عوامل التقدم وديناميكية التطور

بروفيسور محمد ربيع

قال الفيلسوف الألماني هيجل (Georg Wilhelm Friedrich Hegel): إن الحرية هي “روح التاريخ“، أي أنها العامل الذي يُحرك التاريخ ويدفع به إلى الأمام نحو تحقيق التقدم، لقد رأى هيجل في الحرية والعواطف الإنسانية التي ترتبط بها أهم دافع يستثير مشاعر الناس ويقودُهم إلى السمو نحو مستويات أعلى من الحرية والإنسانية. وتقوم نظرية هيجل في تفسير المسيرة التاريخية على وجود صراع داخل كل مجتمع يعكس نفسه في تصادم أعمى بين العواطف والمشاعر الإنسانية، وأن هذا الصراع لا ينتهي إلا بعد القضاء على التناقضات داخلَ المجتمع وتحقيق الحرية، ويصل التاريخ إلى نقطة النهاية من خلال عملية صراع تتصادم داخلها النظمُ السياسية والمنظومات الفكرية، ما يجعل تلك النظم والمنظومات تـنهار بسبب ما تحويه في داخلها من تناقضات، وهذا يفتح المجال لظهور نظم بديلة تكون أقل تناقضاً وأكثر رقياً من سابقتها، وهكذا تستمر العملية حتى ينتهي التناقض ويظهر نظام بلا تناقضات في ظل دولة تتحقق الحرية فيها، إن فهم هيجل للتاريخ، بوصفهِ عملية تقدم الإنسان نحو مستويات عليا من الحرية والعقلانية، جعله يتوقع نهاية التاريخ حين يصل المجتمع إلى بناء الدولة اللبرالية.

يتفق كارل ماركس (Karl Marx) مع هيجل فيما يتعلق بالمسيرة التاريخية وسعي التاريخ نحو الوصول إلى محطة نهائية تنتهي فيها وعندها التناقضات الاجتماعية، إلا أن ماركس يختلف مع هيجل فيما يتعلق بطبيعة التناقضات ودوافع الصراع، إذ يرى ماركس أن الطبقية القائمة على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج هي أساسَ التناقض في المجتمع الرأسمالي، ما جعله يرفض الدولة اللبرالية بوصفها أداةَ الطبقة البرجوازية في الحفاظ على مصالحها، وليس أداة تغيير باستطاعتها حلّ أهم التناقضات في المجتمع، وهو التناقض المؤسس على الصراع بين الطبقة البرجوازية والطبقة العمالية، وهذا يعني أنه فيما رأى هيجل الدولة اللبرالية بوصفها الكيانَ الذي يُجسّد نهاية التاريخ وسمو الحرية، رآها ماركس أداة استغلال برجوازية لا تحقق الحرية إلا للطبقة البرجوازية التي تملك وسائل الإنتاج، لذلك قال ماركس إن الصراع لن ينتهي، وحركة التاريخ لن تتوقف إلا حين تـنتهي الطبقية بنهاية الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، فالمجتمعُ الذي تختفي منه الطبقية تختفي منه التناقضات أيضاً، ويصل إلى الحرية والعدالة. بناء على هذا التحليل، يمكن القول: إن العدالة، وليس الحرية، هي روح التاريخ بالنسبة لماركس.

في المقابل، يرى ماكس فييبر (Max Weber)، عالم الاجتماع الألماني، أن القيم، وقيم العمل بالذات، هي أهم العوامل المحركة للتاريخ. وقد جاءت نظرية فييبر هذه بعد أن شاهد مدى تأثير القيم البروتستنتية في  سلوكيات الأمريكيين ومواقفهم من العمل والادّخار والاستثمار وتحقيق التقدم، وهذا يعني أن فييبر يرى التقدم أساساً في صورة أشياء مادية ومواقف ثقافية ومستويات عليا من التصنيع، وليس في تحقيق الحرية أو العدالة كما رآها هيجل وماركس، لكن قِيم العمل والادخار والاستثمار، وإن كان بإمكانها تحقيق تقدم اقتصادي، لا تضمن تحقيقَ الحرية أو العدالة، ما يجعلها عاجزةً عن تفسير حركة التاريخ وثورات الشعوب التي تنادي بالحرية وتطالب بالعدالة. إن فكرة فييبر تعود لنظريته في التاريخ التي تقول إن التاريخ يسير في حركة فوضوية غير منظمة لا تحكمها قواعد، ما يجعلها مسيرة بلا هدف أو بداية أو نهاية. وما دام التاريخ حركة فوضوية، فإن العامل المحرك للتاريخ هو منظومات القيم المختلفة والمصالح المتناقضة التي تدفع الناس إلى الكسب المادي وتحقيق أكبر قدر ممكن من الرفاهية، ما يجعل الصراع، من وجهة نظر فييبر، ليس مجتمعياً أو إنسانياً، بل فردياً وفئوياً.

