ترامب واللاسامية

د.غسان عبد الله

د. غسان عبد الله : كاتب وتربوي فلسطيني.

يتفق المؤرخون على ان الساميون هم جميعا من نسل سيدنا ابراهيم ابن ازر ابن سام ابن نوح ، وعلى ان سام هو الاب للساميين الذين تعود جذور العرب لهم ، فالمعروف تاريخيا ودينيا ان سيدنا ابراهيم كان قد أنجب اسماعيل من هاجر وانجب اسحق من سارة ، واسحق امنجب يعقوب . برز استخدام مصطلح الساميون في اواخر القرن الثامن عشر لوصف الشعوب المشتركة في التاريخ واللغة والانساب كونهم من أصل واحد .

استنادا الى حديث نبوي شريف ” سام ابو العرب وحام أبو الحبش ويافت ابو الروم ” فكلنا ساميون ، وليس فقط نسل يعقوب .وعليه فان ما يمارس ضد نسل اسماعيل هو عداء للسامية ، تماما مثلما هو حال معاداة نسل اسحق ويعقوب .

اذا كان مصطلح اللاسامية ( معاداة اّل سام) قد بدأ تداوله في اواخر القرن 19 ، لوصف أي شكل من أشكال الاعتداء على اليهود في أوروبا حيث كان ابرز أشكال الاعتداءات هذه ألاضطهاد الديني والدعوة الى طرد اليهود من أوروبا .

بناء على ما سبق ، من حقنا القول أننا نشهد اليوم شكل اخر من أشكال الاضطهاد القومي يمارسه الرئيس الامريكي ترامب ضد أحد سلالات سيدنا اسماعيل ، الا وهم الفلسطينيون العرب والذي بدوره سينعكس على الشق الاخر من أبن أبناء سام ، اذ من خلال اضطهاد ترام للفلسطينين ستزيد شهوة المتطرفين ، الاخذين بالتنامي السريع، الى ارتكاب المزيد من الانتهكات والخروقات للقيم والاخلاق والاعراف الانسانية ، مما يؤدي الى المزيد من العدائية والكراهية لهم .

قبل الخوض في دوافع الاضطهاد هذا ، نعرض هنا ، وبايجاز شديد ، نماذج من أشكال الاضطهاد الذي مارسه الرئيس الامريكي بحق شعبنا الفلسطيني المدافع عن حريته وكرامته والساعي الى العيش بأمن وسلام في وطنه وعلى أرضه المحتلة .

ضمن ما يسمى ب” صفقة القرن” التي أطلقها ترامب ومعاونيه كبادرة لحل الصراع العربي الاسرائيلي واحلال تسوية دائمة في المنطقة ، اقدم ترامب على الاعلان عن مبادرته المنحازة للطرف الاسرائيلي وبشكل جلي وملحوظ منذ بداية تشكيل طاقم المبادرة و ببنودها المقترحة وما يقوم بتنفيذه على أرض الواقع دون موافقة الفلسطينيين .

ان مجمل سلسلة القرارات المتهورة التي أصدرها ترامب ضد الفلسطينين واليك بعضا منها خير دليل على نهج الاضطهاد القومي والانساني الذي تمارسه الرئاسة الامريكية ، فمثلا :

* منذ 24/1/2017ا توقفت وبشكل تام عن شجب مخططات الحكومة الاسرائيلية لبناء مستوطنات جديدة او تسمين القائم منها

* الاعلان صراحة ان خيار حل الولتين ،دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس المحتلة عام 1967 ليس هو الخيار الوحيد لحل الصراع العربي الاسرائيلي ، والبدء باطلاق فتاشات ومبادرات واهية ولاهية

* قيام الرئيس الامريكي ترامب بزيارة حائط البراق ( المبكى) وهي سابقة تاريخية لم ينفذها أي رئيس أمريكي اخر

* اعتراف ترامب في 6/12/2017 بالقدس عاصمة لاسرائيل ونقله للسفارة الامريكية من تل أبيب الى القدس المحتلة ، رغم المعارضة العربية والدولية لهذا الاجراء الظالم للفلسطينين .

* دوام التحريض على الفلسطينين ومحاولات تمرير قرار أممي يصف الفلسطينين بالارهابيين

* دوام استخدام حق الفيتو في مجلس الامن ضد أي مشروع قرار قد ينصف القضية الفلسطينية

* اللجوء الى شطب العديد من المساعدات المالية للفلسطينين ، سواء تلك المخصصة للسلطة الفلسطينية أو للمؤسسات والمستشفيات الفلسطينية في القدس

* العمل الدؤوب لشطب دور وكالة الغوث الدولية على طريق شطب حق العودة للفلسطينين مع بدء الضغوطات على الدول العربية المضيفة للاجئين من أجل توطينهم

* اغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطيني في واشنطن وطرد جميع افراد الطاقم الدبلومسي بما فيه عائلاتهم واغلاق الحسابات البنكية العائدة لهم .

