رحل السلطان قابوس تاركًا خلفه نهجًا يحتذيه من بعده

2020-01-13T12:04:36+00:00
2020-01-13T14:20:49+00:00
ترجمة وتقارير خاصة
13 يناير 2020
رحل السلطان قابوس تاركًا خلفه نهجًا يحتذيه من بعده

شرق وغرب – رحل يوم الجمعة السلطان قابوس بن سعيد، سلطان عُمان، بعد صراع طويل مع مرض سرطان القولون، عن عمر يناهز 79 عاماً. وقد رثاه العديد من الشخصيات العربية والغربية، وجمع عزائه الفرقاء، مما يرسم صورة بأن السلطنة عهده لم تكن يوما عدواً لأحد.

تولى السلطان قابوس الحكم عام 1970 ليصبح ثامن سلطان من أسرة آل بوسعيد. حكم سلطنة عمان نحو خمسة عقود انتهج خلالها سياسة الحياد في كافة القضايا الإقليمية والدولية، وارتبط بعلاقات صداقة مع كثير من الدول، ساهمت في حل العديد من النزاعات الإقليمية.

وقد عيّن مجلس سلطنة عُمان، السبت، هيثم بن طارق آل سعيد سلطاناً للبلاد خلفاً للسلطان الراحل قابوس بن سعيد.

وذكر مجلس الدفاع العماني، في بيان له، أن تم فتح الرسالة التي تركها السلطان الراحل، وبموجبها عيّن مجلس العائلة الحاكمة هيثم بن طارق آل سعيد سلطاناً للبلاد.

وشغل السلطان الجديد (65 عاما)، وهو ابن عم السلطان الراحل، منصب وزير التراث والثقافة، وكان مبعوثاً خاصاً للسلطان قابوس، وسبق أن عمل أميناً لوزارة الخارجية، وكان رئيساً للجنة رؤية 2040 التنموية.

كما تولى رئاسة اللجنة المنظمة لدورة الألعاب الآسيوية الشاطئية الثانية التي أقيمت في مسقط عام 2010، ورئاسة الإتحاد العماني لكرة القدمي بين عامي 1983-1986. وكان رئيساً فخرياً لجمعية الصداقة العمانية-اليابانية.

وفي أول تصريحاته منذ تنصيبه سلطانا، قال السلطان هيثم بن طارق: “سوف نرتسم خط السلطان الراحل مؤكدين على الثوابت (…) وسياسة بلادنا الخارجية القائمة على التعايش السلمي بين الأمم والشعوب وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لغيرنا واحترام سيادة الدول وعلى التعاون الدولي في مختلف المجالات”.

وتابع “كما سنبقى كما عهدنا العالم في عهد المغفور له (…) داعين ومساهمين في حل الخلافات بالطرق السلمية”.

ويقول المؤرخ والمحلل السياسي المتخصص في شؤون شبه الجزيرة العربية والخليج، جي. إي. بيترسون ان التغييرات التي حققها السلطان قابوس في عُمان خلال فترة حكمه الممتدة على مدى 50 عامًا هائلة ولا حدّود لها.

ويضيف بيترسون – الذي عمل في الفترة 1989-1999 كمؤرخ في قوات السلطان المسلحة بمكتب نائب رئيس الوزراء لشؤون الأمن و الدفاع في مسقط – لـ”شرق وغرب”: بالتأكيد تم ارتكاب بعض الأخطاء وكان من الممكن التعامل مع بعض المواقف بشكل أفضل. لكن الرؤية الشاملة كانت سليمة وعُمان اليوم هي أكثر تطورًا بكثير، ويتمتع شعبها بمستوى معيشي أفضل بكثير، ولم يكن بالإمكان إدارة العلاقات الخارجية الشاملة بشكل أفضل. 

ويشير بيترسون إلى انه كما هو الحال في دول الخليج الأخرى، فإن عُمان لم تبلغ بعد هدفها المتمثل بالاستدامة الاقتصادية في مرحلة ما بعد النفط، في حين يجب على السلطنة أن تعمل بإيرادات واحتياطيات أقل بالمقارنة مع بعض جيرانها — وبالتالي تمتلك وقتًا أقل لحل هذه المعضلة. 

ويلفت إلى ان السلطان الجديد هيثم بن طارق سيتمتع بالاعتماد على المؤسسات وخطوط القيادة الواضحة التي رسمها ابن عمه. وسيواصل على الأرجح الرؤية التي طبقها السلطان قابوس، لكنه سيقوم بلا شك بوضع تعديلاته وأفكاره الخاصة. ويختم بيترسون بالقول: كانت سلطنة عمان محظوظة على مدار نصف القرن الماضي ببناء كادر من العمانيين المتعلمين والمستعدين بشكل جيد للمساعدة على تنفيذ الرؤية.

