كلمة المرور لاستعادة الساحة واستنهاض الجمهور

د.غسان عبد الله

د. غسان عبد الله : كاتب وتربوي فلسطيني .

سأحاول هنا وقدر الامكان عدم الغوص في تشخيص الواقع ، اذ هم كثر من يبدعون في ذلك ،وذلك كون أن ما ألت اليه القضية الفلسطينية اليوم ، وعلى الصعيدين الدولي والمحلي، هو وضع اكثر من خطير يتطلب البدء الفوري باتخاذ خطوات عملية على ارض الواقع .

تتعدد الاسباب وراء تدهور الوضع الفلسطيني ، بدءا بانسداد الافق السياسي وعدم القدرة على تحقيق أدنى ما كنا نصبوا اليه عبر العقود العابرة ، وحالة الانقسام البغيض السياسي وما نجم عنه من تداعيات أهلكت الشعب الفلسطيني وعلى كل المستويات السياسية والاقتصادية والسيكولوجية والاجتماعية ، اضافة الى تنامي التطرف الامريكي بقيادة ترامب والحكومة الاسرائلية الحالية من خلال الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل ، واكب ذلك التوغل الاستيطاني الكبير والتزايد الملحوظ في الانتهاكات الاسرائيلية الرسمية وغير الرسمية ضد حقوق الانسان الفلسطيني بكل جوانبها .

نرى ،ومن خلال متابعتنا ودراساتنا المتواصلة ، ان مجمل السلوك الفلسطيني ، الرسمي منه والشعبي ، وفي ظل الاختفاء الملحوظ للدور الفعلي والمطلوب للمثقفين والمفكرين ، لدرجة ان الغالبية منهم قد تحولت الى جوقات من السحيجة ، مما ساهم في عدم القدرة على الولوج في مخرج منطقي جرّاء عدم ولادة فكر تحرري يقود الى حالة من الوعي وفرز قادة ميدانيين لسد الفراغ القائم ، الامر الذي اتاح الفرصة للمتسلقين والمرتزقة وحتى الطرف الاخر ، للعمل على سد هذا الفراغ القائم

وجد الاحتلال الاسرائيلي في ذلك فرصة مواتية،لتكريس النظام الكولونيالي الاستيطاني وتعزيز نهج التبعية الاقتصادية ، مما أفضى الى تكريس نمط جديد من الابرتهايد ، جراء النهج الذي اتبعناه كفلسطينين في ادارة الصراع مع الاحتلال ، بدلا من مجابهة الصراع .

كردة فعل ، تداعت ولا زالت تتداعى المحاولات الشعبية والفصائلية لبلورة خريطة طريق للخروج من عنق الزجاجة ، فنرى أن افكارا كثيرة قد تزاحمت ولكنها لم تتلاقح كي يتم الارتقاء بالوضع نحو الافضل.

تزداد قسوة ومرارة الحياة جراء ألاستمرار في نهج التجريب والمواربة . ومع استمرار استخدام نفس الادوات في التجربة التي قادت الى النتيجة الخطأ ، لن يفضي ذلك الا للخطأ ذاته مع تزايد انعكاساته المتعددة على الشعب بكامل شرائحه الطبقية.

كي لا يواصل تيار القبول بنضال الكلام والذي قد يتحول لاحقا الى قبول الصمت من باب التبرير بأن الصمت ادانة ، مطلوب اعادة استنهاض الشارع الفلسطيني وتنشيط ساحات العمل كفرض عين وليس كفرض كفاية . ان اسلوب اللوم والهجوم اللفظي على اوسلو او السلطة الوطنية الفلسطينية ،لم ولن يجدي نفعا ، مثلما هو حال ندب الحظ والتشكيك بقدرات الشعب الهائلة ، تماما كما يردد البعض بأن حالنا يرثى له والادعاء بأن شعبنا قد استساغ نهج الاذعان وأن مثقفينا ومفكرينا قد قبلوا بدور قارئي الفنجان وباتوا فقهاء التبرير والتفسير .

