مراجعة في الاعلان السياسي ل “ملتقى فلسطين “

عوني المشني

عوني المشني: كاتب سياسي فلسطيني.

عقد عدد من الفلسطينيين، من فلسطين التاريخية وبلدان اللجوء والشتات، من المشاركين في “ملتقى فلسطين”، ورشة عمل (استانبول 21ـ22/9)، وذلك بعد لقاءات متعددة وحوارات مستفيضة في كل من رام الله والقدس وحيفا لمناقشة مختلف جوانب الوضع الفلسطيني، تم التوصل في ختامها، وبنتيجة الحوارات سابقة (في حيفا والقدس ورام الله)، إلى عدد من التوجهات والتوافقات السياسية، ومن موقع المشارك في عديد من تلك للقاءات والحوارات أستطيع القول ان الحوار في تلك الورشة اتسم اولا بالصراحة والوضوح الكاملين بمعنى ان المشاركين لم يضعو اي اعتبارات فنية او اجتماعية او سياسية خاصة لدى بحثهم في معطيات ومعضلات الوضع الفلسطيني ، وثانيا انطلق المشاركون في التقييم من رؤيا موضوعية بعيدا عن المناكفة او الثأرية او الاقصاء او الاصطفافات الحزبية ، قدموا رؤيتهم والهم العام هاجسهم وناقشوا المعطيات مجردة من الشخوص المؤثرين فيها وقدموا الاستخلاصات بمعزل عن مواقف الفصائل والكيانات السياسية . كانت الورشة الاخيرة هي تكثيف لاستخلاصات عبر الحوارات السابقة اكثر من كونها نتاج جهد بحثي تعليمي وهي استلهام من تجربة وخبرات أعضاء الملتقى وقراءاتهم للواقع .

لنراجع معا : ” ملتقى فلسطين” هو منبر للحوار، وتبادل وجهات النظر، وبمثابة ورشة تفكير دائمة، …….. دون أن يعني ذك تشكيل كيان سياسي، أو ادعاء البديل أو التمثيل أو الوصاية على أي أحد أو جهة، وهو مبادرة تحاول التعامل بمسؤولية وطنية وعقلانية مع التحديات التي يواجهها شعبنا وقضيته ……” هنا كان واضحا ان الهدف ليس اضافية كمية للأحزاب والفصائل الموجودة فالمتقى كما يتضح من البيان ومن النقاش الذي شاركت فيه هو مساحة للحوار الملتزم بأحلام وطموحات شعبنا ، هذا لا يعني انه صالون لممارسة الترف الفكري ، الحوار هنا بهدف المساهمة في الوصول الى رؤية شاملة لبرنامج وطني يتجاوز حالة انعدام الوزن التي يعيشها شعبنا أطرا وكيانات وبرامج . كما ان الملتقى لم يشكل لمنافسة احد او الاصطفاف في خانة احد ، هو مكان مفتوح للكل الفلسطيني باشتراطات لها علاقة بالالتزام الوطني ليس الا . وهو لا يلغي المبادرات ولا يدعي اختزالها من خلاله ، هو يتقاطع مع كل ما هو جيد ويخدم شعبنا منها ويضيف اليها بقدر ما يستفيد منها . ” ما يميّز الملتقى المذكور، الذي تم الإعلان عنه عشية الدورة السابقة للمجلس الوطني (أبريل الماضي)، أنه يضم شخصيات من كل “المجتمعات” الفلسطينية (في فلسطين التاريخية وبلدان اللجوء والشتات)، من غير المنضوين في الفصائل، وأنه يسعى لاستعادة فئات كانت أقصيت أو ابتعدت عن العمل السياسي المباشر (أكاديميين ومثقفين وكتاب وفنانين وإعلاميين ونشطاء سياسيين)، في تجاوز لنقص، أو تقصير، في حركتنا الوطنية، التي لم تستوعب فلسطينيي 48 في إطاراتها ……..” حيث بدى واضحا انه وبعد اتفاقيات اوسلو قد جرى اختزال القضية الوطنية بهموم محليه في الضفة والقطاع وانه جرى تهميش دور الشتات بطريقة مثيرة واكثر من