وفي دراسة له نشرت عام 2015 على موقع مركز كارنيغي للشرق الأوسط، كتب مدير مركز دراسات الخليج في جامعة إكستر، مارك فاليري، ان العلاقة بين قابوس والدولة كانت “في صلب حكمه منذ أن تولّى السلطان السلطة في العام 1970. ومن خلال الاعتماد على عائدات النفط في البلاد، أكّد السلطان شرعيته عبر تطبيق سياسة طموحة للوحدة الوطنية، وعيّن مجموعة كبيرة من الموظفين الذين يعتمدون على النظام من أجل البقاء.”

ولعل الإنتقال السلس والسريع للسلطة بعد وفاة السلطان الراحل مثال على الوحدة التي جسدها في السلطنة طيلة فترة حكمه.

وفي عهده، تمكنت السلطنة بسياسة “الحياد الإيجابي” التي عُرفت بها من التعامل مع شتى التحديات والصراعات في المنطقة. وكانت هذه السياسة تتماشى مع ما قاله السلطان قابوس في خطاب له عام 1972 بمناسبة العيد الوطني الثاني للبلاد: “إن سياستنا الخارجية تقوم على الخطوط العريضة الآتية: انتهاج سياسة حسن الجوار مع جيراننا وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأية دولة؛ تدعيم علاقاتنا مع الدول العربية وإقامة علاقات ودية مع دول العالم؛ الوقوف بجانب القضايا العربية في المجالات الدولية؛ الوقوف بجانب القضايا الأفريقية وتأييد نضالها من أجل الحرية والإستقلال وقد إتخذت عمان موقفا معاديا لسياسة التفرقة العنصرية التي تمارسها حكومة جنوب أفريقيا وحكومة روديسيا؛ وبصفتنا من الدول النامية فإننا نلتزم الخط الذي تسير عليه دول العالم الثالث.”

يقول مدير الأبحاث في المركز العربي بواشنطن، عماد حرب، ان السلطنة فقدت قائداً فذّاّ حيّدها عن النزاعات الإقليمية بتركيزه على المصلحة الوطنية لبلاده.

ويضيف حرب لـ”شرق وغرب” ان السلطنة كدولة صغيرة قليلة الموارد كانت ولا تزال بحاجة للحياد في منطقة تكثر فيها التحديات والضغوط للانضمام إلى تحالفات بعضها خطير جداً. ومن أفضل الأمثلة على ذلك بقاء قابوس على بعد عن دول الخليج كالسعودية والإمارات التي أرادت وقفة قوية ضد إيران، ولكنه أيضاً لم يقف مع إيران في مواجهتها لأشقائه وجيرانه.

ويشير إلى ان انضمامه عام 1981 إلى مجلس التعاون كان من أجل تحقيق أهداف التنمية الخليجية العربية المشتركة وتأمين الأمن المشترك وليس لتشكيل جبهة لمجابهة إيران. ويلفت إلى أن أي قائد بعده، وبالتحديد السلطان هيثم بن طارق، لا يستطيع سوى متابعة المسار الذي وضعه المرحوم للسلطنة. فالمؤسسات النظامية قائمة على فكرة الحياد ومقاومة المغالاة في معاداة إيران أو في الابتعاد الكثير عن منظومة التعاون الاقتصادي والمصلحي المشترك لمجلس التعاون.

ويؤكد ان السلطان هيثم خدم المرحوم في تحقيق هذه الاهداف. لكنه في الوقت نفسه أمام تحديات كبيرة للإبقاء على الحياد وللاستمرار في مسار التنمية الداخلية وتحسين الوضع الاقتصادي. ويقول ان على السلطان الجديد الاستمرار في عملية الانفتاح السياسي داخل السلطنة والسماح بحرية التعبير والرأي، وهو ما سيزيده شرعية ودعماً في المرحلة القادمة. كما عليه الاستمرار في خطب ود المجموعة الدولية المؤثرة سياسياً واقتصادياً، كبريطانيا والولايات المتحدة والدول الأوروبية والآسيوية. 

ومن أبرز المواقف السياسية لعُمان في عهد السلطان قابوس هي انه في الحرب العراقية-الإيرانية التي اندلعت خلال ثمانينات القرن الماضي، لم تنحاز مسقط إلى أي طرف، مما جعلها تحتفظ بعلاقاتها مع الجميع. كما كان موقفها الواضح حاضراً عقب غزو العراق للكويت عام 1990.

فبالرغم من ان السلطنة أدانت الغزو وطالبت العراق بالإنسحاب الفوري وغير المشروط من كافة الأراضي الكويتية، إلا أنها كانت الدولة الخليجية الوحيدة التي أبقت علاقتها الدبلوماسية مع العراق وسعت لمنع الحرب التي لاحت بوادرها في الأفق عقب الغزو. وفي خطاب له بمناسبة العيد الوطني العشرين عام 1990، شدد قابوس على “ضرورة التوصل إلى حل سلمي لأزمة الخليج يقوم على القرارات الدولية ويعيد إلى دولة الكويت سلطتها الشرعية”.

