خيمتنا ونجمتنا الوحيدة و”ست الدنيا”.. هكذا تغنى شعراء العرب المعاصرون بقصائد بيروت

2020-08-07T19:10:38+00:00
2020-08-07T19:10:43+00:00
ثقافة وفنون
7 أغسطس 2020
خيمتنا ونجمتنا الوحيدة و”ست الدنيا”.. هكذا تغنى شعراء العرب المعاصرون بقصائد بيروت

توصف بيروت بأنها مدينة مليئة بالتناقضات، وأبرزها الجمع بين الحفاوة بالحياة والتغني بالجمال وذكريات الموت جراء الدمار المتكرر الذي شهدته.

وظلت بيروت مهوى حنين الشعراء في العصر الحديث، وساحة للحضور الشعري الكثيف، الذي يتغنى بالحنين إليها وبالحياة فيها رغم المصائب التي أحدقت بها.

ومن هؤلاء الشعراء برز الشعراء: السوري نزار قباني، والفلسطيني محمود درويش، واللبناني جبران خليل جبران، ووجد المعلقون على مواقع التواصل الاجتماعي -عقب انفجار بيروت الأخير- في قصائدهم موئلاً وملجأ للحنين، في كلمات شعرية مشحونة بالحب والأسى للمدينة التي عاشت في العقود الأخيرة أحداثًا مريرة.

بيروت الأنثى

بدأ قباني شاعرا عاشقا ينشد الحب والجمال والمرأة، وانتهى في المنفى الاختياري يائسا محبطا من وضع عالم عربي مفكك، لكنه حقق اختراقا غير مسبوق من حيث علاقة الشعر بالجمهور، فقد انتشرت دواوينه بين شرائح واسعة من القراء بفضل بساطة لغته وجرأة مضامينه وإيقاعه الغنائي.

وارتبط قباني بعلاقة خاصة ببيروت، حيث لقيت زوجته بلقيس مصرعها في التفجير الذي هز السفارة العراقية في بيروت، مما أسهم في تكوين صورة عاطفية مشحونة للشاعر السوري تجاه المدينة التي عاش فيها وأحبها وفقد فيها حبيبته.

ورثى قباني زوجته قائلا “سأقول في التحقيق.. أني قد عرفت القاتلين.. بلقيس.. يا فرسي الجميلة.. إنني من كل تاريخي خجول.. هذي بلاد يقتلون بها الخيول.. سأقول في التحقيق: كيف أميرتي اغتصبت.. وكيف تقاسموا الشعر الذي يجري كأنهار الذهب.. سأقول كيف استنزفوا دمها”.

وفي قصيدته “بيروت والحب والمطر” يقول قباني:

“ليس للحب ببيروت خرائط..اعلان

لا ولا للعشق في صدري خرائط..

فابحثي عن شقة يطمرها الرمل..

ابحثي عن فندق لا يسأل العشاق عن أسمائهم..

سهريني في السراديب التي ليس بها..

غير مغن وبيان..

قرري أنت إلى أين..

فإن الحب في بيروت مثل الله في كل مكان”.

ويقول  في ديوانه الشعري  “إلى بيروت الأنثى مع حبي” (1981) في قصيدته الشهيرة التي تغنى بها كثيرون عقب انفجار بيروت الأخير:

يا ستَّ الدنيا يا بيروتْ

مَنْ باعَ أساوركِ المشغولةَ بالياقوتْ؟

من صادَر خاتمكِ السّحريَّ،

وقصَّ ضفائركِ الذهبيّهْ؟

من ذبحَ الفرحَ النائمَ في عينيكِ الخضراوينْ؟

من شطبَ وجهكِ بالسّكّين،

وألقى ماءَ النارِ على شفتيكِ الرائعتينْ؟

من سمّمَ ماءَ البحرِ، ورشَّ الحقدَ على الشطآنِ الورديّهْ؟

ها نحنُ أتينا.. معتذرينَ.. ومعترفينْ

أنّا أطلقنا النارَ عليكِ بروحٍ قبليّهْ

فقتلنا امرأة.. كانت تُدعى “الحريّهْ”.