ذلك غرقت التجمعات الفلسطينية بهمومها الخاصة ، جاء الملتقى ليؤكد على الهم الوطني العام وبمفهوم وطني مستند لفهم شمولي للقضية وانه مفتوح على الكل الفلسطيني أينما كان ولا استثناءات الا لمن يستثنى نفسه هما وطموح ومسئولية وان الملتقى يوفر الفرص بتكافؤ للجميع ، هذا لا يلغي إيلاء خصوصية كل موقع الاهتمام بما توليه تلك الخصوصية ولكن الهم الفلسطيني العام هو قاسم مشترك رغم توزع الجغرافيا ، ان روح الملتقى بعضويته واهدافه روح وطنية شاملة بمعنى الملتقى مفتوح ومنفتح على الاخر الفلسطيني وباشتراطات فلسطيني واحد هو الالتزام بالهم الوطني بعيدا عن التوظيف الفصائلي او المحاصصة او المناكفة ، هنا تتضح الصورة خاصة باقترابها بالرؤية انه ليس كيانية سياسية تمثيلية وبالتالي يضع الملتقى نفسه في خدمة الرؤية الوطنية والهم الوطني دون مواربات او توظيفات ” يسعى ” ملتقى فلسطين” إلى مراجعة تجربتنا الوطنية بطريقة نقدية ومسؤولة، مع تفحّص التساؤلات القديمة وطرح التساؤلات الجديدة، على صعيد الشعب والقضية والحركة الوطنية ….. ” هنا مربط الفرس ، نعم الملتقى يقتحم التابوهات ويفض قداستها ويخضعها للنقاش والنقد ويضعها في سياقاتها ، المقدس فقط هو الحلم الفلسطيني وما تبقى خاضع للنقد والتفكير ، لا يوجد حجر على العقل الفلسطيني في مراجعة تجربته ، استخلاص العبر ، اعادة نقاش الأسئلة الفلسطينية ، لا يوجد محاذير تمنع البحث ما دام مقترنا بالمسئولية الوطنية ، والتفكير الجمعي دائما اكثر جدوى من ممارسة السياسية كالاستنماء سرا وخلف الابواب وفِي الغرف المعتمة . الملتقى يناقش تحت الضوء وبصوت مسموع وبدون صياغات غامضة وينتقد من اجل اكتشاف الافضل ، النقد مساهمة في البناء وليس معول هدم وتحطيم . نصل الى المنطلقات او التوافقات السياسية التي تحكم المشاركين في الملتقى ، يستهل البيان هذه المنطلقات ب ” التأكيد على وحدة شعبنا، في فلسطين التاريخية وبلدان اللجوء والشتات، ووحدة قضيته ومصيره، والتمسك بحقوقه الوطنية المشروعة، الفردية والجمعية، وتأسيس مجمل الرؤى والاجماعات والكيانات السياسية على هذا المبدأ، مع مراعاة خصائص كل تجمّع ” ربما ليس جزافا التاكيد على ما هو ثابت ، ولكن في ظل التعاطي مع قضايا الفلسطينيين كما لو كانت تجمعات سكانية تحتاج الى حلول اقتصادية ، وفِي ظل انحسار الاهتمام بالهوية الجمعية للفلسطينيين ، وخاصة بعد التشرذم والانقسام فان اعادة التاكيد على وحدة شعبنا له بعد سياسي ضروري ويحتاج الى التوقف أمامه باهتمام ، فلسطين قضية وطنية تحررية بامتياز والهم الفلسطيني العام يقفز على كل المشكلات الخاصة للتجمعات الفلسطينية ، البيان لم ياتي على ذلك للتكرار وانما لمواجهة مفاهيم تصفوية خطيرة ، خاصة في ظل مشاريع حلول جزئية اقتصادية او معيشية او حدود مؤقتة او صفقات معادية . ينتقل البيان الى ما هو جدير على التاكيد ” ” التمسّك بالرواية التاريخية الفلسطينية، لتعزيز وحدتنا كشعب، وكضرورة لتعزيز هويتنا الوطنية، سيما إزاء ما تواجهه الأجيال الجديدة من محاولات تفكيك وتصديع لهويتنا ووحدتنا، والمساهمة