* التهديد بانزال أشد العقوبات ضد قضاة المحكمة الجنائية الدولية في حالة ادانة / ملاحقة اسرائيل جنائيا على الجرائم التي ترتكبها بحق الفلسطيني ، ناهيك عن الانسحاب / أو التهديد بالانسحاب من مؤسسات دولية اتخذت أو ستتخذ قرارات مؤيدة للشعب الفلسطيني

هنا ،لا نستغرب قيام ترامب باصدار قرارت رئاسية لسحب الجنسية الامريكية من الفلسطينن المقيمن سواء في الولايات المتحدة أو خارجها ممن يعارضون جهارا اضطهاده للفلسطين أو تجميد /الغاء المنح والمساعدات العلمية للطلبة الفلسطينين الدارسين في الولايات المتحدة كما هو ليس مستبعدا أيضا ، وبناء على حدة التوتر الذي تتسم بها قرارته ضد الفلسطينين ، أن يقوم بمطلبة السسلطة الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني باعادة ما استلمته من مساعدات نقدية أو عينية وبأثر رجعي .

وعن الدوافع الرئيسة وراء مثل هذه الاضطهادات ، فمنها الواضح للعيان ومنها الخفي . من الدوافع الواضحة محاولته الدؤوبة لحجز مكان ما ، مهما صغر، في التاريخ البشري من خلال التقرب والتملق الزائد لاسرائيل .أضف لذلك ان العقلية التي تهيمن على تفكيره وبالتالي اتخاذه للقرارات المتهورة ، هي عقلية التاجر الفاجر والذي لا يخشى لومة لائم ، اذ ان كل ما يعنيه هو فقط تحقيق المزيد من ” الانجازات والمكاسب المادية ونيل الشهرة الزائفة “، وهذا ما يفسر لنا هوسه الدائم في محاولات انعاش الاقتصاد الامريكي بأي سبل ممكنة وفق رؤيته المكشوفة ” أمريكا تأخذ وعلى الاخرين أن يدفعوا ” املا ان يتم اعادة انتخابه مرة ثانية .

أما بخصوص الدوافع الخفية ، فمنها ان ترامب لديه هوس كبير بحب الاستعراض والتباهي ويفتقر الى الثبات على مواقف كونه لا يستند الى مبادىء انسانية في أي تعامل مع الاخرين وباتالي لا يأبه لاي اسجام اخلاقي في سلوكياته ، وما مسلسل الفضائح الاخير مع النساء وأقرب مساعديه الا خير داعم لهذا القول

دافع خفي اخر هو جهله الكبير في التاريخ البشري والسياسي وبعلوم السكان .هو فقط رجل اعمال يسعى فقط لتحقيق المزيد من الثروة الشخصية. ان حالة الجهل ، وكما أثبتنا في الكتاب الذي صدر عام 2005 تحت عنوان ” التعليم ضد الكراهية ” أن الجهل هو السبب الرئيس وراء الكراهية والحقد والتحريض .

قد يكون هناك في العقل الباطني لترامب دافع خفي أخر، يصعب اثباته أو نفيه ، ألا وهو الحقد والكراهية الخفيّة حيال الساميون . من حقنا اعتبار اقدامه، ومنذ بدايات حملته الانتخابية وتشكيله لطواقم الرئاسة ، احاطة نفسه بمجموعة من الشخصيات اليهودية كمستشارين أو أعضاء في المطبخ السياسي له ، اضافة الى قبول والتباهي بزواج ابنته بشخص يهودي بات المستشار المقرّب جدا له ، اما للاختفاء وراء الظهور واظهار ان هؤلاء هم من يقفون وراء السلوكيات العدوانية حيال الفلسطينين بشكل خاص والمجتمع العالمي بشكل عام ، وبهذا يكون قد نجح في مواصلة تعميميم ونشر الصور النمطية السلبية المسبقة عن الشخصية اليهودية ، مثلما كان

