النفط يتجه شمالا .. هل يتخطى حاجز 100 دولار للبرميل؟

نهاد إسماعيل

ستواصل أسعار النفط الصعود بفعل توقعات شح المعروض. وقد ازدادت مؤخرا وتيرة التنبؤات التي تقول أن أسعار النفط قد تصعد الى 100 دولار للبرميل بعد البدء بتطبيق العقوبات الاقتصادية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب على ايران والتي تدخل حيز التنفيذ في شهر نوفمبر المقبل. وسيكون ذلك أعلى سعر للنفط ولأول مرة منذ 2014. ويجب الاشارة ان أسعار النفط الخام، ارتفعت مؤخرا إلى أعلى مستوى لها في 4 سنوات حيث صعدت الأسعار الى 86 دولار لمزيج برنت القياسي وصعد مزيج غرب تكساس الوسيط الى ما يقارب 77 دولار للبرميل.، مدفوعة بقرب دخول حزمة العقوبات ألأمريكية الجديدة على إيران، في 6 نوفمبر/ تشرين ثاني المقبل، عندما تدخل حيز التنفيذ، مرتبطة بصناعة النفط والغاز، وتشمل تقييد الصادرات للسوق العالمية. لذا ليس مستحيلا ان تواصل أسعار النفط الصعود الى 100 دولار في الأسابيع المقبلة.

وذكر تقرير للبنك الاستثماري “غولدمان ساكس” الاسبوع الماضي  أن قطاعا كبيرا من المحللين غير مقتنع ببلوغ مستوى 100 دولار للبرميل فى الأمد القريب. لافتا إلى أن هذا المستوى يثير حالة من الانزعاج الشديد في بعض الأوساط الاقتصادية خاصة في دول الاستهلاك.

 ترامب يهدد بقانون مكافحة الاحتكار ليقاضي اوبك في المحاكم الأميركية

“نوبك” او NOPEC تعني لا للدول المنتجة والمصدرة للبترول الاحتكارية. استعراض عضلات ديبلوماسية لتخويف اوبك والسعودية بالتحديد. الرسالة من هذا التهديد “ارجو من أوبك وخاصة السعودية ان ترفع الانتاج لأقصى حد ممكن لكي تهبط أسعار الوقود والبنزين في الولايات المتحدة قبل الانتخابات النصفية”.

هذا جدل اكاديمي حيث لا تستطيع اوبك بمفردها ان تلبي رغبة الرئيس ترامب. وسوف تستمر الأسعار في الصعود حسب التوقعات. ومن المثير للاهتمام ما قاله الرئيس الروسي بوتين في مؤتر الطاقة في روسيا قبل عدة ايام. وضع بوتين اللوم على ترامب بسبب العقوبات التي فرضها على ايران.

وأضاف في كلمته أمام منتدى «أسبوع الطاقة العالمي» في العاصمة موسكو «دونالد، إذا كنت تريد أن تجد المسؤول عن ارتفاع الأسعار، تحتاج إلى النظر في المرآة»، حسبما نقلت صحيفة «موسكو تايمز». وتابع القول «يرجع هذا إلى حد كبير، لسياسات الإدارة الأمريكية الحالية، ما بين التوقعات بفرض عقوبات على إيران، والمشاكل السياسية في فنزويلا». وأردف «انظروا إلى ما يحدث في ليبيا.. يتم تدمير الدولة.. إنها نتيجة لسياسات غير مسؤولة لها تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي».

ورفض بوتين الانتقاد المتصاعد لمنظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك»، التي ألقى ترامب باللائمة عليها في صعود أسعار خام برنت إلى أعلى مستوى له منذ أربع سنوات، وقال ان تعاون روسيا مع المنظمة نجح في استعادة التوازن لسوق النفط، وتحقيق سعر جيد للنفط يتراوح بين 65 و 75 دولارا للبرميل.

وذكر الرئيس الروسي أن موسكو ستواصل تعزيز الحوار بين الدول المنتجة للنفط، من أجل تهيئة ظروف التنمية المستدامة في هذا المجال.