في بلورة مشروع وطني جامع” اذا كان قانون القومية هو تحايل فج على التاريخ فان الرواية الفلسطينية استرجاع للحقيقة التاريخية ، التمسك بالرواية التاريخية الفلسطينية اهم مقومات الصمود الوطني وخاصة على الصعيد الثقافي والسياسي ، البيان ينطلق من هذه الرواية لا لتأكيدها فحسب بل لبناء خط دفاعي صلب في وجه مؤامرات التصفية ، لهذا فان التمسك بالرواية التاريخية يشكل مدخلا لاي مشروع وطني تحرري فاعل وشامل وهذا ما بعكسه البيان ليس بمفرداته فقط بل بروحه ايضا . “!السعي لتشكيل شبكات تواصل بين شعبنا في كل أماكن تواجده، وتعزيز العمل المشترك، وصولا لصوغ الأطر الأفضل والأجدى، للتعبير عن وحدته، وإدارة كفاحه، للتصدي للوقائع التي باتت تهددّ شعبنا ….. ” هذا ليس طرحا إجرائيا فحسب بل هو في جوهر المشروع الوطني النضالي ، فاي مشروع تحرري يحتاج الى اطر تحمله وتمثله فعلا وبرامج ، البيان يؤكد على الحاجة لهذا ولكن ليس عبر خلق بدائل او استنساخ القديم وانما انطلاقا من الحقيقة الثابتة التي أكد عليها البيان وهي : ” منظمة التحرير هي الكيان السياسي المعنوي لشعبنا، وقائد كفاحه، ما يتطلب إعادة بنائها على أسس وطنية، تمثيلية وديمقراطية ومؤسسية ونضالية، بعيداً عن المحاصصة (“الكوتا”) الفصائلية، واعتماد وسيلة الانتخابات، حيث أمكن …. ” بمعنى ان منظمة التحرير ثابت وطني وهوية جمعية وممثل وطني ولكن بتاكيد اعادة بناءها على أسس ديمقراطية وبعيدة عن المحاصصة الفصائلية ومفاهيم الكوته التي تقدم التمثيل الوطني في كيانات استنفذت دورها وفعاليتها وربما مصداقيتها . ان تجاوز منظمة التحرير هو الوجه الاخر لأعمله ذاتها التي تريد لمنظمة التحرير ان تبقى اطارا تحت هيمنة فصيل واحد وطاردة للمجاميع الوطنية ، تلك العملة القائمة على مصادرة حق شعبنا في تمثيل وطني جامع وثري ومتعدد الألوان ، لهذا جاء البيان ليؤكد على المنظمة ببنية وطنية ديمقراطية تستطيع تحقيق تلك الغايات . يواصل البيان وبنفس الفهم المتوازن والعميق التعرض لقضايا الشأن الفلسطيني العام منتقلا بمنهجية علمية من قضية الى اخرى ، الكيانات السياسية ، المنهج النضالي ، الأهداف والغايات …… الخ . في كل تلك الجوانب يقدم البيان مفاتيح لرؤية قائمة على ادراك واعي لظروف شعبنا ، ان مقالة كهذه لا تكفي لتحليل مختلف جوانب البيان ، وما قدم أعلاه ليست الا نماذج من بيان شامل لكل مناحي الهم الفلسطيني وجوانب العمل التحرري الوطني ، لهذا فانصح بالعودة للبيان للاطلاع على التفاصيل لاهميتها ، ولكن باختصار يمكن استشفاف الكثير من الاستخلاصات اولا … الملتقى يشكل اضافة نوعية للفعل الثقافي السياسي لا يهدف الى إسقاط نفسه كبديل او موازي لأحد انه جهد وطني قابل لان يستثمر من كل من يهمه الامر باتجاه تعزيز الفهم الوطن المنهجي الشمولي ، الملتقى ليس اضافة كمية لأطر ولا حتى بنية فصائلية ، انه اضافة نوعية فكرية تقدم رؤية ليست نمطية ولا هي مقدسة ، قابلة للنقاش ، للتطوير ، للإضافة ، للتعديل ، والاهم تساهم في الوصول الى قواسم جمعية لمختلف قطاعات شعبنا ثانيا : الملتقى