لقد أثبتت التجارب والهبات الشعبية منذ عام 1976( الانتفاضة ضد مشروع الادارة المدنية انذاك ويوم الارض الخالد ، 1977 مواجهة زيارة السادات للقدس ، استنكار الهجوم على جنوب لبنان وما ال اليه من مجازر – صبرا وشاتيلا مثالا1982 – بعد عملية الليطاني 1978 ، مواجهة سياسة القبضة الحديدية سنة 1985 ، الانتقاضة الشعبية 1987 ، وما يسطّره اليوم شعبنا من هبات ومناوشات مع الاحتلال دفاعا عن حقوقه الوطنية المشروعة ، كل هذا يؤكد على جاهزية الشعب وقدرته واستعداده للمواجهة والذود عن الوطن بكل السبل الممكنة .

صحيح اننا في ظلام دامس،لكننا لا زلنا ننظر ونبحث عن النجوم والقمر ، مما يزيد ثقتي بالشعب والجماهير ، ليس فقط بأنه تاريخيا لم يسجل هزيمة شعب يمتلك الرؤية والهدف ، بل وأيضا لان الفلسطيني بات لا ينكسر جراء الاحزان المتعاقبة ، ولا يتألم بسبب الموت مع التأكيد انه بات لا يحتمل المزيد من الخيبات

تكمن اولى اجزاء كلمة المرور لاعادة عملية الاستنهاض واسترجاع الساحة الشعبية ، هذا اذا كنا نبغي الحاق الهزيمة بهذا الواقع المرير ، ضرورة بناء فلسفة نضالية تبتعد كليا عن مواصلة بيع الوهم وعدم المكاشفة والصراحة .

في الاونة الاخيرة ، اخذ العنف المحلي بالتزايد ليطول كافة مكونات المجتمع الفلسطيني : التربوية التعليمية( ما تعرضت له مدرسة رام الله الثانوية ومدرسة سلفيت الاساسية – سيتم تخصيص مقال لاحقا لهذا الشأن ، الاجتماعية ( الاقتتال العائلي وعمليات الخطف والقتل – ما حصل في بلدة/قلعة صور باهر – والتهديد، اكتشاف

مشاتل المخدرات في العديد من مناطق الضفة الغربية ) والاقتصادية ( عمليات التهريب والتزوير وبيع السلع والادوية الفاسدة …..) .

لم تأت مثل هذه السلوكيات الغريبة عن قيمنا واخلاقنا فجأة ، فكما اشرت سابقا بأن انسداد الافق السياسي وما ترتب عليه من عدم التوصل لحلول تقود الى تحسين مجمل الاوضاع الفلسطينية ، أضف لذلك استمرار الانقسام البغيض وما نجم عنه من تداعيات أنهكت كاهل الكل الفلسطيني ، وحالة الشلل التي أصابت المجلس التشريعي ، مما حسر دور سلطة القضاء حيث بات من المؤكد استحالة ارساء العدل والمساواة وبالتالي افتقار المواطن الشعور بامان .

من منطلق احترامي وتقديري العالي لدور الاجهزة الامنية الفلسطينية، والتي نسمع كل يوم عن انجازاتها النوعية في كافة المناطق الفلسطينية المحتلة ، الا ان ما ورد في اتفاق اوسلو يشكل عائقا احيانا في تنفيذ المطلوب وعلى وجهه السرعة بسبب الحاجة الى ما يسمى بالتنسيق المسبق مع الطرف الاخر . ايضا ينطبق هذا على بقية المؤسسات الرسمية في القدس المحتلة ومناطق ما يصنفها الاحتلال ب مناطق ج .

بناء على تجارب ونجاحات سابقة للقوى الشعبية في الانتفاضة الاولى ومحاولة للانعتاق من الاتفاقيات المكبلة لاجنحة السلطة وليس بديلا عنها ، نقترح هنا الى البدء في تشكيل مجالس شعبية من المؤسسات الاهلية والاطر الشبابية لتعمل سوية على غرار القيادة الوطنية الموحدة ، على ان تكون لكل محافظة قيادة وطنية موحدة ، تعمل جميع هذه القيادات الوطنية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية ويحكمها قانون التوافق الوطني لمواجهة الانفلات وردع الخارجين عن الصف الوطني . تكون مرجعية هذه القيادات الوطنية الموحدة واذرعها الميدانية ، مجلس الافتاء ، نقابة المحامين ، دار المحافظة في كل منطقة ،الاجهزة الامنية ، لجان الاصلاح المشهود لها بنزاهتها ، مع ضرورة ابقاء هامش واسع لهذه القيادات والاذرع الميدانية للعمل بحرية بعد التنسيق مع ما ذكر .