كما ناصر في خطاباته حق العرب في صد عدوان الكيان الصهيوني، مذكراً أهل بلاده والأجيال المتعاقبة بالقضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني. هذا، وفي عام 2003، كان موقف عُمان واضحاً من الغزو الأمريكي للعراق. فقد أكد وزير الشؤون الخارجية لسلطنة عُمان، يوسف بن علوي، تسمك بلاده بمواصلة كل جهد لمنع اندلاع حرب على العراق. وقال “لا يمكن ان نسمح بأن نشترك أو نساهم بصورة أو بأخرى في دعم أي جهد ضد العراق أو أي دولة عربية”.

وفي عام 2011، حين اندلعت احتجاجات في البلاد، تم اتخاذ سلسلة من القرارات الإصلاحية منها رفع الحد الأدنى لأجور المواطنين العمانيين العاملين بالقطاع الخاص إلى مائتي ريال عماني، أي ما يعادل 519 دولارا أميركيا، وأجرى السلطان قابوس تعديلاً وزارياً شمل ستة وزراء، وقام بتعيين بعض المستشارين الجدد، ورفع المخصصات المالية الشهرية لطلبة الكليات والمعاهد والمراكز الحكومية التابعة لوزارة التعليم العالي ووزارة القوى العاملة.

ومن ضمن القرارات أيضاً، كان توفير 50 ألف فرصة عمل للعاطلين، مع منح مبلغ 150 ريالا عمانيا (388 دولارا) شهريا لكل باحث عن عمل من المسجلين لدى وزارة القوى العاملة إلى أن يجد عملا. كما أقال السلطان قابوس أهم وزيرين في حكومته، وهما الفريق أول علي بن ماجد المعمري وزير المكتب السلطاني، الذي يُعد أكبر جهاز أمني في السلطنة، ووزير ديوان البلاط السلطاني علي بن حمود البوسعيدي.

ولعل هذه القرارات الإصلاحية كانت سبباً في عدم جعل السيناريو الذي شهدته بعض الدول العربية من أن يتكرر في سلطنة عمان.

هذا، ويعد من بين الوسطات العمانية الدبلوماسية الأبرز، قيام السلطان قابوس في عام 2013، بدور الوسيط في الاتفاق النووي الإيراني، الذي وقع عام 2015. حيث استضافت مسقط محادثات سرية بين أمريكا وإيران، لتلعب بذلك دوراً مهماً في إبرام الاتفاق النووي.

ويقول الكاتب المتخصص في الشأن الخليجي ومحرر موقع “The Arab Digest”، “بيل لو”، انه على الرغم من أن قابوس لم يتلق سوى القليل من الفضل العام على ذلك، فقد أشرف على الدور الرئيسي الذي لعبته بلاده في تأمين خطة العمل الشاملة المشتركة التي حدّت من طموحات إيران النووية.

ويضيف “لو” لـ”شرق وغرب”: بصفتها وسيطًا نزيهًا، وفرت سلطنة عُمان قناة خلفية بين الولايات المتحدة وإيران للتفاوض على اتفاق. إن قرار دونالد ترامب في التاسع من شهر مايو/أيار من عام 2018، بالانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة، همّش سنوات من الجهد الحريص الذي بذله العمانيون.

ويشير إلى ان الاتفاق، الذي بشر بالنفع على كل من عُمان والمنطقة، كان مثالًا بالغ الدقة عن شكل الدبلوماسية التي برع بها السلطان قابوس، والتي وافقت بين المصلحة الذاتية العقلانية مع أجندة أوسع للسلام والأمن.

كما رعت سلطنة عُمان، التي تربطها علاقات ودية مع الحوثيين، صفقات إفراج عن عدد من الرهائن الأمريكيين. هذا، وقامت السلطنة بتبني موقفاً حيادياً منذ اندلاع الأزمة الخليجية في يونيو/حزيران 2017، وعرضت مساعيها لحلها.

وفي خضم التوترات الراهنة التي تشهدها المنطقة، يرى خبراء أن استمرار السلطنة في سياسة “الحياد الإيجابي” التي انتهجتها طيلة فترة حكم قابوس سيكون أمراً مهماً للغاية.

ويقول “لو”: مع تصاعد التوترات بشكل خطير بين الولايات المتحدة وإيران، سيتعين على (خليفة السلطان قابوس)، هيثم آل سعيد أن يقرر بسرعة ماهية الدور الذي يمكن أن يلعبه الوسيط النزيه في منطقة الخليج في محاولة نزع فتيل التوترات.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.