وتقود روسيا المنتجين المستقلين، إلى جانب أعضاء من منظمة «أوبك»، في اتفاق خفض إنتاج النفط الخام الذي بدأ مطلع 2017، وينتهي في ديسمبر/كانون أول 2018.

وحققت شركات الطاقة مكاسب كبيرة عند ارتفاع الأسعار بعد أن وافقت كبرى الدول المصدرة للنفط على الابقاء على الإنتاج عند مستواه رغم ضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وقال وزير الطاقة السعودي خالد الفالح في المؤتمر ذاته ان السعودية سترفع الانتاج في نوفمبر المقبل. ولكن علينا ان نتساءل هل هذا سيرضي ترامب؟

الربح والخسارة من سعر 100 دولار للبرميل

سيجني المصدرون  ارباحا جيدة وستستفيذ خزائن الدول المصدرة التي عانت من عجز في الميزانيات في السنوات الأخيرة ولكن الدول المستوردة والمستهلكة هي التي ستتحمل عبء التكلفة الاضافية. وهذا بدوره قد يرفع نسبة التضخم السعرية للمنتجات وقد يسبب ضعف في الطلب على المشتقات النفطية. وحسب بلومبيرغ للمال والأعمال “سعر 100 دولار للبرميل سوف لا يؤثر كثيرا على نمو الاقتصاد العالمي كما حدث عام 2011 بعد صعود الأسعار”.

من الطبيعي أن ارتفاع الأسعار الى 100 دولار سيكون خبرا جيدا للدول المصدرة وللعالم بشكل عام ولسببين وهما ان اقتصادات العالم لا تعتمد كليا على الطاقة كما كان سابقا والسبب الآخر هو ارتفاع الانتاج الأميركي من الزيت الصخري.

ولكن الكثير يعتمد على المسببات لارتفاع الأسعار. أي صدمة للسوق عندما تكون الامدادات شحيحة ستكون اثارها سلبية ولكن اذا كانت الصدمة بسبب ارتفاع الطلب القوي على الخام فهذا يعكس حالة صحية ايجابية عن الاقتصاد العالمي.

يواجه العالم الأن شح في الامدادات في الوقت الذي ينمو فيه الاقتصاد العالمي الأمر الذي ادى الى ارتفاع مزيج برنت بنسبة 22% خلال عام 2018. ولكن ماذا يعني ذلك لنمو الاقتصاد العالمي؟

من الطبيعي ان أسعار نفط مرتفعة ستزيد من تكلفة المستهلك وتؤثر على مداخيل العائلات وعلى الانفاق العائلي ولكن مقدار التأثير يختلف من دولة لأخرى. مثلا في اوروبا معظم الدول تستورد النفط وستكون أكثر عرضة للتأثيرات السلبية من ارتفاع الأسعار. بينما الصين وهي المستورد الأكبر في العالم ستشهد ارتفاع في التضخم السعري وتباطؤ في النمو الاقتصادي يتبعه تراجع الطلب على النفط الخام.

اضافة الى ذلك يجب أخذ بعين الاعتبار التأثيرات الموسمية حيث مع قدوم فصل الشتاء البارد سيلجأ المستهلكون الى مصادر اخرى من الطاقة مثل الغاز الطبيعي او الوقود البيولوجي الحيوي. اندونيسيا على سبيل المثال اخذت اجراءات لزيادة استعمال الوقود الحيوي المتوفر محليا كبديل للوقود المستورد.

لذلك يمكن الاستنتاج أنه اذا وصل السعر 100 دولار للبرميل وبقي فوق هذا المستوى لفترة طويلة سيضر ذلك بالاقتصاد العالمي كما ان ارتفاع سعر الدولار الصرفي مقابل العملات الأخرى سيزيد الطين بلة وتكلفة اكبر للمستورد والمستهلك.