يا ستَّ الدنيا يا بيروتْ

يا حيثُ الوعدُ الأوّلُ.. والحبُّ الأوّلُ

يا حيثُ كتبنا الشعرَ

وخبّأناه بأكياسِ المُخملْ

نعترفُ الآنَ.. بأنّا كُنّا يا بيروتُ،

نُحبّكِ كالبدوِ الرُحّلْ

ونُمارسُ فعلَ الحبِّ.. تماماً

كالبدوِ الرُحَّلْ…

نعترفُ الآنَ.. بأنَّكِ كُنتِ خليلتنا

نأوي لفراشكِ طولَ اللّيل

وعندَ الفجرِ، نهاجرُ كالبدوِ الرُحَّلْ

نعترفُ الآنَ.. بأنّا كُنّا أُميّينَ

وكُنّا نجهلُ ما نفعلْ

نعترفُ الآنَ، بأنّا كُنّا مِن بينِ القَتَلَهْ

ورأينا رأسكِ

يسقطُ تحتَ صخورِ الرَوْشَةِ كالعصفورْ

نعترفُ الآنَ

بأنّا كُنّا – ساعةَ نُفِّذَ فيكِ الحُكمُ –

شهودَ الزورْ.

نعترفُ أمامَ اللهِ الواحدِ

أنّا كُنّا منكِ نغارُ

وكانَ جمالكِ يؤذينا

نعترفُ الآنَ

بأنّا لم ننصفْكِ.. ولم نعذُرْكِ.. ولم نفهمْكِ

وأهديناكِ مكانَ الوردةِ سِكّينا

نعترفُ أمامَ اللهِ العادلِ

أنّا راودناكِ

وعاشرناكِ

وضاجعناكِ

وحمّلناكِ معاصينا

يا ستَّ الدنيا، إن الدنيا بعدكِ ليستْ تكفينا

الآنَ عرفنا.. أنَّ جذوركِ ضاربةٌ فينا

الآنَ عرفنا.. ماذا اقترفتْ أيدينا.

قومي من تحتِ الموجِ الأزرقِ، يا عِشتارْ

قومي كقصيدةِ وردٍ

أو قومي كقصيدةِ نارْ

لا يوجدُ قبلكِ شيءٌ.. بعدكِ شيءٌ.. مثلكِ شيءٌ

أنتِ خلاصاتُ الأعمارْ

يا حقل اللؤلؤِ

يا ميناءَ العشقِ

ويا طاووسَ الماءْ

قومي من أجلِ الحبِّ، ومن أجلِ الشّعراءْ

قومي من أجل الخبزِ، ومن أجلِ الفقراءْ

الحبُّ يريدكِ.. يا أحلى الملكاتْ

والربُّ يريدكِ.. يا أحلى الملكاتْ

ها أنتِ دفعتِ ضريبةَ حسنكِ مثل جميعِ الحسناواتْ

ودفعتِ الجزيةَ عن كلِّ الكلماتْ.

ما زلتُ أحبُّكِ يا بيروتُ المجنونهْ

يا نهرَ دماءٍ وجواهرْ

ما زلتُ أحبُّكِ يا بيروتُ القلبِ الطيّبِ

يا بيروتُ الفوضى

يا بيروتُ الجوعِ الكافرِ.. والشّبعِ الكافرِ

ما زلتُ أحبُّكِ يا بيروتُ العدلِ

ويا بيروتُ الظلمِ

ويا بيروتُ السّبْيِ

ويا بيروتُ القاتلِ والشاعرْ

ما زلتُ أحبُّكِ يا بيروتُ العشقِ

ويا بيروتُ الذبحِ من الشّريانِ إلى الشّريانْ

ما زلتُ أحبُّكِ رغمَ حماقاتِ الإنسانْ

ما زلتُ أحبُّكِ يا بيروتُ..