سائدا ابان الحكم النازي أو من أجل اخفاء شيء ما وراء الاكمة . لكن سرعان ما بدأت تكتيكاته هذه بالانهيار الواحدة تلو الاخرى اما من خلال الاقالة او تقديم الاستقالة ،يتبع ذلك تبريرات كثيرة ، احيانا يعتريها التناقض ، ولعل محاميه كوهين خير دليل على ذلك . من حقنا هنا الافتراض : ربما أن هؤلاء قد اكتشفوا مشاعر الكراهية الخفية لبني سام في العالم الباطني لترامب . مما قد يدعم هذا الافتراض سمات ترامب الشخصية : التهور في التفكير واتخاذ القرارات ، عدم الاستقرار الشخصي الذي ظهر من خلال عدة اشكال من الاضطرابات السلوكية مثل الشبق الجنسي ونهج الغطرسة والتبجح والتهديد والميل الى حب الظهور

قد يكون هناك دافع خفي اخر يتمثل في تنامي صوت الصمت وفي احسن الحالات التمني وان كان هناك تطرفا فلن يتعدى الشجب والادانة والاستنكار من قبل غالبية الانظمة السياسية التي حددت هدفها الاول والاخير المحافظة على عروشها وحكمها ، من خلال ضرورة الابقاء على علاقت طيبة مع الادارة الامريكية الحالية .

في مواجهة البلطجة

لا يختلف اثنان ان الاتي من صفقة القرن واخواتها أسخم بكثير ، والتالي لن ينفع أي رثاء من الصامدين أبنء شعبنا الفلسطيني ، لن ينفع هذا الرثاء الى الصامتين من الانظمة العربية وبعض الدول الاوروبية وان نقبل بدوام استمرار نضال الكلام والذي قد يصل الى مستولىصمت القبول ،عملا بالقول الشائع ” الصمت ادانة “.

تكمن بداية التحرك الجاد الفاعل والمطلوب في استنهاض الشعب ومؤسسااته .من خلال برنامج وطني شامل افقه منظمة التحرير الفلسطينية وقانونه التوافق الوطني على مشروع سياسي واضح يستجيب للتطعات الوطنية للشعب الفلسطيني ، مع ضرورة المزيد من التحرك الدولي والتوجه الفعلي الى المؤسسات الدولية، يسند هذه الجهود العمل الجاد من اجل التحرر من اقتصاد يقوم على اسس الدعم الامريكي و التجارة السائبة مع الاحتلال الاسرائيلي والتي بدورها تعمق التبعية والالحاق .

كما علينا أن ندرك جيدا ان سياسة ترامب المتهورة لن يكتب لها الديمومة والنجاح ، لاعتبارات عدة منها حتمية التاريخ وحقيقة ان الاموال التي يهدد بها ترامب هي ليست أمواله الخاصة بل هي من اموال وعائدات الشعب المريكي ، والذي يشهد اليوم ، لا سيما وسط الجاليات اليهودية الامريكية ،تحولا في قناعاته السياسية وتوجهاته الداعمة لعدالة القضية الفلسطينية . بالتالي علينا تكثيف العمل سوية بكل ما أوتينا به من عزم ورؤى من أجل حشد المزيد من الدعم الشعبي والمؤسسات

الامريكية الاهلية لقضيتنا .كلنا يعرف حقيقة انه لا يمكن لاي حاكم في العالم ان يستبد ويسود الا اذا ركن شعبه الى الخنوع ،وانا على يقين بأن هناك نسبة عالية من الشعب الامريكي ومؤسساته لم ولن تقبل الخنوع . لنتذكر سوية احتجاجات الشعب الامريكي ضد الحرب الامريكية على فيتنام ولنكن على يقين بأن شعب ابراهام لنكولن و مارتن لوثر كينغ ستبقى ضمائرهم ومشاعرهم الانسانية حية ويقظة .

انها فرصة نوغيىة للانظمة العربية التي وقعت فريسة لنهج الجشع والتسلط الترامبي ، فأبرمت معه صفقات تجارية متنوعة بملياترات الدولارات ، فرصة لهذه الانظمة ان تقوم بالنسحاب من هذه الاتفاقيات ، وبالتالي تكون ليس فقط قد مارست ضغط اقتصادي نوعي على ترامب ، بل وأيضا قد عملت على تحرير اقتصادها من الويلات الحالية والمستقبلية لهذه الاتفاقيات المتسمة بالاذعان والخنوع .

في الختام نقول ، ان كثيرا من التجار يعمدون الى ترويج بضاعتهم من خلال دعاية كاذبة ووكلاء مخدوعون . يدرك مثل هؤلاء التجار انهم يكذبون ( بدافع تحقيق المزيد من الشهرة والمصالح الذاتية ) ويدرك الوكلاء انهم يكذبون ويخدعون ذواتهم والناس ( بدافع حب الظهور ونيل مكتسبات مادية ) ولكن سرعان ما تبور تجارتهم تماما مثلما هو مصير صفقة القرن.

2018-09-21 2018-09-21
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

.