وفي هذا السياق وجدت دراسة أجرتها “بلومبيرغ للطاقة” انه بشكل عام ان سعر 100 دولار للبرميل وما فوق سيأتي بالضرر للاقتصاد العالمي والسلبيات ستفوق الايجابيات. وحدث سيناريو مشابه عام 2011 رغم الفروق بين 2011  و 2018.

والآن مع نضوج ثورة الزيت الصخري وتقليل التكلفة الانتاجية وتعدد مصادر الطاقة ومستويات مرتفعة نسبيا من الأسعار سيقلل تأثير الصدمة من زيادة الأسعار الى 100 دولار وما فوق، حسب الخبراء. ولكن عنصر المجهولية الناتج عن التوترات الجيوسياسية وعلى رأسها الصدام بين ادارة ترمب وطهران يبقى مصدر قلق بالغ  في الأسواق. ويتوقع المراقبون أن تتقلص صادرات الشرق الأوسط من النفط خلال الشهور المقبلة.

يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضغوطه على منظمة “اوبك” لتضخ المزيد من النفط لتخفيض الأسعار قبيل الانتخابات ألأميركية النصفية في شهر نوفمبر المقبل. علما ان المقدرة الاحتياطية والسعة الاضافية لمزيد من الانتاج من مصادر “أوبك” تتقلص. الامدادات من أعضاء أوبك نيجيريا وفنزويلا وليبيا تواجه مشاكل وتعطيلات بسبب غياب الاستقرار.

 والسؤال: من المستفيد من أسعار عالية؟

غالبية الدول المنتجة للنفط تدرج تحت قائمة الدول الناشئة او النامية هي دول ناشئة اقتصاديا وتحتاج الى أسعار عالية للتنمية والتطوير وستستفيد من أسعار عالية تقارب 100 دولار. ومن المستفيدين ايضا دول اخرى مثل روسيا وكولومبيا والمكسيك. ارتفاع مداخيل تلك الدول سيساعد في تقليل العجز في ميزانيات الحسابات الجارية وتسمح للحكومات برفع الانفاق الذي سيحفز على الاستثمار. هكذا تقول النظرية. أما الخاسرون فهم الهند والصين وتيوان وتركيا ومصر وأوكرانيا وهي دول مستوردة وستدفع الفواتير بالدولار وسيزداد العجز في الميزانيات وتبقى عرضة للتقلبات في الأسعار ولا يمكن تجاهل اسعار الفائدة الأميركية التي تتجه للأعلى وكذلك الحرب الحمائية التي تشنها الادارة الأميريكة.

أما أكبر اقتصاد في العالم الولايات المتحدة سيكون ارتفاع الأسعار اقل ضررا من السابق بسبب الطفرة في الانتاج النفطي الأميركي كما ان تراجع الاعتماد الأميركي على النفط المستورد له فوائد ايجابية الا ان العائلات ذات الدخل العادي ستدفع ثمنا أعلى في محطات البنزين وهذا يفسر الضغوط التي يمارسها ترمب على اوبك برفع الانتاج.

العائلة الأميركية العادية تنفق 8% من دخلها الاجمالي قبل الضرائب على وقود السيارات بينما تدفع العائلات الغنية اقل من 1% من دخلها على الوقود.

لا شك ان أسعار النفط تغذي التضخم السعري والمالي اي تؤدي الى ارتفاع مؤشرات الأسعار لأنه في النهاية سترفع الزيادة في الأسعار تكلفة النقل والصناعات التي تعتمد على الوقود للطاقة وكلها بدورها تدخل سلسلة المواد الاستهلاكية وفواتير الكهرباء الخ.

وأي تضخم مالي في السوق يرافقه سيولة نقدية زائدة يجبر البنوك المركزية على التدخل لتشديد السياسة النقدية من خلال خطوات مثل رفع أسعار الفائدة وتقييد الاقراض خاصة في الاقتصادات الناشئة الفقيرة في موارد الطاقة مثل تايلاند وجنوب افريقيا والفلبين وتشيلي.

الجدل والضغوط الأميركية ستستمر والأسعار ستواصل الصعود.

*خبير في الشأن الإقتصادي

2018-10-04 2018-10-04
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

.