الشاعر فرحان الخطيب : “أساور فرح في حضور الغياب”

2020-03-17T18:30:08+00:00
2020-03-17T18:32:04+00:00
ثقافة وفنون
17 مارس 2020
الشاعر فرحان الخطيب : “أساور فرح في حضور الغياب”
فرحان الخطيب

*فرحان الخطيب : شاعر سوري.

[ رسالة طفلة لأمها الشهيدة أثناء الحرب الصهيونية على غزة]

شمسٌ ..

على شُرُفاتِ أرضِ الله ..

إلاّ  ها هُنا ..

شَمْسٌ  يُخاصِرُها الفتورْ …

لًمْ  يبقَ  يا أمّي  سوى ..

أغصانِ  داليةٍ  ذَوتْ ..

مِنْ  نزْفِ  أَوردةِ  الجُذورْ

لم يبقَ  غيرُ  حواجزِ  المَوتِ الذَّليلِ ..

وَشَهقَةِ  البيتِ  المُهَدّمِ  ..

منْ  عُلَاهُ ..

وما  تحطّمَ  من جُسورْ  ..

     *     *     *

هيَ  غزّةُ الملأى  جِرارُ حياتها ..

بدمٍ   ..

يُعانقُ  في  تبَرعُمهِ  الزّهورْ ..

عندي  لغزّةَ …

 من دموعِ  الشّعرِ ما  ملأَ  المحاجرَ  ..

ثمَّ  أُطلقها  إلى  وجعِ  البحورْ ..

في  غزّةَ  الأنوارُ  تُطفأُ  …

والنّجومُ  إلى  خُفُوتٍ…

لاتَشعُّ  ..

تنوسُ  مثلَ  عرائسٍ  ..

فقَدَتْ  بهاءَ  حياتها  …

بشهيدها ..

ويلفُّ  نشوَتَها  الضُّمورْ  …

 *      *       *

لم  يبقَ  يا أمي  هنا ..

غيرُ  التّعلّقِ  في عَناقيدِ  الحياةِ ..

وبتُّ  أخشى  أنْ  تصيرَ  قضيّتي ..

خجلى ..

كأطفالِ  الحصيرْ ..

وَنَمُوتُ  يا  أمّي  هنا ..

لَبَسَتْ  كنائِسُنا  الحدادَ  ..

وأعلنتْ  قببُ  المساجدِ  حزنَها..

وبَدَتْ  صلاةُ  الخاشعينَ  كأنّها ..

نَسِيَتْ  جنانَ  الخُلدِ  في كنفِ العُلا ..

وتوجّهَتْ صوبَ  المعابرِ ..

للحياةِ  …

لكمشةٍ من قوتِ  أطفالِ  الحجارةِ ..

بعدما ..

فتحوا  المعابرَ  بالدّمِ الحرِّ الغزيرْ

         *      *       *

لَمْ  يبْقَ  يا  أمّي هُنا ..

غيرُ  العبورِ  إلى  العبورْ  ..

        *     *       *

أخذوا  أسَاورَكِ  الّتي  خَشْخَشْتِ  فيها..

حينَ  كانَ  الله  ينشرُ  في  زوايا  البيتِ ..

أجْنحةَ  البخورْ …

أخذوا  سريرَ طفولتي ..

سرقوا  أغانيكِ  الّتي  غَنّيتِها ..

( يالله  تنامي   يابنتْ ….يامزيّنهْ      ومدلٌعهْ)

( وبكره اذا خدّكْ حلي.. لَطْلبْ مهيركْ بأربعهْ)

سرقوا  أغانيكِ  التي  أطلقتِها ..

سرقوا  حنانَكِ  من شُقُوقِ  البيتِ ..

والعِقْدَ  المُذهّبَ  والسَّريرْ ..

       *       *        *

سَرَقُوا  مناديلَ  الطّفولةِ  ..

من  على  حبْلِ الغسيلِ ..

وأطلقوا  من فوّهاتِ  عيونِهم ..

جيشاً …

منَ  الحِقْدِ  المعلّبِ في دهاليزِ الصّدورْ..

أخذوا  صباحَ  النّعنعِ البرّيّ ..

والحَضريِّ  ..

لمَّا  ..

ينشرُ  العطْرَ  البهيَّ ..

على أحاديثِ  الصّبايا ..

ويستريحُ   على  الخُصورْ  ..

       *       *        *

وبقيتُ  يا  أمّي  أسيرُ  ..

على  خُطا  درْبٍ  تدورْ  …

وتركتُ  يا  أُمّي  المساكبَ

والمشاتلَ ..

والزّنابقَ  ..

والحدائق  والمدارسَ  والدّفاترَ ..

والعُطُورْ ..

وتركْتُ خلْفَ  البابِ  محفظتي ..

وما ..

دوّنتُ  فيها  من  سطورْ ..

وحملتُ  يا أمّي  القصائدَ ..

والمواجعَ ..

والصّباحَ  ..

وَضَوْءَ  أجنحةِ  الطّيورْ  ..

ومشيتُ  يا أمّي  ..مشيتُ ..

يرفُّ فوق  بكائنا ..

سَرْبُ  السُّنونو ..

لا  أسيرُ ..

ولايطيرُ ..

كأننا نَذْرانِ  نُدرجُ في سجلّاتِ  النّذورْ ..

            *     *      *

لم يبقَ يا أمي سوى ..

صوتِ  المعابرِ  للعبورِ  الى العبورْ ..

           *      *       *

في البَدْءِ ..

كانَ  الشّرُّ  يصرُخُ حينما ..

كانَ  الغزاةُ ..

يُهَيئونَ  الأرضَ للفقراء  بيتاً ..

ما يُسمّى بالقبورْ ..

والآن  تزدحمُ  القبورْ ..

لم يبقَ  يا أمّي سوى ..

رجسٍ  من الأعرابِ تغسلُ ماتبقى..

 من خطاياهم ..

بِدَنٍّ  من فجورْ …

لم يبقَ  يا أمي  هنا غيرُ الحواجزِ..

علّقوها ..

بين أعمدةِ السّماءِ …

وبينَ  أرضٍ  لاتمورُ ولاتدورْ ..

كأنّها حبلى بقيحِ  العهر ..

في الزّمنِ  الضّريرْ ..

ونموتُ  يا  أمي  هنا ..

ويحفُّ  بالحقّ  اليباسُ ..

ويخفتُ الحلُمُ   النّضيرْ ..

لم يبقَ  يا أمّي  هنا غيرُ السّيوفِ نسلُّها..

للرقصِ في حَلَبَاتِ ذُلٍّ ..

نرفعُ  الأنخابَ في استقبالِ طاغيةٍ ..

حقيرْ ..

لمْ يبقَ  يا أمّي منَ (القطران) جدوى ..

في مداواة  البعيرْ …

المصدرمنبر أدباء بلاد الشام
رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.