“اليوميات” وأهميتها التوثيقية !

نقطة ضوء
17 سبتمبر 2018
“اليوميات” وأهميتها التوثيقية !
محمد شريم

*نائب رئيس التحرير .

يقال أن التاريخ هو أقل العلوم التزاماً بالموضوعية ، ويبرر أصحاب هذا الرأي موقفهم بأن ما يصل الخلف من أخبار السلف ما هو إلا أخبار الأقوياء ، أي ما يكتبه المنتصرون من ناحية ، وما يريد الحكام تسليط الضوء عليه من ناحية أخرى . أما أخبار العامة ، وحياة الشعب اليومية المعاشة فلا يصلنا من أخبارها إلا القليل .

     وكم كان سيحسن أجدادنا الأوائل صنعاً لو تطوع من يجيد الكتابة منهم وعمل على تدوين يومياته الخاصة ، إذ كان من الممكن أن يتوفر لدينا ـ بهذا التدوين ـ توثيق مهم  لحياة الأمة بحكامها ومحكوميها أكثر موضوعية من ذلك التاريخ الذي تكتبه الأقلام المأجورة بناء على رغبة من الحكام أو استدراراً لرضاهم .

     ولأنه لم يكن مثل هؤلاء ( المتطوعين ) فإننا نعاني من قلة المعلومات عن التاريخ الحقيقي للشعوب ، فقلة التسجيل أو انعدامه أودى بهذا التاريخ إلى خانة النسيان أو هاوية الفقدان.

      إن الذي جعلني أتذكر هذه الحقائق المعروفة عن التاريخ ، وأذكّركم بها ، هو موقف مررت به مؤخراً ، حينما طلب مني أحد الأصدقاء ، وهو أكاديمي معروف ، أن أساعده في تسجيل وتوثيق بعض المعلومات عن الحركة الأدبية في فلسطين ، وبضمن ذلك تأسيس اتحاد الكتاب ومراحل تطوره ، لأن هذا الأكاديمي يريد إعداد دراسة تتعلق بهذا الموضوع ، وقد دفع الحرص على دقة التوثيق والالتزام بأصول البحث العلمي هذا الرجل العالم إلى أن يفضّل الحصول على المعلومة من مصادرها الأولى ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، وأعني بالمصادر الأولى تلك الشخصيات التي كانت محور الحدث في حينه وموضوع الحديث في هذه الدراسة .

       وبالفعل ، فقد أرسل إلي هذا العالم الجليل ـ والعالم هو صاحب العلم مهما كان تخصصه ـ جملة من الأسئلة لأجيب عما استطعت منها ، ولأبحث عن الإجابات المتعلقة بالأسئلة التي يتعذر علي الإجابة عنها لدى الأصدقاء والزملاء الذين عايشوا تلك الأحداث أو شاركوا فيها .

       ولكم كانت المفاجأة عظيمة عندما اكتشفت أنني ، وأنا الذي عايش الكثير من تلك الأحداث ، وكنت مشاركاً في بعضها ـ ولو بالمقدار اليسير ـ قد أصابتني آفة العلم ـ وهي النسيان ـ فألفيت نفسي وقد مسح الزمان من ذاكرتي الكثير من أصولها وفروعها ! ولكم كانت المفاجأة أعظم حينما اكتشفت أن معظم المشاركين المحوريين ـ آنذاك ـ في صناعة تلك الأحداث قد امتدت ممحاة النسيان إلى ذاكرة كل منهم بهذا القدر أو ذاك ، لدرجة أن بعضهم قال لي وقد أسعفتني الذاكرة بأن أسوق أمامه بعض الأحداث التي كان شاهداً عليها ومشاركاً فيها : أغبطك على هذه الذاكرة ، فقد ذكرتني بما نسيته عن نفسي !

       وللحقيقة ، فإنني لا أقصد من خلال هذه السطور أن ألوم أحداً لأنه تجنب تدوين يومياته في ذلك الزمان ، أي قبل ثلاثة عقود ، فقد كانت فلسطين ـ وما زالت إلى حد كبير ـ تمر بظروف استثنائية تجعل من الصعب على كاتب اليوميات أن يسجل تجاربه أو مشاهداته بأريحية ، وكما يريد ، بل لربما كان من أبواب التفريط أن يقوم النشطاء بكتابة يومياتهم في الكثير من الأحيان ، لما قد يستجلبه ذلك من تبعات على الكاتب ومن حوله .

       ولكن هذا لا يمنعنا ـ بالطبع ـ  من التذكير بأهمية تسجيل اليوميات ، حيثما كان ذلك ممكناً ، وأخص بهذا التذكير الأشخاص الذين هم في مركز الأحداث ، ومع ذلك فقد يكون من الأجمل أن يعمل الكثير من المراقبين ـ الذين يراقبون الحالة عن بعد ـ على كتابة يومياتهم بناء على ما يشاهدونه من أحداث ، فالمشاهد يرى ما يجري على المسرح في العادة أكثر من الممثل ، ولربما كان وصفه للمسرح وما يجري عليه من الفعل والأداء أكثر صدقاً وموضوعية من وصف الممثلين أنفسهم!     

 

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.