الجوائز الثقافية بين الواقع والمأمول!

2018-08-14T15:18:53+00:00
2018-08-14T15:24:14+00:00
نقطة ضوء
14 أغسطس 2018
الجوائز الثقافية بين الواقع والمأمول!
محمد شريم

تطلع علينا بين الفينة والأخرى بعض وسائل الإعلام ـ وأحياناً بشكل دوري منتظم ـ بالإعلان عن جوائز يرصدها أصحابها لتكريم المبدعين في مجال ثقافي واحد أو مجالات ثقافية متعددة .

والمطالع لهذه الإعلانات يستبشر بها خيراً ويقول : إن للإبداع من يشجعه ويحرص عليه ، مما يعني أن الإبداع والمبدعين بخير . وهذا يمكن أن يكون صحيحاً لو أن الجوائز لم يشب عمل القائمين عليها أية نوازع تحرف عجلتها عن وجهتها السليمة وسكتها المستقيمة .

غير أن الحقيقة لا تنسجم في الكثير من الأحيان مع هذه النظرة الوردية التي قد ينظر بها البعض إلى هذه الجوائز ، وخاصة أننا نتحدث عن جوائز ثقافية تتعلق بالحكم على الكلمات والحركات والألوان ، وليست جوائز علمية تتعلق بالحكم بناء  على الأرقام أو مخرجات مادية ملموسة ومحسوسة على أرض الواقع، يمكن المقارنة بينها بدقة كبيرة ، أي أن هوى النفس له ما له من تأثير على قرار القائمين على هذه الجوائز ، وأعني الجوائز الثقافية ، حتى لو حسنت النوايا ، فإن لم يكن التأثير موجهاً من القائمين على الجائزة والممولين لها ، فإنه يكون بفعل القناعة الشخصية التي تتحكم بكل عضو من أعضاء لجنة التحكيم ، وهذه القناعة يصعب أن تجد لها ضوابط صارمة ومعايير دقيقة يصدر الحكم بناء عليها ، عند النظر في الأعمال موضع التقييم ، وذلك مهما اجتهد أعضاء اللجنة في الالتزام بالموضوعية والحياد ، بالاستناد إلى المعايير التي توضع في العادة لهذا الغرض ، ذلك أنك تجد كل واحد من أعضاء اللجنة يقيم العمل موضع الدراسة بشكل مختلف وبطريقة مغايرة ـ بهذا المقدار أو ذاك ـ عن تقييم الآخرين ، مع أن الجميع يستندون إلى نفس المعايير ، وهذا ما يذكرنا بمصححي مواضيع التعبير في الثانوية العامة.

فإذا كانت هذه الجوائز تفتقر في الكثير من الأحيان إلى الدقة والمصداقية المأمولتين ، حتى وإن حرص القائمون على الجوائز على الالتزام بهما ، فما بالك بنتائج الجوائز وأحكامها إذا كانت هذه النتائج والأحكام قد حركتها رياح الهوى وتلاعبت بها عواصف النزعات كما هو الحال في الكثير من كبريات الجوائز التي نسمع بها ونقرأ عنها في هذه الأيام ؟

فعلى مستوى الجوائز العالمية ، هل يوجد هنالك ما هو أكثر شهرة من جائزة ( نوبل ) التي لا يكاد يختلف اثنان على توظيفها سياسياً في بعض مجالاتها ، إن لم نقل في جميع المجالات ؟

وعلى مستوى الجوائز العربية ألا يبدو جلياً للكثير منا ما لبعض هذه الجوائز من أهداف لا تنسجم مع ما يفترض أن تكون هذه الجوائز وجدت لأجله ، وهو الدفع باتجاه إيجاد إبداع ثقافي حر يعبر عن أفكار المبدع النابعة من استشعاره هموم أمته والإنسانية جمعاء ، كما يعبرعن طموحه الهادف إلى أن يساهم في رسم المستقبل الواعد الجميل؟

ألا تراها تستجلب الكثير من المبدعين ـ مع الأسف ـ ليشربوا ، وليسقوا أبناء الأمة أيضاً ، من الحوض العكر الذي أعده لهم الحاكم في سعيه لتوجيه أنظار الجماهير حيث يشاء ، وكذلك لاستجلاب اهتمام الأجنبي بإظهار نفسه مدافعاً عن قيم هذا الأجنبي وشعاراته واعتباراته لعله يحظى منه بكلمة تقدير أو نظرة إعجاب حتى لو تخطى بذلك الكثير من المحظورات ؟

ليس هذا فقط هو ما يفقد الجائزة قيمتها ، ويجعلها تسير في عكس الاتجاه المأمول منها ، بل إن سوء الأداء من قبل القائمين عليها وضعف حكمتهم في بعض الأحيان يساعد أيضاً في الوصول إلى هذه النتيجة البائسة . ولعل من أغرب الجوائز التي سمعت عنها ، هي تلك المسابقة الإبداعية التي كان موضوعها هو الثناء على رجل عظيم وحد الأمة ، فاحتج المشاركون فيها من أبناء هذه الأمة عند إعلان الفائزين ، لأن القائمين عليها قسموهم عند احتساب النتائج إلى أقطار وأمصار!

إن الجوائز الثقافية من حيث أساس وجودها هي تظاهرة جميلة ذات أهداف سامية نبيلة ، ولكننا ونحن نتابع هذه الجوائز ، وباهتمام مشروع أحياناً ، فإننا كمتابعين علينا أن ندرك أن عوامل عديدة قد تحدد نتائجها وليست قيمة العمل الإبداعي وحدها ، أما القائمون عليها فإن عليهم أن يدركوا أن هذه الجائزة أكبر من كونها مجالاً لاسترزاق القائمين عليها ، أو المشاركين فيها ، بل هي أهم من ذلك بكثير عندما نعلم أنها قد توجه دفة سفينة الإبداع ولا تكتفي بالحكم على أدائها وجمالها من الخارج ، وهذه مهمة خطيرة ، ولعل أخطر ما فيها هو أن تؤدي هذه الجوائز إلى أن ترفع وضيعاً أو تنزل رفيعاً !

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.