لماذا لا نبتدئُ الآنْ؟

جبران وبيروت

ولد جبران عام 1883 في بلدة بشري (شمالي لبنان) على سفوح جبل الأرز، وهاجر إلى بوسطن في الولايات المتحدة مع والدته عام 1898 وتوفي عام 1931 متأثرا بمرض السل، وظل إلى آخر أيام حياته يراوده الحنين لبيروت، وقال عن بلده:

لبنان هل للراسيات كأرزه … تاج ينضرها على الآباد

يا ليت ذاك الأرز كان شعارنا … بثباته وتواشج الأعضاد

بسقت بواسقه على قدر فما … جهلت وما كانت من المراد

لو أمعنت صعدا لما ضلعت ولا … رسخت ولا جلدت لرد نآد

إن تدهها حمر الصواعق تبتسم … فيها النضارة عن لظى وقاد

وترى الغصون كل مخضل … منها تباعث منه وري زناد

أوقفت تعجب من صنيع الله في … لبنان بين شوامخ ووهاد

الشاعر الفلسطيني الذي ندب بيروت

افتتح الشاعر الفلسطيني محمود درويش قصيدته الشهيرة “في مديح الظل العالي” برثاء بيروت التي شهدت فترات من أهم حياة درويش، قبل أن يغادرها متجنبا حربا أهلية شرسة واجتياحا إسرائيليا لها.

وقال درويش في قصيدته:

“بحرٌ لأيلولَ الجديدِ. خريفُنا يدنو من الأبوابِ…

بحرٌ للنشيدِ المرِّ. هيَّأنا لبيروتَ القصيدةَ كُلَّها.

بحرٌ لمنتصفِ النهارِ

بحرٌ لراياتِ الحمامِ، لظلِّنا، لسلاحنا الفرديِّ

بحرٌ للزمانِ المستعارِ

ليديكَ، كمْ من موجةٍ سرقتْ يديكَ

من الإشارةِ وانتظاري

ضَعْ شكلنا للبحرِ. ضَعْ كيسَ العواصفِ عند أول صخرةٍ

واحملْ فراغَكَ… وانكساري

…واستطاعَ القلبُ أن يرمي لنافذةٍ تحيَّتهُ الأخيرةَ،

واستطاع القلبُ أن يعوي، وأن يَعدَ البراري

بالبكاء الحُرِّ…

وفي قصيدته “بيروت” يقول درويش:

خلسةً: نُنشدُ

بيروتُ خيمتُنا

بيروتُ نَجْمتُنا

ونافذةٌ تطلٌّ على رصاص البحرِ

يسرقنا جميعا شارعٌ ومُوَشَّحٌ

بيروتُ شكل الظلِّ

أجملُ من قصيدتها وأسهلُ من كلام الناس

تُغرينا بألف بدايةٍ مفتوحة وبأبجدياتٍ جديدة:

بيروتُ خيمتُنا الوحيدة

بيروتُ نجمتُنا الوحيدة

هل تمدَّدنا على صفصافها لنقيس أجسادًا محاها البحر عن أجسادنا جئنا إلى بيروت من أسمائنا الأولى

نفتِّشُ عن نهايات الجنوب وعن وعاء القلبِ…

سال القلبُ سال…

وهل تمدَّدنا على الأَطلال كي نَزِنَ الشمال بقامة الأغلال؟

مال الظلِّ مال عليَّ ، كسَّرني وبعثرني

وطال الظلُّ طال….

ليَسْرُوَ الشجرُ الذي يسرو ليحملنا من الأعناق

عنقودًا من القتلى بلا سببِ…

وجئنا من بلادٍ لا بلاد لها

وجئنا من يد الفصحى ومن تَعبِ….

خرابٌ هذه الأرض التي تمتدُّ من قصر الأمير إلى زنازننا

ومن أحلامنا الأولى إلى … حطبِ

فأعطينا جدارًا واحدًا لنصيح يا بيروتُ

أعطينا جدارًا كي نرى أفقًا ونافذةً من اللهبِ

وأعطينا جدارًا كي نُعلِّق فوقه سدُومَ

التي انقسمت إلى عشرين مملكةً

لبيع النفط …. والعربي

وأعطينا جدارًا واحدًا

لتصيح في شبه الجزيرةْ

بيروت خيمتُنا الأخيرةْ

بيروت نجمتُنا الأخيرةْ

المصدرالجزيرة.نت
رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.