نحن وإعلام الإفك!

محمد شريم

*نائب رئيس التحرير.

تتميز هذه الأيام في مشرقنا العربي بتتابع الأحداث وتتاليها ، وخاصة بعد الرياح الهوجاء التي عصفت بهذه المنطقة منذ العام 2011 فيما كان يدعى بالربيع العربي ، قبل أن نجعله ـ نحن ـ بأيدينا خريفاً !

وتتابع الأحداث يرافقه بالضرورة ارتفاع في وتيرة عمل وسائل الإعلام ، المحلي والدولي ، وذلك لنقل الأخبار من خلال المقاطع المرئية والنصوص المسموعة والمطبوعة ، وكلما ارتفع مؤشر الأحداث هنا أو هناك ترتفع معها حمى التعليقات والتحليلات في وسائل الإعلام هذه ، حتى يصاب المواطن الذي يتابعها بالصداع !

ووسائل الإعلام بشكل عام ، من الصعب أن تكون بريئة ، أي موضوعية ، بنسبة تامة في نقلها للأحداث ، على الأقل لأن القائمين عليها هم من البشر ، ولا شك أن الفكر أو الهوى يجنح بهم ذات اليمين أو ذات الشمال أثناء نقل الأحداث أو تحليلها أو التعليق عليها ، ومع هذا فإن المراقب لوسائل الإعلام يمكنه بسهولة أن يقسمها إلى قسمين : القسم الأول ، وسائل الإعلام الموجودة في الدول المتقدمة في مجال الديمقراطية ، وهذه غالباً ما تكون هي الأقرب إلى الموضوعية ، وهي بحكم الواقع تساهم في التأثير على قادة تلك الدول في اتخاذ القرار ، والقسم الثاني ، وسائل الإعلام المتواجدة في الدول الدكتاتورية ، وهي غالباً ما تكون أداة في يد الحاكم وبوقاً له ، خوفاً أو طمعاً !

وفي بلادنا العربية التي راودها الأمل في الديمقراطية وحرية التعبير ذات ( ربيع ) نجد وسائل الإعلام ـ هي في الغالب ـ  من النوع الثاني ، وللأسف الشديد ، فقد كانت أول من هبّ للدفاع عن الحاكم ، والذي ليس من الضرورة أن يكون هو ( الرئيس ) ، إذ من الممكن أن يكون الحاكم الفعلي الذي يتقمص صورة الرئيس       هو الجيش أو الحزب أو العشيرة ، كما كانت وسائل الإعلام هذه آخر من تحدث عن الحراك الشعبي وتململ الجماهير في بداية ذلك ( الربيع ) الذي ساهمت مساهمة ـ لا تشكر عليها ـ في القضاء عليه !

إن هذا النوع من الإعلام ، والذي يطلق عليه أحياناً ( إعلام الإفك ) لأنه يحترف الكذب والافتراء والتزوير والتضليل ، فيجعل الحق باطلاً ، كما يلبس الباطل ثوب الحق ، يؤدي دوره من خلال خطة متكاملة تشتمل على نشر ما يريد من الأخبار ، ويحوّر ما يريد منها ، ويحجب ما يرى أنه يدوس لسيده على طرف ، ليس هذا فقط ، وإنما يلجأ إلى تركيز الأضواء على أحداث بالتحليلات التي      يستنطق فيها بعض المحللين ويستدرجهم لتوجيه حديثهم بالطريقة التي يريدها هذا الإعلام ، وفي غياب الطرف المقابل حتى لا يعطى فرصة للتعبير عن رأيه ، فتكون حلقاته التحليلية والحوارية عبارة عن جلسات ( ردح ) ضد ( الفئة الباغية ) يشارك فيها الضيف والمضيف ، على حد سواء ، وفي المقابل ترى هذا الإعلام يلقي بظلال التجاهل على أحداث أخرى ، ويجعلها بعيدة عن أن يتناولها الخبراء والمختصون بالتحليل والتأويل .

وإعلام الإفك لا يقتصر على الإعلام الرسمي ، أو الإعلام المدافع عن الحاكم فقط ، بل يشمل هذا الوصف الإعلام المهاجم له أحياناً ، فإن الكثير من وسائل الإعلام التي تمتلكها ( المعارضة ) أو الأطراف المتعاطفة والمتحالفة معها ، تسير على نفس النهج ، وتعمل بموجب ذات الخطة ، ولكن بالاتجاه المغاير ، ولذلك ليس من العجب أن تشاهد صورة مؤلمة أو مقطع فيديو يُدمي القلب على وسيلة إعلام معارضة أو حليفة للمعارضة وهي تقول : انظروا ماذا يقعل النظام الدموي ، وأن تشاهد الصورة نفسها أو المقطع المرئي ذاته على وسيلة إعلام تابعة للنظام وهي تقول : انظروا ماذا تفعل الجماعات المجرمة!

ومما يزيد الطين بلة في مجتمعاتنا العربية ، وغيرها ، أن العاقل والجاهل أصبحت له وسيلة إعلامه الخاصة ، ألا وهي وسائل التفاعل المجتمعي ( التواصل الاجتماعي ) ، فتراه يتلقف الصورة التي تعجبه أو المشهد الذي يروق له ، ويعيد نشره على صفحته الخاصة أو على الموقع الذي يديره أو المدونة التي يحررها ، وهو غالباً ما يكون منقولاً من إحدى وسائل الإعلام التي تفرض سيطرتها على السّاحة الجماهيرية ، بما تمتلكه من عناصر القوة ، كما تفرض الجماعة المسلحة النظامية أو المعارضة سيطرتها في ميدان القتال .

فماذا نحن فاعلون في مثل هذا الواقع يا ترى ؟ وما هو المطلوب منا ؟

أرى أن المطلوب منا نحن الجماهير العربية هو أن نعمل بمسارين :

المسار الأول ، هو أن نتخيّر من وسائل الإعلام ما يمكن أن نتوقع في عملها قسطاً جيداً من الموضوعية ، لتكون مصدر أخبارنا ومعلوماتنا ، وأن نشجعها على تطوير نهجها الموضوعي في تناول الأحداث ، لأنها بهذا النهج تقدم الخدمة الكبرى للجماهير ، فالجماهير ما يهمها هو الحقيقة ، لتوجه بوصلتها بناء عليها ، وبالحقيقة أيضاً تردّ وسائل الإعلام الحاكم والمعارض إلى جادة الصواب ، إذا أوشك أي منهما على تجاوزها ، كما ترشد كلاً منهما ولو بشكل غير مباشر إلى النهج القويم والطريق المستقيم .

أما المسار الثاني ، فهو أن نمعن النظر والتفكير في كل ما يصدر عن وسائل الإعلام ( المتحاربة ) ، حتى تلك التي تروق لنا متابعتها لأننا نتعاطف معها فكرياً أو سياسياً ، ما دام الواحد منا حريصاً على معرفة الحقيقة ، فالتعاطف أساسه العاطفة ، والعاطفة دون تحكيم العقل كثيراً ما تقود المرء إلى الضلال . وهذا ما يوجب علينا أن نتمثل الحديث الذي يقول : ( استفتِ قلبك ولو أفتاك الناس وأفتوك ) ، وهو المعنى الذي عبر عنه الشاعر بقوله :

أيها الغرّ إنْ خُصِصْتَ بعقلٍ   =   فاتّبعْهُ ، فكلّ عقلٍ نبي !

سلمت عقولكم .

2018-10-06 2018-10-06
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

.