لم يستقل بعد, واقع قابل للانفجار في أي لحظة, زادت حلكته بسبب الانقسام الذي جزأ المجزأ وأقصى الحلم إلى دوائر رمادية وقعت في عتمة يجب أن تنقشع إلى غير رجعة..

——–

*  رواية ابقي بعيدة للكاتبة يسرا الخطيب إصدار دار مكتبة منصور للطباعة والنشر غزة 2018

* للكاتبة يسرا الخطيب, عدة مجموعات شعرية وعدة مجموعات في القصة القصيرة, صدرت في القاهرة وغزة

2018-10-12 2018-10-12
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

.