الدولار يترنح ويتجه جنوبا والذهب يتألق ويتجه شمالا

2020-08-04T10:38:31+00:00
2020-08-04T10:39:44+00:00
ترجمة وتقارير خاصة
4 أغسطس 2020
الدولار يترنح ويتجه جنوبا والذهب يتألق ويتجه شمالا
نهاد إسماعيل

شرق وغرب – يمر الإقتصاد الأمريكي بأزمة فعلية تتمثل في ارتفاع المديونية ومستويات البطالة وانكماش إجمالي الإنتاج القومي وتراجع استهلاك الطاقة وهبوط الدولار.  وربما تعتبر أسوأ أزمة تواجه الولايات المتحدة منذ 2008 كما يواصل الدولار انخفاضه الكبير، مما يضعه على مسار تسجيل أكبر انخفاض شهري في عشر سنوات. وما يقلق المستثمرين هو تباطؤ الإنتعاش الإقتصادي الأمريكي بفعل فشل سياسات وإجراءات احتواء وباء فيروس كورونا المستجد. من جهة أخرى، يعاني الإقتصاد الأمريكي من أزمة الثقة في الدولار الذي قد يفقد ميزته الكبرى كأقوى عملة احتياط للعالم وملاذ آمن للمستثمرين.

ومن نتائج تراجع قمية الدولار الصرفية هو ارتفاع القيمة الصرفية للعملات الأخرى مثل الين الياباني واليورو الى مستويات لم تشهدها الأسواق منذ أكثر من عامين. حيث وصلت العملة الأوروبية الموحدة الى 1.18  دولار وهو أقوى مستوياتها منذ مايو/ أيار 2018، لتسجل أفضل أداء شهري منذ سبتمبر/ أيلول 2010. وتهاوى الدولار أمام العملات الأخرى مثل الإسترليني، حيث ارتفعت قيمة الجنيه لتصل الى 1.31 دولار وهو أعلى مستوى منذ بداية العام.

ومقابل الين الياباني، بلغ الدولار أدنى مستوى في أربعة أشهر ونصف الشهر عند 104.19 ين وبلغ في أحدث تعاملات 104.36، ليخسر 3.3 في المئة في الشهر الجاري.

إلى ذلك، ارتفع الذهب لأعلى مستوياته على الإطلاق، متأثرا بتراجع الدولار وأرقام اقتصادية كئيبة أدّت الى تهافت المستثمرين نحو المعدن الأصفر الذي يُعتبر ملاذا آمنا، والذي في سبيله لتحقيق أكبر مكسب شهري منذ فبراير 2016.

تصريحات الرئيس دونالد ترامب المتناقضة عبر خدمة “تويتر” لا تخدم الدولار، بل عززت الشكوك في مقدرة واشنطن على استرجاع انفاسها والصعود بالدولار للأعلى، أي أن الثقة في اقوى اقتصاد في العالم بدأت تتزعزع. اللافت هو أن وسائل إعلام أمربكية تقول إن الرئيس ترامب يريد تحويل الأنظار عن انباء تقلص حجم الاقتصاد الأمريكي بواقع 33% تقريبا على أساس سنوي. وهناك مخاوف حقيقية أن الإقتصاد الأمريكي يواجه كساد إقتصادي محتمل لم تشهده الولايات المتحدة منذ ثلاثينات القرن الماضي.

 — كورونا والدولار

قبل أربعة أشهر تعرضت إقتصادات العالم لهزات قوية أدت إلى زعزعة ثقة العالم بسلامة الإقتصاد العالمي ونظام العملات والصرف وهرع المستثمرون للدولار الأمريكي كملاذ آمن.

عندما تظهر الأزمات الجيوسياسية والإقتصادية كالانصهار المالي (2008-2009) يقفز الدولار للأعلى. عندما يحدث اضطراب اقتصادي يهرب المستثمرون للمكان الآمن كالدولار والذهب. والدولار كما هو الذهب يعتبر مرفأ الأمان للإدخار والإستثمار.

وفي عام 2018 واجه الدولار أسوأ أوقاته مقابل سلة عملات عالمية. والهبوط الأخير في الشهر الماضي بنسبة 5 الى 10% قد يبدو هبوطا متواضعا ومعتدلا. ولكن عندما تكون أسواق العملات الصرفية مستقرة نسبيا، يعتبر الهبوط بنسبة 5 إلى 10% هبوطا دراماتيكيا. وعلى المدى القصير الانخفاض بقيمة الدولار الصرفية مقابل اليورو والاسترليني تعكس تراجع وضعف الاقتصاد الأمريكي المتوقع بسبب وباء فيروس كورونا وعودة انتشاره في العديد من الولايات الأمريكية.