حين كتب هيجل نظريته كانت الرأسمالية ما تزال في دور التكوين تعيش مرحلة بناء المؤسسات، لذلك لم يكن الدافع المادي قد طغَى على حياة المجتمعات الصناعية وقام بتجزئة المجتمع إلى طبقات متصارعة، لكن حين كتب ماركس، كانت الرأسمالية في أوجِ عُنفوانها، وكانت عمليات استغلال الأطفال والنساء من قِبل مالكي وسائل الإنتاج على أشدها، ما جعله يرى في الصراع الطبقي العاملَ الأهم في تحريك التاريخ، وحين كتب فييبر، كانت النزعة الاستغلالية للرأسمالية قد أصبحت أقلَّ وطأة، والأحوال المعيشية لمختلف طبقات المجتمع الصناعي، بما في ذلك عمال الصناعة قد تحسّنت كثيراً، ما دفعه إلى التركيز على الجانب المادي بوصفه عنوانَ التقدم في عصره. وهذا دفعه إلى محاولة التعرف إلى نوعية القيم التي نجحت في تحفيز بعض الجماعات على العمل والمثابرة وتحقيق مكاسب مادية أكثر من غيرها.

مع أهمية ما كتبه هيجل وماركس وفييبر، كان بول كنيدي (Paul Kennedy)، المؤرخ الأمريكي المعاصر أكثر المؤرخين قرباً من تحديد هوية عوامل التقدم في التاريخ، إذ قال إن التطورات التكنولوجية والتحولات الاجتماعية هي القِوى المسؤولة عن تقدم الإنسان. فالتطورات التكنولوجية ترفع إنتاجية الآلة والإنسان، وتؤدّي بالضرورة إلى حُدوث تقدم اقتصادي يعزِّز الفوارق الطبقية في المجتمع، ويعمّق أسباب التنافس بين الأفراد والجماعات والشركات، فيما تـتسبب التحولات الاجتماعية في تغيير منظوماتِ القيم والتقاليد التي تُسهم بدورها في تسريع عمليةِ التقدم الاقتصادي وتحقيق قدر أكبر من الحرية والعدالة الاجتماعية. لكن كنيدي لم يفسر سبب حدوث التحولات الاجتماعية ولم يحدِّد التبعات الممكنة والمتوقعة لتلك التحولات، ما جعله يخفق في تطوير نظرية تفسر تقدم الإنسانية من النواحي المادية والثقافية. إضافة إلى هؤلاء، هناك من يعتقد أنّ البيئة تؤدي الدورَ الأهم في تحديد حظوظ الناس ونوعية حياتهم، وأن التعامل مع تحدياتها قديماً أسهم في تشكيل ثقافات الناس. يقول جارد دايموند (Jared Diamond): إن الجغرافيا والبيئة المناسبة وفّرت للإنسان فرصة تدجين بعض الحيوانات، واكتشاف دورة حياة النباتات، وأن ممارسة تلك النشاطات وضعَت الإنسان على طريق الاستقرار  والنمو السكاني وتقسيم العمل والتحول الاجتماعي والحضارة. ((Diamond Jared, Guns, Germs and Steel

إن وجود عوامل التقدم هذه يعدّ ضرورة أساسية لحدوث نهضة وتقدم مجتمعي بمعناه الواسع، إذ لا يُمكن حدوثُ تحولاتٍ اجتماعية وثقافية واقتصاديةٍ وسياسية، وتطورات علمية وتكنولوجية حقيقية في أي مجتمع في غياب تلك العوامل أو حتى في غياب معظمها. وعلى سبيل المثال، كان غياب التحول الثقافي والتطور التكنولوجي عن حياةِ المجتمع القبلي سبباً في عدم حصوله على مستويات معيشية توفّر له الغذاء والأمن والطمأنينة، ومع حصول القبلي على الحرية، إلا أنه لم يعرف مفهوم الحرية أو الطبقية كما نعرفه، لأنه عاش في مجتمع بلا طبقات، وتمتع بحريةِ الانتقال والتجوال من دون عقَبات سياسية أو موانع حدودية سوى الموانع الطبيعية، كما أنّ نمط حياته ونشاطاته الاقتصادية لم تمكّنه من تطوير مفهوم للوقت يفرض عليه التفكير في المستقبل، وتخيل حياة أفضل واكثر عطاء.

2018-09-30 2018-09-30
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

.