العاصفة والشافعي

زاهر أبو حمدة

هبت العاصفة. هرب السكان الاصليون والوافدون والمقيمون. لكن الاشجار صمدت، من دون أي قرار او اختيار. ايضا، الجماد كله صمد وتأثر حسب الحجم وقوة العاصفة وسرعة الرياح وثباته في الارض.

هبت العاصفة. هكذا اكدت الارصاد السياسية، والانسان باعتباره متحركا فيمكنه اتخاذ القرار المناسب والافضل ان يكون بالوقت المناسب. من الحكمة أن يهرب ويلتحف اي جماد لديه نزعة الثبات. من الغباء أن يواجه ويتشظى في الهواء الطلق لا سيما وأنه لا يملك ادوات الحماية والتقدم الى عمق العاصفة غير المعروفة وقت الانتهاء.

هبت العاصفة. هل يمكن تطويعها؟ هل يمكن مقاومتها؟ لا شيء مستحيل، فعصر المستحيلات انتهى مع انتصار علم الماديات على يقين الروحانيات وقصص الخرافة المنتشرة في عالم الجنوب فقط.

هبت العاصفة. هذه المرة اعصار يدمر ما سبق. هل من الحكمة مواجهته اذا كان سيمحي الوطن عن الخريطة؟ لا جدال في ذلك، خصوصا وان امكانية الالتفاف والهروب الى الامام والرهان على المناخ الدولي فيها مخاطرة أكبر. اذا لماذا يختلف اهل البلد؟ لم يختلفوا على المواجهة، لكن على طرق الاشتباك! أحدهم اختار الارباك، واخر اكتفى بالموقف، وثالث لم يحدد بعد، أما الغالبية تنتظر اشارة من يفكرون ويتفكرون علّهم يعقلون.

من المفيد الاختلاف، لكن ليس في الاوقات المصيرية. حرية التعبير هامة ولكن عند المفاصل الخطرة تصبح ترفاً، لذلك اخترعوا حظر التجوال والاحكام العرفية وقانون الطوارئ، وان استخدمت هذه القرارات والقوانين خطأ في بلادنا. من الصعوبة في مكان ارضاء الجميع، والمعارضة يجب ان تكون دوما من اجل الانتقاد والتصويب بشرط الا تتحول اداة لقوى خارجية أو يتبدل طموحها السلطوي الى جموح مدمر.

في هذه اللحظات الفلسطينية، من الخطأ النظر الى تفاصيل المحاصصة الفصائلية والتفتيش على ثقوب الثوب بدل ارتدائه للوقوف امام العاصفة. ولعل قصة اسبقية البيضة أوالدجاجة اثناء فتح القسطنطينية، جعل الحوار البيزنطي فتاكاً للامبراطورية الرومانية. والحل بتحويل الحوار البيزنطي الى حوار وطني شفاق وصريح من دون مزاودات وترجيح العقل على القتل، وترجيح الوطن على الحزب، وترجيح العائلة على الفرد. ولعل الامام الفلسطيني الشافعي، في هذا المقام احكم الحكماء. فعندما اختلف معه تلميذه يونس بن عبد الاعلى، حول مسألة شرعية ما وخرج من مجلسه غاضبا، ذهب اليه الامام، بكل تواضع وقال: “يا يونس، تجمعنا مئات المسائل وتفرقنا مسألة. لا تحاول الانتصار في كل الاختلافات. أحيانا كسب القلوب أولى من كسب المواقف. لا تهدم الجسور التي بنيتها وعبرتها فربما تحتاجها للعودة يوما ما. إكره الخطأ دائما ولكن لا تكره المُخطئ، إبغض بكل قلبك المعصية لكن سامح وارحم العاصي. انتقد القول، لكن احترم القائل فإن مهمتنا هي أن نقضي على المرض لا على المرضى”.

2018-09-27 2018-09-27
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

.