يقدم أسئلة اكثر ما يقدم حلول ، أسئلة تشكل مفاتيح للفهم المعمق لمختلف الجوانب ذات العلاقة بالنضال الوطني التحرري ، تلك الأسئلة تشكل مراجعة متوازنة لتاريخ كفاحنا وتعيد البحث في المفاهيم النمطية وتوجه الاهتمام نحو الثابت الوطني المرتبط بالرواية التاريخية بقضيتنا . وبذلك يشكل الملتقى حائط صد امام محاولات تسطيح الفهم الوطني واختزاله بهموم حياتية رغم أهميتها . ثالثا : الملتقى ليس حكرا على أعضاءه فحسب هو مفتوح للكل الوطني على قاعدة القواسم المشتركة وبدون تحفظات لها علاقة بسياسات الاقصاء والاحتواء ، بمعنى يقدم منهجا مختلفا عن سياسات الولاء والقهر والهيمنة ، انه منبر تفكير وطني يحتمل الاختلاف والتنوع والابداع والتفكير خارج الصندوق ، ولا يشكل اداة سيطرة لأحد . انه منبر يتعارض منهجا وأخلاقا مع منطق التكفير والتخوين ويعتقد بالكل الوطني كشريك في القرار كنّا هو شريك في التضحيات . رابعا : الأهمية في المنهج النقدي الذي يقوم به الملتقى انه ليس تحطيمي ، منهج يتعاطى مع لقضايا آخذا في الاعتبار ظروفها وارتباطاتها ببعض وهذا يعكس رؤية شمولية جدلية ، تعيد قراءة المرحلة لإعادة بناء فكر وطني فعال وقادر على تحقيق الغايات ، انه يوظف النقد للبناء ولمراكمة الايجابيات والبناء عليها ، لا يحمل البعد الذاتي اكثر مما يحتمل ولكنه لا يلغي المسئولية الذاتية عن الفشل والإخفاق ، ان نقدا هادفا للبناء هو هدف هو طريق الملتقى في مواجهة اخفاقنا وهو يوظف ذلك على طريق المشروع الوطني الشامل خامسا : من باب المشاركة في تحمل المسئولية وليس تحميل المسئولية للاخرين تأتي فكرة الملتقى ، الملتقى يساهم حيث يجب ، ينتقد حيث الخطأ ، يكمل حيث النقص ، يبارك حيث النجاحات ، لا يزاحم في مكان فيه كفاية ، ولا يهرب من مسئولية تحتاج اضافة ، عمل طوعي مستقل ، لا نحتاج لدعوة لأداء واجبنا ولا نستجيب لدعوة لعرقلة احد يقوم بواجبه ، انه ملتقى يقدم حيث امكن وحيث ضرورة سادسا : ان الإقبال الكبير على توقيع بيان الملتقى من غير أعضاءه يعبر عن ثلاث حقائق ، الاولى ان البيان يعبر الى حد كبير عما يشغل الفلسطينيين ويقض مضاجعهم وبالتالي هو ترجمة امينة لرؤية قطاع عريض من شعبنا ، والحقيقة الثانية ان البيان يسمو عن الاختلافات الجانبية والهامشية ويتوجه لاهم العام وبقواسم مشتركة كبيره ، وثالثا ان هناك حاجة لان يكون هناك ملتقى يلتقط هموم القطاع الأعرض من الجمهور ويحولها الى لغة سياسية واضحة ويضعها في سياق وبرنامج وهذا مساهمة كبيرة في المشاركة الشعبية في تحمل المسئولية الوطنية اخيرا اننا امام مبادرة ، تستحق ان نتأملها ، وان نفحص نتائجها ، ربما تقدم ما يساهم بالتقدم لو خطوة ولكنها قطعا لن تكون معيقا ولو لخطوة . ان شعار العمل تحت الشمس وبروح الجماعة لا يمكن الا وان يساهم في الارتقاء بواقعنا ، والملتقى جهد إبداعي وتحت ضوء الشمس يفكر بصوت مسموع ويتخطى المصاعب بإصرار يستمده من عزيمة شعب لا يستكين ، ويؤمن ان اضاءة شمعة خير من لعن الظلام .

2018-10-01
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

.