أيضا ، وكون الخطاب الديني لم يرتقي لغاية الان الى المستوى المطلوب منه للحد من حالات الاقتتال العائلي وتعزيز السلم الاهلي . جيد ان يقوم الخطاب الديني الرسمي وغير الرسمي بالتدريس عن المعارك والفتوحات الاسلامية ، ولكن مطلوب وبشكل أكبر تدريس والتنشئة على القيم الدينية السمحاء ( التأخي، التكافل والتعاضد ، الصفح والعفو والتسامح، رصّ الصفوف وواجب الالبتعاد عن نشر الفتن ).

يلعب الاعلام ( المسموع، المقروء والمرئي )دورا فاعلا في تهدئة الخواطر ونشر وتعزيز الروح الاخوية والقيم الانسانية ، وذلك من خلال الابتعاد الكلي عن لغة التحريض والكراهية

للمؤسسة التربوية التعليمية دور كبير في بناء السلم الاهلي واستنهاض الشعب ، سواء كان ذلك من خلال التربية الرسمية أو غير الرسمية .أذكر أنه وخلال انضمامي الى اللجنة الوطنية العليا لمراجعة نظام التعليم في فلسطين ، تقدمت باقتراح ،من جملة الاقتراحات التي عملت على تضمينها كي تتبناها اللجنة كتوصية لصانعي القرار ، بضرورة اعطاء اهمية وهامش كبير لتعزيز قيم الديمقراطية ، التعددية ، الكرامة ومهارات الحوار مع محاربة نهج الاقصاء والتهميش وعدم الاعتراف بالاخر الفلسطيني . ببساطة أقول ان مناهجنا المطبقة ومجمل العملية التربوية التعليمية لا تعمل على ذلك بشكل كاف ووفق المطلوب .لدعم قولي هذا ، أؤكد أن المدرسة لا زالت تعتبر مكان غير أمن لنسبة كبيرة من الطلبة وما نشهده من سلوكيات يومية ( المجيء الى المدرسة بتثاقل و الانصراف منها باندفاع كما لو تم تحريره من معتقل ، تمزيق الكتب والدفاتر بعد الانتهاء من امتحانات نهاية كل فصل ………….ألخ )

هناك واجب وطني بل وديني على الاسرة والعائلة لتعزيز تلك القيم المنشودة من خلال بناء اسلوب العائلة النموذج في الانتماء عبر سلوكيات وانشطة يومية على ارض الواقع

في رأينا ، لا تشكل الاقتراحات اعلاه ، محاولة للمساس بدور الفصائل الفلسطينية والتي باتت بينها وبين الجماهير حالة من عدم الثقة جراء بعد المسافة القائمة بينها وبين الشعب بكل أسف. بالعكس ، قد تشكل انجازات هذه النجازات رافعة قوية لاستعادة ثقة الجماهير بدور الفصائل هذه

نعي تماما ان مثل هذا الاقتراحات قد لا تروق لغالبية المنتفعين والمتربعين على الكراسي ، بدليل ان الغالبية منهم اما ستهاجم أو تستخف بها او قد يلصقون بكاتبها التهمة الجاهزة ” صاحب أجندة خارجية “، لكننا دوما نؤمن بأن هناك حاجة لمن يقرع الجرس من منطلق من أجتهد فأصاب فله أجران ومن أجتهد وأخطأ فله أجر. اذ ان الساكت عن الحق شيطان اخرس ،وما علينا سوى أن نذّكر، ان نفعت الذكرى، قبل فوات المزيد من الوقت .

2018-10-09 2018-10-09
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

.