— دور الاحتياط الاتحادي

يراهن مدراء صناديق التحوط والإستثمار على تدخلات جديدة من قبل الاحتياط الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي). لكن أي خطوات إضافية لتحفيز وتنشيط الاقتصاد ستؤدي في النهاية الى هبوط قيمة الدولار الصرفية.  وكل خطوة تحفيزية ستضعف الدولار اذا تم ضخ سيولة دولارية جديدة في الأسواق. وفعلا اعتمد “الاحتياط الاتحادي” على اغراق الأسواق بالدولارات لمجابهة تأثير اغلاق الاقتصاد بسبب الوباء. واعلن المصرف المركزي 9 ابريل/نيسان ضخ 2.3 ترليون دولار في الاقتصاد الأمريكي.

لكن هناك عناصر أخرى تدعو للقلق مثل صعود الذهب شمالا باتجاه 2000 دولار للأونصة لأن المستثمرين يبحثون عن بديل للدولار كمخزن للقيمة.

فقد تزعزعت سمعة الدولار كعملة آمنة نتيجة لتصريحات غير مدروسة من البيت الأبيض مثل تلميحات الرئيس ترامب بتأجيل الانتخابات الرئاسية التي ستعقد في نوفمبر/تشرين الثاني 2020. ولكن هناك اجماع ان العالم ليس جاهزا للتخلي عن الدولار بعد. واندلاع فيروس الكورونا في مارس آذار عزز دور الدولار في الاقتصاد العالمي. وكذلك عزز ثقة العالم بالاحتياط الاتحادي والدور الهام الذي يلعبه في النظام المالي العالمي.

كما أن هناك اشارات تدعو للارتباك. فهبوط قيمة الدولار تعبر عن تفاءل بحالة الاقتصاد العالمي، وتجعل دول أخرى تظهر كأنها تتمتع بنمو اقتصادي محتمل. وهذا الأمر يشجع المستثمر على نقل أمواله لتلك الدول رغم انه استثمار يحتوي على نوع من المجازفة خاصة في البؤر المعرضة لتقلبات جيوسياسية مثل العراق والسعودية وشمال افريقيا وحتى أمريكا اللاتينية.

وأي تحسن في الاقتصاد الأمريكي والعالمي يعتمد بشكل كبير على تقلص واحتواء فيروس كورونا وايجاد حلول ناجعة كلقاح مضاد فعّال وآمن. وهذه وجهة نظر رئيس الاحتياط الاتحادي الأمريكي جيروم باول. باختصار شديد، إذا هُزم وباء كوفيد-19 أو تم تحييده، سوف تتقلص البطالة ويرتفع الانتاج وستنمو الاقتصادات.

— الدولار سيحتفظ بمركزه القيادي

يتمتع الدولار بميزة استثنائية وهي انه عملة الاحتياطات المالية في العالم وهذا يجلب فوائد جمة للولايات المتحدة. ومنها تعزيز سيادة الدولار والدور الهام الذي يلعبه الدولار في التجارة الدولية. والسلع الهامة كالنفط والغاز الطبيعي والمعادن النفيسة مثل الذهب تبقى مقومة بالدولار. وبحسب صحيفة “فايننشال تايمز”، فإن اكثر من 20% من صفقات التجارة العالمية خارج الولايات المتحدة تستند على الدولار كعملة التبادل التجاري. وفي اسواق العملات والمصارف 88% من المعاملات والصفقات تتم في الدولار والتي تبلغ 6.6 ترليون دولار يوميا. وهذا يفسر عدم رغبة المصارف المركزية في  مختلف دول العالم التخلي عن الدولار أو التفكير باعتماد عملة بديلة سواء كانت الروبل الروسي او الرينمنبي الصيني وحتى اليورو الأوروبي.

ووفقا لدراسات أخيرة، نشرتها صحيفة “فايننشال تايمز”، تبلغ حصة الدولار الأمريكي من احتياطات العملة في البنوك المركزية حول العالم 62% من الاجمالي العالمي البالغ  11 ترليون دولار أمريكي.

وكل ذلك يؤكد هيمنة الدولار على المشهد العالمي بغض النظر عن الكورونا والأزمات الأخرى.

ويعتقد خبراء غولدمان ساكس المصرف الاستثماري الاستشاري الأمريكي أن الدولار سوف لا ينهار وسوف لا نرى انحدارا شديدا في القيمة الصرفية حيث أن هناك هامش للانخفاض ما بين 5 الى 10% ليعود الدولار الى مستويات قريبة من قيمته الحقيقية.

*كاتب متخصص في الشأن الإقتصادي

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.